الطاغية لصّا: كيف تنهب بلدا وتصرف ثرواته في الغرب؟

يصور الكاتب البريطاني فردريك فورسايث، في روايته «كلاب الحرب»، بلدا متخيلا، يقوم حاكمه، بالقضاء على أي شخص معارض لإرهاب باقي السكان ويخبئ الأموال المنهوبة منهم والمتراكمة لديه في سويسرا.

لم يقم فورسايث باعتماد أبحاثه وتقاريره الصحافية عن بلد وديكتاتور حقيقيين فحسب، ولكنه شارك أيضا في صنع حبكة الرواية بالتفاوض مع جنود مرتزقة، للقيام بانقلاب على الديكتاتور الذي استنسخته الرواية، والذي كان حينها حاكم غينيا الاستوائية، فرانسيسكو ماكياس نغويما، الذي بعد أن قتل عشرات الألوف من رعاياه، وأفقر الباقين، أعلن نفسه رئيسا أبديا وحظر الدين ورفع شعار «ليس هناك إله غير ماكياس نغويما»، وهو ما يذكّرنا بالطبع بأكثر من رئيس عربيّ، لكنّه لا يذكّرنا بروائيين بخطورة فورسايث، إلا إذا اعتبرنا انتظام بعض المثقفين، كصديقي فرج بيرقدار، في حزب شيوعي سري، محاولة لـ»الانقلاب» على الديكتاتور الذي حكم سوريا على طريقة نغويما منذ 1970.

تنتهي قصة نغويما فعلا بانقلاب ناجح عليه عام 1979 قام به ابن أخيه تيودورو أوبيانغ، الذي أصدر على عمه حكما بالإعدام 101 مرة! وحكم البلاد منذ ذلك الحين متابعا سيرة عمه في ثنائية القمع والنهب، وهو يعتبر حاليا الزعيم «المنتخب» الأطول حكما في العالم، فيما تعتبر بلاده واحدة من العشر دول في أسفل قائمة الحريات في العالم.

حسب كتاب «بلاد المال: لماذا يحكم اللصوص والمحتالون العالم حاليا وكيف نستعيده؟» لأوليفر بالوف Oliver Bullough، الصادر مؤخرا، فإن عدد الكتب السياسية والاقتصادية، التي تشرح أوضاع بلدان مثل، غينيا الاستوائية ونظيراتها في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ضئيل، وأن من يريد معرفة ما يحصل فعلا عليه قراءة كتب الروائيين، أمثال تشينوا اتشيبي، الكاتب النيجيري (صاحب «الأشياء تتداعى» التي ترجمها الشاعر العراقي سعدي يوسف) الذي يستشهد، في مقالة له، بمثال عن الوضع الغرائبي لعلاقة سلطات تلك البلدان بمواطنيها، فيحكي كيف كان وزوجته وابنته في رحلة بالسيارة بين مدينتين في نيجيريا، حين سمع صفارات إنذار فابتعد مع السيارات الأخرى لتمرير قافلة أمنية تضم جيبا وسيارة وشاحنة، وراقب مذهولا كيف أن أحد عناصر الشرطة في الشاحنة، فتح سحاب بنطاله وأخذ يبول على الطريق والسيارات المحاذية.

يسمي بالوف مزيج القمع والفساد والتسهيلات العالمية للأموال المنهوبة بـ»بلاد المال»، التي بدأت تتشكل بعد الحرب العالمية الثانية، مع اكتشاف بعض المصرفيين والمحامين وحكومات البلدان الصغيرة، طرقا لاستثمار المال السرّي المخبأ في البنوك السويسرية، لأثرياء يهود هرّبوا أموالهم خلال الحرب، أو لنازيين متخفين لا يريدون كشف مصادر منهوباتهم، أو لأغنياء أمريكيين أو أوروبيين يريدون التهرب من الضرائب، فنشأت بنى مثل شركات الأوفشور والشركات المجوفة Shell companies والملاذات الضريبية الأولى في سويسرا وجيرزي ولوكسمبورغ.

غير أن التطور الهائل اللاحق الذي حصل هو أن عدد كبيرا من الحكام وأقاربهم في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية و»الشرق الأوسط» جمعوا مبالغ هائلة نتيجة نهب بلدانهم ومواطنيهم، إلى درجة أن الأسواق المحلية لم تعد قادرة على استيعاب كميات لانهائية من المال، وما لبث هؤلاء أن اكتشفوا طرق إخفاء المليارات المنهوبة، بحيث تستحيل معرفة حجمها وأماكن وجودها، وعرفوا طرق إيصالها إلى بنوك أمريكا وأوروبا، ثم استخدامها في استئجار محامين ومكاتب ضغط سياسي وشراء عقارات وتأسيس شركات «شرعية».

استبدلت معادلة استنزاف اقتصادات «البلدان النامية» خلال الفترة الكولونيالية لصالح الدول المحتلّة، لصالح معادلة استنزاف تلك الاقتصادات، لصالح الزعيم الحاكم الجديد وبطانته، وساهم نزاع الحرب الباردة بين أمريكا وحلفائها والاتحاد السوفييتي في تثبيت هذه المعادلة، لأن الطرفين تغاضيا عن نهب الشعوب وقمعها ما دام الحاكم حليفا. تقوم «بلاد المال» على هذا التطور التاريخي للعلاقة الغريبة الناشئة بين عالمين، الأول فيه مؤسسات سياسية ديمقراطية قوية وأحزاب متنافسة وقضاء لا يتحكم فيه السياسيون، وشفافية عالية، وإعلام جريء وطرق منظمة لمراقبة حركة الأموال وضبط أشكال الفساد والهدر والتهرب من الضرائب، والآخر فيه عائلة أو طغمة صغيرة حاكمة تقوم بالسيطرة على كل شيء، وتحوله إلى ثروات شخصية يتم تهريبها إلى العالم الأول وتوظيفها فيه.

