الثورة السورية وجنرالات الأسدين

د. محمد أحمد الزعبي

( يعود سبب إعادة نشرنا لهذه المقالة ، إصدار النائب العام الألماني بيتر فرانك بتاريخ 08.06.2018 مذكرة توقيف دولية بحق مدير إدارة المخابرات الجوية السورية اللواء ، بل المجرم ، جميل حسن بسبب ارتكابه جرائم التعذيب والقتل في أقبية مخابراته الجوية ، للمعارضين السوريين السلميين ، ولا سيما بعد انطلاق ثورة 18.03.2011 الشعبية ) . 

ثلاث مسائل استوقفتني هذا الأسبوع ورغبت أن أشرك القراءالكرام بها . هذا مع العلم أن هذه المسائل الثلاثة ، تجسّد رؤيتين متباينتين ، واحدة هي الموالية للثورة ( المسألتان الأولى والثانية ) والأخرى هي الموالية للنظام  ( المسألة  الثالثة )  :

أمّا المسألة الأولى ، فهي ماقرأته قبل يومين ، وتحديدا بتاريخ 28.11.2016  لأحدالإخوة في مقال يتساءل فيه  الكاتب عن مصير الثورة السورية، ويشيرإلى بعض المظاهرالسلبية التي قد تمثل بداية النهاية للثورة ( حسب تعبيره ) ، وبالتالي سقوطها لصالح نظام بشار الأسد . ولكنه يقترح ، بنفس الوقت ، بعض المقترحات التي يمكن أن تحول دون هذا السقوط ، بل ويمكن أن تقلب ميزان القوى لصالح الثورة ، إذا ماتحققت ، أبرزهذه المقترحات : 

١. اتحاد كافة الفصائل المقاتلة  ، إن لم يكن توحدا كاملا ، فليكن غرفة عمليات واحدةعلى الأقل .

٢. تحديد هدف واحد محدد وواضح ، وأن تعمل كافة الفصائل على تحقيقه فقط .

٣. وضع خطة عسكرية دقيقة بالاستعانة بضباط التخطيط الاستراتيجي في العالم كله . 

وأما المسألة الثانية  التي  استوقفتني  ، فهي ماسمعته عبر شاشة التلفاز ، من أحد الإخوة المعنيين بالشأن السوري ، من أن ماجرى ويجري في حلب الآن ، سواء أكان نصرا أم هزيمة ، فإنه لا علاقة لبشار الأسد به  ، وإنما العلاقة كل العلاقة هي  بالدرجة الأولى للأسلحة الروسية الفتاكة والمدمرة التي تنهال على حلب ليل نهار ودونما توقف من البر والبحر والجو ، ولا سيما في الأسبوعين الأخيرين ، وبالدرجة الثانية للقوات البرية الطائفية التي يقودها قاسم سليماني والتي نقلت السلطة الفعلية في سوريا ، من يد بشار الأسد  في دمشق ، إلى يد ولي الفقيه في طهران .

أما المسألة الثالثة التي استوقفتني هذا الأسبوع ، فهي أجوبة الجنرال جميل حسن مدير مخابرات القوى الجوية ، على أسئلة  الصحفي البريطاني روبرت فسك  ، والتي نشرتها جريدة الإندبندنت Endependentالبريطانية  بتاريخ 28.11.2016 حيث اعترف جميل حسن بعظمة لسانه بالدور الوحشي وغير الإنساني الذي  مارسه ويمارسه النظام  ضد الثورة السورية .  وسأورد هنا  بعض ما استوقفني من أجوبته : 

- منذ انطلاق أحداث2011 في درعا ، طلبت من الرئيس بشار أن يسمح لي بقتل مليون شخص لوضع حد  لهذه الأحدداث . 

- لو أن الصينيين لم يسحقوا ١٩٨٩بالدبابات أحداث ساحة تيانانمن أين ستكون الصين الآن ؟.

ـ لو تم استخدام التكتيكات التي استخدمت في حماة عام 1982 لكانت هذه الحرب قد انتهت .

