قضية توكل كرمان: أصوليو العلمانية كظهير للاستبداد!

أثار نبأ اختيار إدارة شركة «فيسبوك» لتوكل كرمان، الناشطة الحقوقية اليمنية، كعضو في «محكمة عليا»، تنظر في طعون جمهور الشركتين ضد قرارات موظفيها أنفسهم، جدلا على وسائط التواصل الاجتماعي (بما فيها فيسبوك طبعا)، واندلعت معركة جديدة ـ قديمة ترفض وتهجو وتحرض ضد كرمان، من قبل مسؤولين ومثقفين وناشطين، وذلك بالتوازي (والتآلف المضمر والمُدرك طبعا) مع السوق الهائجة لـ«الذباب الإلكتروني»، ليختلط، في جبهة الهجائين، حابل موظفي الدعاية الرسمية لبلدان الطغيان العربية، مع نابل أنصار المدرسة العلمانية الأصولية، لينزلق النقاش إلى مستوى من التهافت العبثي على المشاركة في معركة تقاسم «لايكات» الأشباه والنظائر!

كان طبيعيا أن تعلو أصوات سياسية وإعلامية، ضمن بلدان تقوم توكل كرمان عادة بانتقاد حكوماتها، وقد عبّر المستشار الملكي السعودي محمد آل الشيخ بشكل بليغ حين قال إن «تعيين» كرمان في فيسبوك «يوجب على السعوديين والإماراتيين والبحرينيين والمصريين الانسحاب من المنصة».

ضمن هذا السياق كان تعليق مها بنت شعلان القرني، وهي كاتبة سعودية صاحبة «دكتوراه في القيادة الاستراتيجية من جامعة الملك سعود»، اعتبرت أن «تعيين توكل كرمان في إدارة المحتوى على فيسبوك وأنستغرام، سوف يُسهم في توغل الإخوان وفكرهم في تشكيل المحتوى»، و«رغم جهود العالم الكبيرة في محاربة التطرف، إلا أن فيسبوك ارتكبت خطأ كبيرا، فتاريخ هذه المرأة ومواقفها السياسية لا تتناسب مع هذا الدور». يرد الأكاديمي والكاتب الإماراتي عبد الخالق عبد الله المورد نفسه، ولكنه يدقق في توصيفه لعلاقة كرمان بفيسبوك بقوله إنها «لا تستحق أن تكون في مجلس عالمي للإشراف على محتوى فيسبوك»، معللا ذلك بأنها «هي وخطاب الكراهية صنوان».

خطابان: رسمي و«ذباب إلكتروني»

يبدو سبب الاعتراض واضحا لدى آل الشيخ («من ليس معنا فهو ضدنا»)، أما لدى بنت شعلان فيتعلق الأمر بـ«توغل الإخوان» في تشكيل المحتوى»، و«جهود العالم في محاربة التطرف»، وأنها «وخطاب الكراهية صنوان» لدى عبد الخالق عبد الله. إذا كان هذا «الخطاب الرسمي» لممثلي الأنظمة، فليس مستغربا أن تكون ترجمته عند «الذباب الإلكتروني» تعليقات مثل أن «كرمان إحدى دعاة المؤامرة» وأن «مواقع التواصل تحت سيطرة جماعة الإرهاب عالميا»، وأنهم «عملوها من 2008 تمهيدا للربيع العبري في 2011»، وبذلك نصل في هذه الخلاصة الهذيانية إلى «أس الخطاب»: المؤامرة، الإرهاب، الربيع العبري إلخ!

لا يكترث المذكورون بضرورة استكشاف، إن كان الأمر هو «تعيين» لكرمان في فيسبوك، كما يعين الملك أو الرئيس الوزراء والمسؤولين (أو أعضاء مجلس الشوري)، أم أنه أمر من طبيعة مختلفة، مقصودها الحد من «سلطات» فيسبوك ومراقبته ووضع محكمة ديمقراطية مؤلفة من عشرين عضوا من مشارب وجغرافيات وثقافات مختلفة، للطعن، بناء على طلب الطاعنين في قراراته، وهو ما يعني أن اختلاف كرمان، كونها امرأة ومحجبة ويمنية وعربية، وذات ميول إسلامية، هو أمر مطلوب بذاته، وإلا صار اختيارها مثل «تعيين» الحاكم العربي لمسؤوليه في الاستشارة و«القيادة الاستراتيجية»: تنفيذ ما يريده ولي أمره.

من الإرهاب إلى «الربيع العبري»

لا يقتضي أمر تفنيد هذا الخطاب أكثر من عكسه وتخيل ماذا سيحصل لو أن سلطات آل الشيخ وبنت شعلان وعبد الله قامت بـ«التوغل» في تشكيل المحتوى، وكم ستتناسب «المواقف السياسية» لتلك السلطات ومسؤوليها، لو أنها كانت المخولة بمراقبة المحتوى وتشكيله، مع الدور المفترض من وسائل التواصل، ولو أن دورها في «محاربة التطرف» (بتقطيع المعارضين واغتصاب الناشطات) امتد إلى داخل تلك الوسائل، وكم سيكون جمهور فيسبوك سعيدا بطريقة تعامل سلطات منظومة الطغيان العربية لـ«المؤامرة» و«الإرهاب» و«الربيع العبري»، والأغلب، في ظني، أن المطلوب هو تعيين أحد ضباط الأمن، أو للتمويه والتغطية، تعيين أكاديمي مختص في تقديم المشورة للحكام، مكان كرمان، ليقوم بمحاربة المؤامرة والإرهاب والتطرف.

