لبنان.. هل ينجح الحراك اللبناني في تحقيق أهدافه؟

مركز الفكر الاستراتيجي مقدمة

يعيش المجتمع اللبناني حالة حراك شعبي واسع منذ السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2019 على إثر إعلان الحكومة اللبنانية ضريبة على المكالمات الصوتية بواسطة تطبيقات الإنترنت (الواتسأب) بمعدل ستة دولارات شهرياً، ضمن مجموعة من الإجراءات التقشفية الهادفة إلى التخفيف من الأزمة المالية التي تمر بها البلاد. ضم هذا الحراك مختلف الطوائف؛ السنية والشيعية والمسيحية؛ على اعتبار أن هذه الإجراءات لا تطول المتنفذين من الطبقة السياسية وإنما تستهدف بشكل أساسي الطبقة الفقيرة- وهي الغالبة- في المجتمع اللبناني، كما أن مثل هذه الإجراءات تحمّل الشعب عاقبة السياسات الحكومية الفاسدة المستمرة منذ عقود.

ونظراً إلى الموقع الاستراتيجي للبنان، وقربه من كثير من الملفات الحساسة في المنطقة، فقد كان للأطراف الخارجية دور كبير في تعميق حالة الارتهان للخارج من أجل الحفاظ على التوازنات السياسية الداخلية، وهو ما أدى إلى تراكم الإشكاليات والقضايا وتعقدها بمرور الوقت. أضف إلى ذلك مسألة تزامن الحراك اللبناني مع الاحتجاجات في العراق في الوقت الراهن، وهو ما قد يؤثر بشكل كبير في الجانب الأمني في المنطقة.

يبحث تقدير الموقف في الأسباب الأساسية للحراك اللبناني، وما مؤشرات قدرته على تغيير حالة المحاصصة السياسية الطائفية، وما إمكانية قدرته على تجاوز معدلات الفساد المرتفعة والمؤثرة في القطاعين الاجتماعي والاقتصادي.

الخطوط العامة للحراك اللبناني

تميزت (انتفاضة الواتسأب)- كما أطلق عليها في لبنان- عن غيرها من الحركات الاحتجاجية السابقة أنها جمعت اللبنانيين من مختلف الطوائف، وانطلقت من مختلف المناطق، فضلاً عن أنها تجاوزت استخدام الشعارات المستهكلة من قبل الطبقة السياسية في البلاد، إذ لم يكن هناك إشارة إلى اللاجئين على أنهم أحد أسباب الأزمة، كما أنها تجاوزت البعد الطائفي بشعارها: "كلن يعني كلن" (كلهم يعني كلهم)، في إشارة إلى مطالبتها بإقالة الرؤساء الثلاثة؛ رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو ما يشير إلى فشل اتفاقية الطائف التي طبقت من أجل تجاوز مرحلة الحرب الأهلية لكنها لم تهدف- في الأساس- إلى خلق استقرار سياسي واقتصادي حقيقي في البلاد.

ليست هذه هي المرة الأولى التي ينتفض فيها المجتمع اللبناني بهذا الحجم، فمنذ انطلاق الربيع العربي في 2011 انتفض اللبنانيون 6 مرات لأسباب مختلفة، ففي 27 فبراير/شباط 2011 ظهرت حركات احتجاجية شعبية طالبت بإصلاحات سياسية واقتصادية، لكن سرعان ما وئدت تخوفاً من حدوث انقسام طائفي في البلاد. وفي 22 من أغسطس/آب 2015 انطلقت (احتجاجات النفايات)؛ حيث دفع التراكم غير المسبوق للنفايات في الشوارع اللبنانيين لاحتجاجات غاضبة واسعة النطاق، متهمين الحكومة بالفشل، وبالمسؤولية عن تردي الأوضاع من جراء الفساد.

