سورية 2017... فرص ومخاطر

توشك الأزمة السورية، بعد نحو ست سنوات على بدايتها، أن تدخل مرحلةً جديدة، مختلفة كلياً عما سبق، وهو أمرٌ يتطلب، من قوى المعارضة خصوصاً، إعادة قراءة المشهديْن، الإقليمي والدولي، والتصرّف بناء عليه، سواء فيما خصّ الوضع الميداني على الأرض، أو المسار السياسي الذي تدفع كل من روسيا وتركيا به من محطة الأستانة، على أمل أن يصل إلى جنيف. وهناك على وجه التحديد متغيران أساسيان يجب التوقف عندهما: 

الأول، رحيل إدارة أوباما يوم 20 يناير/ كانون الثاني الجاري، وأخذ سياساتها معها، وهذا أمر تترتب عليه فرصٌ كما يحمل في ثناياه مخاطر. فمن جهةٍ تستعد إدارة ترامب التي جنّدت ألد أعداء إيران، وجلهم من الجنرالات، وسلمتهم أكثر المناصب حساسيةً فيها (مستشار الأمن القومي مايكل فلين، وزير الدفاع جيمس ماتيس، وزير الأمن الداخلي جون كيلي، وجميعهم مطرودون من إدارة أوباما بسبب مواقفهم المتشددة من إيران) تستعد هذه الإدارة لاتخاذ إجراءات تحد من "التغول" الإيراني في المنطقة (Roll it back)، منهيةً بذلك سنواتٍ من التفاهم الضمني بين واشنطن وطهران لمواجهة "التطرّف السني" في سورية والعراق. ويبدو واضحاً أن ترامب، إذا تمكّن من التغلب على المقاومة الشديدة التي تبديها المؤسسة الحاكمة لتوجهاته، خصوصاً الاستخبارات والبنتاغون، ينوي استبدال التنسيق غير المعلن على الأرض مع إيران بآخر معلن مع روسيا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. لكن التنسيق الروسي-الأميركي المحتمل في سورية يحمل في ثناياه، من جهة أخرى، مخاطر جمة، اذ يرجّح أن يكون على حساب المعارضة السورية، ومكاسبها السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية، سواء لناحية الاعتراف الأميركي بشرعيتها، أو دعم مطالبها في انتقال سياسي وتحوّل ديمقراطي. 

المتغير الثاني، والذي لا يقل أهمية، هو التقارب الروسي - التركي الذي بدأ ربيع العام الماضي، وبلغ ذروته بعد المحاولة الانقلابية الصيفية الفاشلة في تركيا. وقد أفصح هذا التقارب عن نفسه في توصّل الطرفين إلى اتفاق حلب الذي خرجت بموجبه فصائل المعارضة من المدينة، ثم في اتفاق أنقرة الذي أقرّ وقفاً لإطلاق النار، استعدادا لإحياء المسار التفاوضي من الأستانة. ويحمل هذا التقارب في ثناياه أيضاً فرصاً كما يحمل مخاطر. 

من جهةٍ، تبدو روسيا وتركيا اللتان دخلتا حرب وكالة في سورية بين عامي 2011-2015، قبل أن تتحول هذه الحرب بينهما إلى تدخل عسكري مباشر (روسيا سبتمبر/ أيلول 2015 وتركيا أغسطس/ آب 2016)، مصممتين، كلٌ لغاياتها، على الدفع باتجاه حل سياسي ينهي ست سنوات من الصراع الدامي، وهو تطوّر لا يمكن وصفه إلا بالإيجابي، أخذاً بالاعتبار أن تنافس القوى الإقليمية والدولية جعل من سورية وثورتها مسرحاً للتناحر على النفوذ والسيطرة، فشرّد أهلها ودمر اقتصادها، وأحال نسيجها المجتمعي خراباً. كما أن التفاهم التركي - الروسي يعدّ بالغ الأهمية، لجهة تفويت الفرصة على محاولات تفتيت البلد، حيث تبدو واشنطن مستعدةً لمكافأة الأكراد على "تضحياتهم" في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بإقطاعهم إقليماً على الحدود السورية - التركية، يستوجب تغييراً ديمغرافياً حتى يصبح، كما يطمح الأكراد، متصلاً جغرافياً. ومنذ بدأ التنسيق التركي - الروسي الصيف الماضي، أخذنا نشهد تراجعاً في سقف الطموحات الكردية في شمال سورية، كما تبدّى في اجتماع الرميلان للقوى الكردية، أخيراً، حيث تم، بناء على ضغط روسي، إسقاط اسم "روجافا الفيدرالية" التي تم الإعلان عنها بدعم أميركي في مارس/ آذار 2016، علماً أن روسيا نفسها كانت دعمت الأكراد السوريين بقوة، رداً على إسقاط تركيا طائرتها الحربية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. فوق ذلك، فإن أي تقارب روسي -تركي سوف يحسم بالضرورة من حساب النفوذ الإيراني في سورية، وهذا لا يحتاج إلى تفصيل. 

لكن، للتقارب التركي-الروسي مخاطر يجب الانتباه إليها أيضاً، فهناك مخاوف مشروعة من وجود تفاهمات عميقة بين الجانبين حول سورية، تبدّت منذ أغسطس/ آب الماضي، حين سمحت روسيا لتركيا بإطلاق عملية درع الفرات ضد الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية. ويُخشى أن تكون تركيا أخذت في المقابل تمارس ضغوطاً على المعارضة، للقبول بتسوياتٍ لا تحقق أدنى مطالبها، أو تكون بدأت باستخدام سورية ورقة لتحقيق مزيدٍ من التقارب مع روسيا. على أية حال، هذه بعض الفرص والمخاطر التي يحملها العام 2017 للقضية السورية، والتي يتوجب درسها جيداً، حتى يصار إلى تعظيم الأولى وتصفير الثانية.

وسوم: العدد 703