تضم المعادلة طرفا غنيا يزداد ثراء مع تدفق الأموال المنهوبة إليه، وطرفا يزداد سكانه بؤسا وفقرا ومرضا، وفيما تذهب تلك الأموال لدعم ماليات الدول الغنية أصلا ورفاهية سكانها، تسرق الأموال العامة من قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وبتلك الأموال المهربة يشتري أفراد العائلات الحاكمة عقارات ويخوتا ولوحات وقصورا في باريس ولندن وفيينا، وتشتري زوجاتهم معاطف الفراء وأحذية جلد النعام وعمليات التجميل.

كان مواطنو أوكرانيا، عند استقلالها عام 1991، متقاربون ماليا، ومع عام 2013 صار 45 شخصا يملكون نصف مجموع ما يملكه كل الأوكرانيين. وفي هذا المسار القصير لأوكرانيا، التي تعتبر حاليا أفقر دول أوروبا، تعقيدات «بلاد المال»، مع انحناءاتها السياسية، كما لاحظنا عبر سيرة المحامي الأمريكي بول مانافورت، المسجون حاليا بتهم فساد عديدة، الذي كان مستشارا لرئيس أوكرانيا الهارب فيكتور يانوكوفيتش، وعمل في حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصولا إلى اتصال ترامب الهاتفي بالرئيس الأوكراني الجديد، الذي أدى إلى ما نعرفه من إجراءات الكونغرس لعزله.

لشرح غرابة هذه العلاقة علينا أن نقوم بمقارنة بين العالمين، فعلى الولايات المتحدة الأمريكية كي تصبح مثل روسيا أن يتشكل تحالف فساد هائل يشمل نواب الكونغرس ووزارتي الخزانة والعدل وعملاء «سي آي إي» و»إف بي آي»، وحرس الحدود، والشرطة، والبنك المركزي، والمحكمة العليا وقضاة الأقاليم، وعائلات العصابة المنظمة، ومديري الشركات الـ500 الكبرى، والمصارف، والبورصة، وأن يكون الذهب تحت سيطرة هؤلاء، وكذلك الاحتياط النقدي والصناعات الكبرى، كالنفط والغاز والمناجم والأحجار الكريمة والغابات والبناء والتأمين والخدمات المالية، بحيث يسمح للتحالف المذكور بالتصرف على أن كل هذه العناصر هي ملكيات خاصة لهم، وهذا ما يفسر أن الـ10% الأكثر ثراء في روسيا يملكون 87% من ثروة البلاد، وهي النسبة الأعلى في العالم في دولة كانت «شيوعية» قبل 3 عقود.

يقدم الكتاب أمثلة مذهلة عن أولئك الطغاة وأبنائهم وأقربائهم، كما هو حال غولنارا كريموفا ابنة رئيس أوزبكستان، التي بنت ثروة كبيرة من رشاوى شركات الاتصال والنفط، وفتحت حسابات في لاتفيا وهونغ كونغ وهولندا ونيويورك وجزر فرجينيا البريطانية؛ وراؤول ساليناس، أخو الرئيس المكسيكي الأسبق، الذي قبض عليه عام 1995 بتهمة القتل وتم تجميد مبلغ 132 مليون دولار من حساباته؛ وابنة رئيس أنغولا (وهي روسية أيضا)، إيزابيل دوس سانتوس، التي تعتبر أغنى امرأة في افريقيا؛ وتيودورين أوبيانغ، ابن رئيس غينيا الاستوائية سيئ السمعة.

إضافة إلى الصعوبات الهائلة التي تفرضها حكومات الملاذات الضريبية لمنع كشف مالكي الشركات فيها، والتسهيلات التي تقوم بها البنوك ومؤسسات المحاماة والمستشارون الغربيون الماليون، حين يتعلّق الأمر بأشخاص يملكون ثروات كبرى أو لصوص أو مجرمين حتى، فإن أولئك يستخدمون وسائل أخرى منها، شراء جوازات سفر تريحهم من أعباء العقوبات السياسية أو الاقتصادية المفروضة على بلدانهم، أو شراء مناصب دبلوماسية لدول صغيرة تعطيهم حصانة قانونية، ولكن الجائزة الكبرى، هي في تحولهم إلى «رجال أعمال» شرعيين داخل الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي شرطي العالم المالي، ولكنها أيضا أهم مركز عالمي لتبييض الأموال. في تركيزه على الشأنين الروسي والافريقي، ينشغل صاحب كتاب «بلاد المال» عن «كنز علي بابا» الكبير، الذي تمثله البلدان العربية، التي تجري فيها حاليا معارك كبرى في الشوارع ضد الفساد ونظمه، وهذه المنطقة تحتاج كتابا يستقصي فيها انتقال العرب من حالة التطبيع مع الفساد والنهب والقمع والرعب من أربابه، إلى الثورة على هذه المنظومة الكارثية التي تحاول القضاء على مستقبل شعوبها.

وسوم: العدد 850