ـ لم تكن تركيا في الثمانينات تساند الإرهاب ،ولكن صدام حسين والملك حسين هما كانا رعاة

  الإرهاب في المنطقة  في تلك الفترة . 

- الدول الغربية هي التي تمول  المتطرفين الإسلاميين بالسلاح . 

ـ مثل الأوروبيين والأمريكان بذلك كمثل من يدخل الذئب إلى بيته ليأكل في النهاية كل الخراف .

- استهدف معارضو الحكومة ( يقصد معارضي النظام ) المسلحون، المجتمع السوري الموحد .

- الأجهزة الأمنية هي من يحفظ هذه الوحدة  للمجتمع السوري . 

- إن تصريح أوباما بوجود معارضة معتدلة أمر مثير للسخرية والاشمئزاز .

ـ اللعبة القذرة الوحيدة في حلب هي تلك التي يلعبها الأمريكيون ، وعندما تتوقف إمدادات

  الأمريكيين المعارضة بالأسلحة فإن كل شيء سينتهي .

ـ يلتقي المتشددون الإسلاميون والمتطرفون الصهاينة على هدف واحد هو تقسيم سوريا.

ـ ستكون الشعوب الأوروبية هي الأكثر تضرراً إذا انهارت سوريا .

إن ما ينبغي قوله للجنرال جميل حسن بعد هذه الجردة من الترهات (وسأوجه كلامي له مباشرة) هو : 

1.إن استشهادك بأحداث حماه عام 1982 ، هو إدانة لحافظ الأسد ولإبنه بشار ولك أيضاً .

2. إن وضعك المتطرفين الصهاينة مع المتشددين الإسلاميين في سلة واحدة ، إنما يشير إلى أن

    مدير مخابرات القوى الجوية ، ومعه نظام عائلة الأسد لايدين إسرائيل ككل ، وإنما يدين فقط

   " المتطرفين الصهاينة "، وهو مايضع أكثر من إشارة استفهام على مضمون كلامه هذا(!!).

3. إنك تعرف بالتأكيد أن أمريكا لاتزود المعارضة بالأسلحة ، إنما العكس هو الصحيح ، إنها تمنع

    تزويد المعارضة بالأسلحة عامة ، وبمضادات الطائرات خاصة ، وتدخل تصريحات مدير

    مخابرات القوى الجوية حول هذا الموضوع (على مايبدو) في إطار اللعبة الأمريكية نفسها

    الموالية للنظام فعلاً والمعادية له قولاً .

4. إن تصورك في أن قتل مليون سوري يمكن أن يحل الصراع بين الحق والباطل في سوريا ، بين

    غالبية الشعب السوري ونظام عائلة الأسد الديكتاتوري العسكري ، والذي أنت جزء منه هو

    تصورأقل مايقال فيه  ياجميل أنه تصورقاصر وبعيد عن الواقع ، وينطوي على درجة عالية من

    مرض الثقة الكاذبة بالنفس ومن اللاإنسانية و قلة الأخلاق . .

5. إن قولك أن الشعوب الأوروبية هي الأكثر تضرراً إذا انهارت سوريا ، يذكرني  بكلام رامي

    مخلوف الذي وجهه إلى إسرائيل في بدايات الثورة ، عام 2011 ، والذي ربط فيه بين  أمن  نظام

    عائلة الأسد الطائفي والديكتاتوري ، وأمن  دولة الصهاينة . إن كلام رامي مخلوف عام 2011

    وكلام جميل حسن عام 2016 يضعاننا أمام حقائق جديدة تتعلق بموقف نظام عائلة الأسد  القديم

   ( موقف الأب في حرب 1967 من احتلال الجولان ، وإصداره البلاغ رقم 66 الشهير ، وسكوته

   على هذا الاحتلال حتى مات عام 2000) و (متابعة بشار لسكوت أبيه المشار إليه حتى اليوم) ،

   وأخيراً وليس أخراً تصريحات رامي مخلوف حول الربط بين أمن إسرلئيل وأمن نظام الأسد(!!).

