حديثُ الأمّةِ السّكرى

تنامُ الأرض خَجلى مُذْ تَمَلّكَها الأُلى جَهِلوا تَضاريسَ النّدى والصّهدْ

ومُذ باتَت وجوهُ شبابِنا تَأبى بِأن تَبدو بلونِ الطّين

ومُذ خطواتِنا شَحَّت..

ولم يثبُت لنا أثَرٌ على حَصباءِ واديها

وقد بِتنا كَمِلحِ الجرحِ عُنوانَ الشّقا فيها.

ويَملأُ أفقَنا صَمتٌ يظلُّ يَلوبُ وهوَ كَظيم

وتُنكِرُنا مَواقِفُنا كجلادٍ ينالُ مُرادَهُ منّا..

ويَمضي مُغمَضَ العَينين.

بلونِ الآهِ للعالم

يروحُ ضميرُنا الأبكم

نريدُ لحالِنا الأسلَمْ

فهل نرضى؟

وهل نَسلَمْ؟

نظلُّ على المدى خيمَةْ

بظَنِّ العالمِ الأعجَم

متى نَصحو؟

متى نَفهَم؟

أتمطِرُنا السّما بَرَدًا بلونِ الصّمتِ والعَجَزِ؟

أيَنبُتُ في ملامِحِنا وفي أصلابِنا أثَرٌ بطَعمِ الطّعنِ والغَمزِ..

لكي نفهَم؟

وهل نَفهَم؟

بأنّ الخيرَ لا يدنو من الغافي، ولا يَأتيه..

وأنَّ الصّمتَ حينَ يَدُقُّ ناقوسُ الرّدى خَبَلُ

وأنّ مصيرَ مَن تَبِعوا الهَوى للتّيه

وأنّ الشَّعبَ إذ يقتادُهُ وَجِلُ

فكلُ سَحابَةٍ في الدّربِ قد تُثنيهِ، أو تُرديه..

وأن نتمَلَّقَ الطّاغوت..

ونُعطي العهدَ مَن ظَلَموا ومَن بَطَشوا..

فذلك من سقوطِ النّفسِ نحوَ هوانِها الأبدي

وإلباسُ الكيانِ الهَشِّ لونَ سَذاجَةِ القَصدِ..

فيا عُذرِيَّةَ الألوانِ من فِكرٍ وأعذارِ...

فهل أحلامُكِ الصّفرا تُفيدُ بواقِعي الضّاري؟

وهل رَقصٌ على حَبلٍ لقلبِ الهولِ يمتَدُّ...

سوى مَهوى غُبارِ النّشوَةِ الحمراءِ نحوَ سريرِ غُربَتِهِ؟

إلامَ مضى بنا العبَثُ؟

وهذا صَبرُنا المُسوَدُّ فوقَ صحائِفِ الأوهامِ يندَلِقُ

ويسرِقُنا السّدى مِن ظِلِّ أيامٍ ذَوَت في غِبِّ  سَكرَتِنا

ونحنُ نسيرُ من خَلفٍ إلى خَلْفٍ...

وذاكِرَةُ المَدارِ بِوَعيِنا تَبهَت.

ويبحَثُ في مواقَفِنا ضميرُ الصَوتِ عَن عُمرِه

يخَربِشُنا على جُدرانِ غَفلَتِنا بأقلامِ السُّدى شَرخٌ...

ويزدادُ الصّدى عُهرُ!

ومازالَ الجوابُ دماءَ أيامي على أجداثِ ذاتِ العُذرِ تَنسَكِبُ

ونحضُنُ عُذرَنا الأسوَد

يصيرُ سرابَ أمنِيَةٍ يغازِلُها...

أسيرُ هَوانِنا القسريّ..

قتيلُ حوارِنا القَهريّ..

نزيفُ سلامِنا العُهرِيّ...

فقم نتلوا حديثَ الأمّةِ السّكرى

تحاوِرُ بالمراثي بَطشَ غازيها

تعانِقً في الأماسي طيفَ نَكبِتها

وتتبَعُ في الضُّحى إملاءَ فاشيها

وتُمضي صُبحَها في دَفنِ فاديها

ويُردي عَصرَها استجداءَ واليها

***

وباسمِ مَحَبَّةِ الوَطَنِ

يحارِبُ بعضَها بعضا

وباسمِ الشّعبِ تنقلِبُ

على ما اختارَهَ الشَّعبُ

وكلّ حَصادِهِم مَرَضٌ

يزيدُ قلوبَهُم مَرَضا

***

ألا فاصغوا لنبضِ الطّينِ يا صَلصالَهُ القاسي

وهمسِ ترابِيَ المحتاجِ وجداني وإحساسي

يعودُ كيانُنا حيًا إذا تَفديهِ أنفاسي..

ويعلو شانُنا حقًا بحبِّ النّاسِ للنّاسِ..

وسوم: العدد 708