نتنياهو وفصعة القرن

اعلان الإدارة الأمريكيّة عن ورشة عمل في البحرين 25 و26 حزيران-يونيو- المقبل، التي ستشكّل الاعلان عن الجزء الأوّل من "فصعة القرن"، وما ينضح عن أهداف تلك الندوة كما قال  كوشنر "ان الخطة ستناقش أربعة مكونات رئيسيّة هي: البنية التحتية، الصناعة، التمكين والاستثمار في الأفراد، وإصلاحات الحكم "لجعل المنطقة قابلة للاستثمار قدر الإمكان".

وما لم يقله كوشنر أو أيّ مسؤول أمريكيّ أنّ الجزء الأوّل من "فصعة الأمريكيّين للعرب" وهو الجزء السّياسيّ قد أعلن مسبقا، وتمثّل باعتراف أمريكا يوم 6 ديسمبر 2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي 25 مارس 2019 اعتراف أمريكا ببسط السّيادة الإسرائيليّة على مرتفعات الجولان السّوريّة، وما ترافق مع ذلك من اغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وقطع المساعدات الماليّة عن السّلطة الفلسطينيّة والأردنّ، ومحاصرتهما ماليّا، والعمل على تصفية وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيّين"الأنروا"، وغيرها. وتزامن ذلك مع تطبيع أنظمة عربيّة من كنوز أمريكا واسرائيل الاستراتيجيّة في المنطقة لعلاقاتها مع اسرائيل، والتحالف أمنيّا معها، وغير ذلك.

والآن يأتي الإعلان عن الجزء الاقتصاديّ؛ لتكتمل "فصعة القرن"، التي ستتبعها عمليّات تجميليّة في محاولة لخداع شعوب المنطقة وتصفية القضيّة الفلسطينيّة، لصالح المشروع الصّهيونيّ التّوسّعيّ طويل المدى.

فهل جاءت أمريكا بفصعتها هذه بجديد؟ وللإجابة على هذا السّؤال علينا العودة إلى كتاب نتنياهو "Aplase between nations" الذي صدر أوائل تسعينات القرن الماضي، وترجم إلى العربيّة تحت عنوان" مكان بين الأمم". والقارئ لهذا الكتاب سيجد أنّ ترامب ونتنياهو يطبّقان ما ورد في كتاب نتنياهو سالف الذّكر حرفيّا. ولا أعلم إذا كان القادة والسّياسيّون العرب قد قرأوا ذلك الكتاب أم لا، وهنا لا بدّ من ذكر بعض النّقاط التي وردت في ذلك الكتاب؛ لنعرف أنّ صفقة القرن هي نقل أمين لأفكار نتنياهو، وممّا أكّد عليه نتنياهو في كتابه أنّ رؤيته للسّلام تتحقّق من خلال: القدس الموحّدة عاصمة اسرائيل الأبديّة، لا دولة ثانية بين النّهر والبحر، إذا أراد الفلسطينيّون دولة فسنساعدهم على إقامة دولة في الأردن، حيث أنّ الأردن جزء من "أرض اسرائيل" التي تطلّ على الصّحراء العربيّة، والمقصود هنا الجزيرة العربيّة.

لن تنسحب اسرائيل من الأراضي التي سيطر عليها جيشها في حرب حزيران 1967. وفي حال الوصول إلى هذا السّلام فإنّ ذلك يتطلّب من اسرائيل مراقبة التّسلّح في الدّول العربيّة؛ لأنّ العرب لا يحترمون الاتّفاقات –حسب تعاليم دينهم-!، وهذا السّلام سيكون في صالح العرب؛ لأنّ اسرائيل ستعمل على حلّ مشاكل المياه في سوريا، وستقوم بتطوير الزّراعة في الدّول العربيّة، و"إذا ما اجتمعت الانتليجنسيا اليهوديّة مع الأيدي العاملة العربيّة فإن الشّرق الأوسط سيزدهر! "

أمّا بخصوص الفلسطينيّين الموجودين في "أرض اسرائيل"، وهم غزاة بدأوا الهجرة لأرض اسرائيل عام 1922؛ لعمل توازن ديموغرافي مع الهجرات اليهوديّة التي بدأت العودة إلى أرض الآباء والأجداد، فإنّ نتنياهو يرى بأن يعطيهم إدارة مدنيّة على السّكان وليس على الأرض مع تطوير الاقتصاد فيها، مستشهدا بمقولة قدوته ومعلّمه "جابوتنسكي :"لا يضير الدّيموقراطيّات وجود أقليّات قوميّة فيها."

وممّا يُفهم فيما بين السّطور أنّ "أرض اسرائيل" والمقصود فلسطين التّاريخيّة، كانت خالية من السّكان عند بدء الهجرات العربيّة إليها! بدلالة أنّ المهاجرين اليهود العائدين إلى أرض الآباء والأجداد لم يجدوا فيها شجرة واحدة، وأنّ الاحتلال العربي لأرض اسرائيل-المقصود الفتح الاسلاميّ- لم يترك أيّ أثر حضاريّ سوى بناء "قرية الرّملة"! وهذا يحمل في طيّاته أنّ "اسرائيل دولة اليهود" ستقوم بطرد أعداد كبيرة من "الغوييم" –غير اليهود-؛ لتبقى "اسرائيل دولة اليهود النّقيّة".

وممّا جاء في كتاب نتنياهو "أنّ العرب يرفضون أيّ شيء يُطرح عليهم، ثمّ لا يلبثون أن "يتكيّفوا" معه، وأعطى مثالا على ذلك بأنّ العرب قبل حرب عام 1967 كانوا يطالبون بالقضاء على اسرائيل، وبعد حرب حزيران صاروا يطالبون بالانسحاب من الأراضي التي احتلّت عام 1967، وإذا ما قمنا باحتلال مرتفعات السّلط في الأردنّ؛ فإنّهم سينسون احتلال عام 1967 و"سيتكيّفون" معه، وسيطالبون بالانسحاب من مرتفعات السّلط.

ومن يتابع سياسة نتنياهو منذ استلامه رئاسة الحكومة الاسرائيليّة فإنّه لم يتنازل عن شيء من أفكاره التي طرحها في كتابه آنف الذّكر، بل يقوم بتطبيقها بشكل أمين وعلى رؤوس الأشهاد. وجاء الرّئيس الأمريكيّ ترامب ليتبنّى تطبيقها كخطّة سلام، ويبدو أنّ كنوزهم الاستراتيجيّة في المنطقة العربيّة قد تكيّفوا معها تماما، فهذه فصعة القرن الأمريكيّة للسّلام في الشّرق الأوسط.

وسوم: العدد 825