في حين انطلقت (احتجاجات الضرائب) في 19 مارس/آذار 2017 تنديداً بإقرار الحكومة زيادة ضريبية لتمويل رواتب العاملين بالقطاع العام، لكنها لم تستمر، وفي العام ذاته وبعد 6 أشهر فقط من الاحتجاجات السابقة نفذ موظفو القطاع العام ومعلمو المدارس الرسمية إضراباً للمطالبة بإقرار النظام الجديد للرتب والرواتب، وقد أقرها البرلمان في وقت لاحق، في حين انطلقت حركات احتجاجية في أبريل/نيسان المنصرم من قبل العسكريين المتقاعدين؛ رفضاً للمساس بمكتسباتهم وحقوقهم التقاعدية في مشروع موازنة الدولة لعام 2019.

أسباب الانتفاضة الشعبية

يمكن رصد ثلاثة أسباب للحراك اللبناني القائم، أبرزها يرتبط بالجانب الاقتصادي الذي حرك الاحتجاجات الأخيرة؛ فبحسب مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، حصل لبنان عام 2018 على 28 من مئة نقطة في ما يتعلق بفساد القطاع العام، وهو ما يجعله واحداً من أشد البلدان فساداً في المنطقة، إذ يحتل المركز 138 عالمياً بين 180 دولة، أضف إلى ذلك حالة الاستقطاب السياسي الحادة بسبب نظام المحاصصة الطائفي الذي اعتُمِد منذ توقيع (معاهدة الطائف) في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم، الذي هدف إلى إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت قرابة خمسة عشر عاماً.

من جهة أخرى تأثر لبنان بسبب قربه الجغرافي من مناطق الاضطرابات الإقليمية في المنطقة، وهو ما أدى إلى إغلاق المبادلات التجارية مع سورية والعراق والأردن وبلدان الخليج، وذلك تسبب في تباطؤ النمو الاقتصادي في البلاد وانكشاف المشاكل البنيوية في الاقتصاد اللبناني وسياساته المالية. ويتجاوز الدَّيْن العام في لبنان حالياً حاجز 85 مليار دولار؛ أي ما يمثّل 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومعظم هذا الدين مستحق للمصارف اللبنانية التي لديها نفوذ واسع النطاق على الطبقة السياسية التي يصعب مساءلتها ومحاسبتها قانونياً نتجية لفساد القضاء وعدم حياديته.

ونتيجة لعجز الحكومة اللبنانية عن توفير الخدمات الرئيسة، مثل الكهرباء والمياه النظيفة ومنع التلوث ووسائل النقل العام وجمع القمامة وفرزها، ارتفع سقف مطالب الحراك إلى تغيير الطبقة السياسية بمنظوماتها نتيجة لفشلها.

أما على الصعيد الاجتماعي فقد أثر نظام المحاصصة في ترسيخ الثروة في يد طبقة صغيرة من الشعب، ففي دراسة لمنظمة أوكسفام صدرت مطلع العام الجاري تبين أن 7 أثرياء لبنانيين يملكون ثروة شخصية إجمالية تبلغ 13.3 مليار دولار؛ أي عشرة أضعاف ما يملكه نصف الشعب اللبناني. كما يملك 1 في المئة من اللبنانيين ثروة تزيد على ما يملكه 58 في المئة من اللبنانيين، من جهة أخرى يسهم نظام التوظيف القائم على المحاصصة الطائفية في زيادة انتشار نسب الفساد وعجز الدولة عن تمويل المشاريع بسبب توزيعها عشوائياً بناءً على الولاءات الطائفية لا على الكفاءات أو الحاجة الوظيفية.

أضف إلى ذلك التأثير الكبير لطبيعة النظام السياسي في الحراك المجتمعي القائم، إذ يقوم النظام السياسي في لبنان على نظام محاصصة سياسي طائفي، بدأ تطبيقه منذ ما عرف بميثاق 1948 وبموجبه وزعت السلطات السياسية الثلاث بين طوائفه الكبرى؛ رئيس جمهورية ماروني بسلطات واسعة، ورئيس وزراء سني متفاهم معه، ورئيس مجلس نواب شيعي يدير جلسات المجلس.