   ويحضرني في هذا المقام معلومة أضعها برسم الجنرال جميل حسن ، مفادها أن المرحوم هواري

   بو مدين قد زار دمشق في أعقاب هزيمة 1967 مباشرة ، وكان مما قاله للقيادة السياسية والحزبية

    السورية " إنكم إذا لم تحرروا الجولان بأسرع وقت ، فسوف تسقط أنظمتنا كلها " ، وكان يقصد

   حلف دول  المقاومة والممانعة (!!)  التي كانت تتشكل في حينها من  مصر وسوريا واليمن

   الجنوبي ونظام القذافي والنظام الجزائري .

 ودعني أسرد لك بعض الوقائع التي تؤكد مجافاة تصوراتك لحقائق الوضع في سوريا : 

1.إن كبيركم حافظ الأسد لم يصل إلى كرسي الحكم  عن طريق صندوق الاقتراع ، وإنما وصل

    إليه عام 1970 ( كما تعرف أنت جيدا ) على ظهر دباباتك ودبابات" الرفاق" الآخرين (!!). 

2. إن معلمك الحالي  بشار لم يصل بدوره إلى كرسي الرئاسة عام 2000عن طريق صندوق

    الاقتراع ، وإنما ( وايضا كما  تعرف أنت جيدا) عن طريق التوريث وذلك بعد التعديل المضحك

   والمبكي  للدستور (!!). 

3. إن رقم المليون إنسان الذين كنت ترغب بقتلهم للقضاء على ثورة 2011  ، قد تم تجاوزه الآن

    بكثير  ، بل وقد زاد طينكم بعد 2011  بلة  كل من قاسم سليماني وحسن نصر الله  ونوري

     المالكي وأخيراً وليس آخراً  قوات سورية الديموقراطية (!!)   وسوخوي فلادمير بوتين ،

     وغيرهم  ومع ذلك لم تنته هذه الحرب ، إنما ازداد أمرها تعقيداً ، ودخلت مرحلة " الإستعصاء "

     الذي لايعلم إلاّ الله  إلى متى سيبقى ، وكيف ستحل عقدته .

4.. إذا كنت ترى أن الأجهزة الأمنية  ( التلصّصية ) هي من يحافظ على وحدة الشعب السوري ألا

    ترى معي يا " جميل  " ، أن الحفاظ على هذه الوحدة الوطنية لايحتاج إلى 17 جهازاً أمنياً ؟!.

5. فيما ورد على لسان السيد روبرت فيسك الذي قابلك ، أن هذه المقابلة قد تمت بغرفة لايوجد فيها

   سوى علم سوري واحد مقابل ثلاثة أعلام روسية (؟!!)، أليس هذا الفارق في عدد الأعلام  على

    طاولة أي كان منكم أو منهم كبيراً ومؤسفاً ياسيادة الجنرال ؟ (!!) ،

6. بل أكثر وأكبر من هذا : ألا ترى معي " ياجميل " أن  استدعاء بشار الأسد أو إذا شئت استدعاءكم

    للقوات الأجنبية ( الروسية والفارسية وغيرها ) لقتل بني قومكم وعشيرتكم هو " خيانة وطنية

   عظمى" لن يغفرها لكم التاريخ (!!) ، 

7. وبدون أن أنتظر منك جوابا أعرفه وتعرف أني أعرفه على سؤالي السابق،  دعني أنبئك  بخبر

    قد لا يسرك كثيراً  ، مفاده أن ثلاثة و عشرين مليونا من أبناء الشعب السوري العظيم ، ما

   يزالون على قيد الحياة  ، رغم مليوناتك ،  ورغم تشردهم هنا وهناك ، ورغم  تداعي ذئابكم

  وكلابكم عليهم من كل حدب وصوب ، وأن حناجرهم جميعاً تصدح اليوم ، من مأذن حلب الشهباء ، بشعار وطني  واحد ،لايراه ولايسمعه إلاّ الشرفاء في هذا العالم ألا وهو : " الشعب يريد إسقاط

  النظام " ،  ف  " يا شرفاء العالم اتحدوا  " .

وسوم: العدد 776