مشكلة الموسيقى مع الفتاوى المعاصرة

استكمالاً لمقال

نجدت لاطة

[email protected]

فوجئت بما كتبه الأستاذ بسام ناصر في مقاله المعنون بـ (الفقيه كيف يكون مواكباً لمستجدات عصره؟) في صحيفة (السبيل) بتاريخ 8 / 5 / 2012 ، فقد انتقد ما كتبه عن الموسيقى، وكان الأولى به أن يذكر للقارئ عنوان مقالي وتاريخه لكي يعود إليه فيعرف وجهة نظري، فقد يكون قارئ مقال الأستاذ ناصر غير مطلع على مقالي، أما أن يقدم الأستاذ ناصر للقارئ وجهته فقط فهذا ليس من الأمانة العلمية التي يدّعيها لنفسه.

 وخلاصة ما قلته في مقالي أن الفقيه الحكيم ينبغي أن يختار من الآراء الشرعية المختلف فيها ما يناسب هذا العصر، وليس ما يصادمه، فإن فعل ذلك كان مواكباً لعصره، فقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نكون ميسّرين وليس معسرين، وأن نختار للناس ما يناسب حياتهم.

 وصحيح أن معظم الأئمة السابقين اختاروا القول بالحرمة في الموسيقى، ولكن هناك الإمام ابن حزم اختار الإباحة، وابن حزم ـ للذي لا يعرف مكانته الفقهية ـ هو إمام مجتهد مطلق، وزنه من الناحية الفقهية كأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل والليث بن سعد وابن تيمية وغيرهم.. وهذا يعني أنه يجوز للمسلم في أي زمن أن يأخذ من ابن حزم أي رأي شرعي في أية مسألة فقهية.

 وبما أن الموسيقى هي مما اختلف فيها الأئمة السابقون، من الحرمة إلى الإباحة، وأنها أصبحت جزءاً من حياتنا المعاصرة، وصار المنشدون الإسلاميون يستخدمون الموسيقى متبعين قول الإباحة. وصارت الموسيقى لها أهمية في الفواصل في الإذاعة والتلفزيون، بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية في الأفلام والمسلسلات، فهل يُعقل أن ننتج أفلاماً ومسلسلات إسلامية ليس فيها موسيقى تصويرية، إذاً ستكون أفلاماً ومسلسلات باردة ليس لها قيمة فنية. فالفقيه الحكيم ينبغي أن يختار الإباحة وليس الحرمة، لأنه أيسر على الناس.

 وأنا أضرب أمثلةً من القديم ومن واقعنا المعاصر، شبيهةً بقضية اختيار ما هو أيسر على الناس. المثال الأول هو عن قول الرجل لامرأته (أنت طالق بالثلاث) أي جمع ثلاث طلقات في لفظ واحد، فجميع الأئمة السابقين يقولون أن القول (أنت طالق بالثلاث) يوقع ثلاث طلقات. إلا أن الإمام ابن تيمية كان وحده يقول بأن هذا اللفظ يوقع طلقة واحدة. ففي العصر الحديث وجد علماء الأزهر ـ وهم يفتون للناس على المذاهب الأربعة فقط ـ وجدوا أن لفظ (أنت طالق بالثلاث) انتشر بين الناس بشكل كبير، وأنه خرّب بيوتاً كثيرة من جراء هذا اللفظ، فعندها أخذ علماء الأزهر برأي ابن تيمية، وكتبوه ضمن قانون الأحوال الشخصية المصري الحديث، وذلك لأنهم وجدوه أيسر على الناس، مع أنهم خالفوا أئمة المذاهب الأربعة، ومع ذلك فلم يعترض عليهم أحد.

 مثال آخر: في كوريا يأكل الناس لحم الكلب كما نأكل نحن لحم الغنم والبقر، أي أن لحم الكلاب في كوريا شيء أساسي في حياة الناس، وكما نعلم أن أكل لحم الكلب حرام في ديننا، فالدعاة المسلمون الذين يقومون بالدعوة في كوريا وجدوا قضية أكل لحم الكلب مشكلة في طريقهم، فيصعب على هؤلاء الدعاة أن يقولوا للناس في بدء الدعوة أن أكل لحم الكلب حرام في الإسلام، فاستفتى هؤلاء الدعاة الشيخ محمد الغزالي في ذلك، فقال لهم: هناك قول ضعيف في مذهب الإمام مالك يجيز أكل لحم الكلب فخذوا به في كوريا، أي أبيحوا أكل لحم الكلب هناك، وقال لهم أيضاً: من غير المعقول أن نترك قضية أكل لحم الكلب تقف عائقاً أمام طريق الدعوة وأمام نشر كلمة التوحيد.

 فالفقيه الحكيم ينبغي أن يكون هكذا، فيختار للناس من الآراء الشرعية ما يناسب حياتهم التي يعيشونها. فإذا سأل واحد من الناس هذا الفقيه عن الموسيقى فلا ينبغي أن يذكر له الآراء الشرعية في الموسيقى، لأنه سيوقعه في حيرة، وإنما يختار له القول بالإباحة، لأنه أيسر عليه في هذا الزمن، ولكن يمكن أن يضيف الفقيه على ذلك: أن الموسيقى إذا كانت مع الأناشيد الإسلامية الهادفة فلا بأس بها، ولكن إذا كانت مع الأغاني الهابطة التي تتنافى مع تعاليم الإسلام فهي حرام.

 أنا هنا أتكلم عن كيفية تعامل الفقيه مع عامة الناس في قضية الموسيقى في هذا الزمن، ولكن إذا كان الأمر مع طلاب العلم الشرعي فالأمر مختلف، أي يذكر لهم الآراء المختلفة في الموسيقى، ويعلمهم كيف نظر إليها الأئمة السابقون.

 فهل فيما قلته هنا وفي مقالي السابق يتنافى مع جوهر ديننا الحنيف؟ وهل يُعقل أن نحرّم على الناس سماع الأناشيد الإسلامية التي فيها موسيقى؟ ما هذا الفهم العجيب لديننا؟

 وكنت قبل أيام في جلسة ثقافية كان فيه المنشد المرموق يحيى حوى، فقلت له مازحاً: أصبح سماع أناشيدك يا أستاذ يحيى حرام. لأن المنشد يحيى حوى صاحب الأنشودة المشهورة (حياتي كلها لله) أصبح يستخدم الموسيقى.

 مشكلة الأستاذ بسام ناصر وكثير من فقهاء اليوم لا يعرفون أن الكون أصبح قرية صغيرة، وأن كل معلومة أصبحت تحت متناول أيدي الكل في أية بقعة من العالم، فإذا قرأ الناس في أوروبا وأمريكا واليابان والصين وسائر بلدان العالم أن الإسلام يحرّم الموسيقى فلا أظن أحداً منهم سيدخل في هذا الدين، لأن الموسيقى عندهم ضمن المواد الدراسية في مناهج التربية، وقد وضعوها لأنها تهذّب السلوك وتسمو بالمعاني الإنسانية في الإنسان، فإذا قلنا لهم بأن ديننا يحرّم الموسيقى فسوف يُصدمون صدمة لا تسمح لهم بأن يقرأوا شيئاً عن هذا الدين. فهل يُعقل أن نقول لهم أن سيمفونيات بتهوفن حرام؟ إن أحد الإسبانيين الذين دخلوا في الإسلام صُعق حين قيل له أن الإسلام يحرّم الموسيقى، ولكن أحد الإخوة تداركه وقال له بأن المسألة فيها قولان، فأخذ الإسباني برأي الإباحة وضرب بقول الحرمة عرض الحائط.