وبعد استمرار الحرب الأهلية الطائفية في لبنان (1975-1990) جاءت (اتفاقية الطائف) لتضع حداً للاقتتال الداخلي وتخلق جواً من الاستقرار السياسي، لكن وعلى عكس ما كان يُتَوقع منه أفرز هذا النظام جملة من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة لتوزيع المناصب بناءً على الولاءات الطائفية لا على الكفاءة، وهو ما انعكس بشدة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، إذ ارتفعت نسبة المديونية العامة للبنان منذ عام 2005، وهو ما سبب حالة من الشلل السياسي المستمر نتيجة للصراع القائم بين الطوائف من أجل اقتسام الموارد والسلطة، وهو ما حال دون إقرار أي إصلاحات فاعلة على أرض الواقع.

موقف الأطراف الفاعلة

تتعدد الطوائف في لبنان؛ إذ ثمة 18 طائفة، غير أن ستاً منها فقط من لها حضور على المستوى السياسي وهي: من الطائفة المسيحية (الموارنة، والأرثوذكس، والكاثوليك)، ومن المسلمين (السنّة، والشيعة)، إضافة إلى الدروز. ومن الصعب إيجاد معيار محدد لتصنيف هذه الطوائف، لكن بات معروفاً أنه بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري انقسمت القوى السياسية اللبنانية بين تحالفين رئيسيين: قوى 14 آذار التي يشكل تيار المستقبل عمودها الفقري، وتمثل مصالح الولايات المتحدة والسعودية على المستوى الإقليمي والدولي، وقوى 8 آذار التي تضم القوى الشيعية، وبعض التيارات المسيحية، وتمثل مصالح إيران الإقليمية في المنطقة.

تباينت مواقف هذه الطوائف؛ فمنها من أعلن تأييده لمطالب الشعب، ومنها من حذر من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة تكون نتائجها كارثية على المستويين المحلي والدولي. ومن أبرز الفرق التي أعلنت تأييدها الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه النائب وليد جنبلاط، وحزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، الذي استقال أربعة وزراء من ممثليه، في حين لم يستقل وزراء الحزب الاشتراكي، وهما اثنان، خشية أن تدخل البلاد في فراغ حكومي، ورغم تباين مواقفهما السياسية يتفق التياران مع مطالب المنتفضين؛ وذلك بسبب أنهما يشتكيان من تهميش دورهما في الحكومة الحالية، ويرى الحزبان أن المسؤول عن ذلك هو (التيار الوطني الحر) و(حزب الله) وحلفاؤهما.

بالنسبة إلى الأطراف المعارضة، وعلى رأسها حزب الله، وحركة أمل، وتيار المستقبل، والتيار الوطني الحر، فيتلخص موقفهم في الاعتراض على رفض (الانتفاضة) للسلطة بمجملها، إذ يرون أن مطلب إسقاط المنظومة السياسية بأكملها يخدم غايات سياسية لقوى محلية أو أجنبية، لكنهم في نفس الوقت يؤكدون مشروعية المطالب الاقتصادية التي حاولوا أن يحققوها لكن الشركاء، أو طبيعة النظام اللبناني، حالت دون ذلك، حسب تصريح الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله.

موقف الرئاسة والحكومة اللبنانية

رغم تأثر المسار السياسي لرئيس الوزراء سعد الحريري بسبب تراجع قوى 14 آذار أمام قوى 8 آذار نتيجة لتوقف الدعم السعودي له، تبدو رغبته واضحة في الاستفادة من الحراك الشعبي القائم لتغيير موازين القوى السياسية في الداخل اللبناني، ويتضح ذلك من خلال مسارعته إلى تقديم استقالته في 29 من أكتوبر/تشرين الأول ليحمل مختلف الأطراف السياسية فشل الوضع الاقتصادي، كما يتضح ذلك من خلال تصريحه بأنه يأمل أن "يكون ما وقع بداية نهاية النظام الطائفي في لبنان"، وكأنه يسعى إلى تقوية الحضور السني في المنظومة السياسية بعد أن ضعفت مقابل الحضور الشيعي. من جانبه تعهد الرئيس اللبناني ميشال عون بإجراء إصلاحات اقتصادية ومحاربة الفساد، لكنه حذر في نفس الوقت من الفراغ المؤسساتي إذا أصر المتظاهرون على رحيل الرئاسات الثلاث.

