كرسيان

كرسيان غريبان في حديقة صغيرة لكنها جميلة .. بل خلابة .. فيها بضع شجيرات وارفة الظلال رغم صغرها ، فيها عشب أخضر ترقص فوقه أشعة شمس براقة ، فيها رمل نظيف ليلعب به الصغار بنظافة ، فيها أرجوحتان جميلتان .. وألعاب لتسلية الصغار ..

كان أحد الكرسيين يجلس عليهما باستمرار رجل أربعيني .. شعره الأسود تخالطه شعيرات بيضاء .. في عينيه شغف للدنيا ومشاغلها .. كان يراقب صغيرته بشعرها الذهبي وهي تتأرجح على الأرجوحة جيئة وذهابا ، يشعر أن قلبه يطير خوفاً وقلقاً مع كل شعرة تطير من شعراتها .. هو سعيد لأنه أثبت للعالم أن المرض لم يمنعه من تحقيق حلمه فتزوج وأنجب شقراءه الغالية (سهر) ، وكان يحلم بالسنين تمضي وتمضي حتى يرى شقراءه بثوب زفافها الأبيض .. وفي طريقه لهذا الهدف نسي سني عمره التي تمضي أيضاً ..

في الكرسي المجاور .. كانت (عالية) العشرينية .. تجلس عليه لترتاح من رياضة المشي قليلاً وتشرب الماء وتستمتع بالحديقة الغناء .. كانت تنكر عليه عجلته المستمرة وصياحه على ابنته كل ربع ساعة ليستعجلها فيغادرا الحديقة ..

كانت تتكلم باستمرار بطلاقة وبراءة وسعادة .. عن الأمل .. عن الخضرة .. عن ألوان الطيف السبعة .. عن الفراشات .. عن زقزقة العصافير التي هي موسيقى الكون .. هي لا ترى الألوان القاتمة التي يراها هو .. هو كان دائماً يتحدث عن الهموم والمشاكل والمنغصات والحياة المادية .. كانت تقول في سرها :

ـ كم هو كئيب وممل ..

كان يقول في سره :

ـ ليت الحياة لا تطحنك كما طحنت سواك ..

افترقا .. كبرت حبيبته .. وسلم (سهر) لزوجها .. وحقق حلم عمره ورآها تتبختر كالملكة بثوبها الأبيض الملائكي ..

هي تزوجت وأنجبت .. وتذكرت كرسيها وحديقتها فأحضرت ابنتها لتلعب كما كانت شقراؤه تلعب .. جلست على كرسيها قلقة .. تنظر في ساعتها كل عشر دقائق .. تتذمر من صوت العصافير وحفيف الشجر لأنهما يمنعانها من التفكير والهدوء .. جلس هو على كرسيه القديم الحبيب .. ينظر إلى حفيدته وخصلات شعرها تطير في الهواء فيطير قلبه معها حباً وحناناً لا قلقاً وخوفا ..

ابتدرها بالحديث عن جمال الحديقة وتلك الشجيرات التي صارت أمهات تحملن الثمار اللذيذة .. وكيف كبر ظلهن .. يحدثها عن الاستمتاع بزقزقة العصافير وشكل الفراشات المحلقة تنثر السعادة في نفوس ناظريها .. هي خبا البريق من عينيها .. خارت قواها فلم تعد قادرة على المشي السريع كعادتها .. تريد من الوقت أن يهاجر مسرعاً فتكبر صغيرتها لعلها تعيش باطمئنان .. قال لها بعد أن أزعجه صوتها كل فترة تنادي على الصغيرة لتغادرا المكان :

ـ اسمعي .. هو عمر يمضي .. نركض نسعى لرضاهم فلا نرضي أنفسنا ولا نرضيهم .. اسعي إلى رضى الرحمن فهو كفيل برضاك ورضاهم .. لا تحبسي روحك فيكم فتتمرد روحك ويختنق من حولك .. عيشي الحياة كما أمر ربي وستسعدين ..

وسوم: العدد 700