ورغم تحذير كثير من الأطراف الإقليمية والدولية من خطورة تردي الوضع السياسي في حال استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، أعلنت الرئاسة اللبنانية، يوم الأربعاء 30 أكتوبر/تشرين الأول 2019، قبول استقالة حكومة سعد الحريري، وتكليفها بتصريف الأعمال لحين تشكيل وزارة جديدة.

مواقف الأطراف الخارجية

تلخص موقف الأمم المتحدة بدعوة أمينها العام، أنطونيو غوتيريش، جميع القوى السياسية في لبنان إلى الهدوء، مطالباً قوات الأمن بحماية المتظاهرين السلميين والمحافظة على أمن البلاد. في حين تجلى الدور الفرنسي في تهدئة الأوضاع من خلال تصريح وزير خارجيتها جان إيف لودريان، في 29 أكتوبر/تشرين الأول، إذ أكد أن "استقالة الحريري ستزيد من حدة الأزمة، وفرنسا تدعو المسؤولين اللبنانيين للقيام بكل الجهود لضمان استقرار المؤسسات ووحدة البلاد".

في حين انتقد الموقف الإيراني الحراك اللبناني الذي تزامن مع الحراك الشعبي في العراق، وحمل المرشد الإيراني، علي خامنئي، الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية عن "أعمال الشغب وانعدام الأمن" في العراق ولبنان، وذلك وفق تصريحات نقلتها عنه وكالة (تسنيم) الإيرانية يوم الأربعاء 30 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

سيناريوهات

ما يميز الحراك اللبناني الحالي هو تنوعه وسلميته، وهو ما يشير إلى قدرته على الاستمرار، لكن قدرته على التأثير مرهونة بقدرته على تنظيم نفسه وتصديره لقيادات- أو على أقل تقدير متحدثين باسمه- ليتمكن من تحريك المياه الراكدة لتحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية.

-  السيناريو الأول: نجاح الحراك في تحقيق أهدافه جزئياً

يفترض هذا السيناريو قدرة الحراك اللبناني على تحريك المياه الراكدة في الجانب السياسي، وهو ما قد يفضي إلى تشكيل حكومة جديدة لا تقوم على المحاصصة الطائفية وإنما على الكفاءات التي قد تسهم في تنفيذ إجراءات تعمل على إخراج لبنان من حالة الاحتقان الاقتصادي والسياسي القائم. يعزز هذا السيناريو الاستجابة السريعة من قبل الحكومة، وتفاعل مختلف الأطراف السياسية مع مطالب الحراك، خصوصاً بعد أن ارتفع سقف مطالبها من إصلاح الأوضاع الاقتصادية إلى تغيير المنظومة السياسية ككل.

-  السيناريو الثاني: تعزيز الانقسام المجتمعي

يفترض هذا السيناريو فشل الحراك اللبناني في تحقيق مطالبه وإمكانية انزلاقه إلى صراعات ومناوشات بين الأطراف الداخلية، ما قد يفضي إلى اندلاع حرب أهلية على غرار ما حدث في وقت سابق، خصوصاً أن بوادر المناوشات الطائفية ظهرت منذ بداية الحراك، إضافة إلى وجود انقسامات داخلية في الحراك نفسه حول مسائل جانبية؛ كقطع الشوارع من عدمها، أضف إلى ذلك التهديدات المباشرة التي أطلقها حزب الله في وقت سابق في اعتراضه على مطالب الحراك، وهو ما يبرر احتمالية اندلاع صراعات بين مختلف الفصائل اللبنانية في الداخل. ورغم وجود مؤشرات تستبعد تحقق هذا السيناريو؛ كتأثير الموقع الجغرافي للبنان وارتباطها بكثير من الملفات الحساسة، تبقى إمكانية تحققه واردة؛ نظراً لحالة الاحتقان السياسي على المستوى الداخلي، والتجاذبات الإقليمية على المستوى الخارجي.

وسوم: العدد 850