غير أن هذا كوم، وطريقة تعبير بعض الجمهور «العلماني» العربي، لرفض كرمان، كوم آخر، والحقيقة تقال إنني لم أستغرب، شخصيا، ردود أفعال أشخاص، من أصدقائي ومعارفي وزملائي في معارضة الاستبداد، من هذا الموضوع، وقد ارتأيت، احتراماً لأشخاص هؤلاء، رغم فظاظة آرائهم، وبذاءتها أحيانا، أن أناقش بعضها.

مطالبة بعض العلمانيين بإقصاء «الإسلاميين» باسم الديمقراطية تفتح الطريق أمام الطغاة لإقصاء الجميع. الدفاع عن وجود الإسلاميين، بهذا المعنى، هو أيضا دفاع عن وجود العلمانيين أنفسهم، أما البديل فهو إغلاق باب السياسة وفتح باب الحروب الأهلية.

من بين معارفي على فيسبوك المنتقدين، الناشط والقاص السوري غياث الجندي، الذي قال: «مبروك صار الفيسبوك إخونجي، بعد انضمام توكل كرمان الإخونجية القطرية لمجلس سفهائه»، والكاتب السوري سمير سليمان، الذي نشر تعليقا يشبّه اختيار فيسبوك لكرمان بديكتاتورية الأسد، الذي يفرض كونه رئيسا، وديكتاتورية الإسلاميين، الذين يريدون فرض دولة إسلامية، معتبرا أن حيازتها نوبل للسلام هو لجمعها «أسوأ أمرين: ضحالة وسماكة المخ الإسلامي ونذالة التأييد للأسد العلماني»، والصحافية اللبنانية سارة الشيخ علي، التي اعتبرت اختيار كرمان «خطرا على المحتوى العربي المتعلق بقضايا النساء»، لأنها «إخوانية» و«لجماعة الإخوان موقف رجعي ومتخلف وسلطوي من قضايا المرأة»، مشيرة إلى تعليقات لها تبجل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي بعد وفاته!

لم أجد تصريحات لكرمان تؤيد الأسد، لكنني وجدت أقوالا لها في عام 2012 إن «سوريا ستنعم بالحرية وبشار الأسد سوف يرحل»، وعام 2013 تقول إن «بشار الأسد يحتجز 6000 امرأة سورية في سجونه»، وعام 2016 لقناة «سي أن أن» تقول إن الأسد قاتل، وعام 2017 تقول إن «المجتمع الدولي شريك بشار الأسد بالصمت أو بالمباركة».

وللتحقق من «ضحالة وسماكة المخ الإسلامي» بالعلاقة مع كرمان قرأت وشاهدت الكثير عن المرأة فوجدت أن آراءها، في كل ما قرأته وشاهدته، قد لا تكون مختلفة، في ظروف متشابهة، عن آراء أو أفعال منتقديها نفسه، فقد قادت احتجاجات «من أجل حرية الصحافة»، واعتصامات ضد المحكمة الاستثنائية للصحافيين، وطالبت بإسقاط النظام اليمني بشكل صريح، قبل سنوات من انطلاق الثورة، واعتقلت عام 2011 ثم أطلقت بعد احتجاجات، فتلقت تهديدا بالقتل من قبل الرئيس اليمني صالح شخصيا، الذي نقل هذه «الفتوى» لأخيها (لأنها بالنسبة للحاكم ليست ولية أمرها طبعا): «من شق عصا الطاعة فاقتلوه».

محافظون وذكوريون ورجعيون

المفارقة الكبرى التي تمثلها انتقادات أصوليو العلمانية لكرمان، أنها تكرار مضمر لرفض الأنظمة العربية (وبعض النظم الغربية) للديمقراطية، إذا جاءت بإسلاميين لأنهم «معادون للديمقراطية»، والنتيجة هي تكريس «الأبد» الاستبدادي، وتكريس الإسلاميين، باعتبارهم القوة المعارضة الرئيسية، وإخضاعهم قسراً لدينامية تدفعهم فعلا للتطرف والإرهاب، فيتحول الأمر إلى دائرة جهنمية مغلقة.

يعادي أصوليو العلمانية كرمان والإسلاميين (والإسلام عموما) بدعوى محافظتهم الاجتماعية وذكوريتهم ورجعيتهم و«إقصائهم للآخر»، ويقومون بمطاردتهم والتحريض ضدهم، وتهزئتهم والدعوة الصريحة «لإقصائهم» من المجال العام، فيتحول أصوليو العلمانية، سواء أدركوا أم لم يدركوا، إلى إقصائيين ومحافظين وذكوريين ورجعيين مقلوبين. يتبلور الصراع السياسي في العالم كله على شكل كتلتين كبيرتين: محافظون سياسيا واجتماعيا (تمثلهم أحزاب المحافظين والأحزاب المسيحية الديمقراطية في الغرب وما يسمى «الإسلام السياسي» في الشرق الأوسط). و«تقدميون» تمثلهم أحزاب كالعمال في بريطانيا وكالديمقراطيين في أمريكا، ولكن بفضل «الأصولية العلمانية» والانقلابات العسكرية في منطقتنا ودخول بعض أنظمة الخليج إلى لعبة الحداثة الاستبدادية، صار الجميع، قوميون وشيوعيون وإسلاميون، استبداديين، وصار الصراع السياسي وجوديا وبيولوجيا ومعركة صفرية.

مطالبة بعض العلمانيين بإقصاء «الإسلاميين» باسم الديمقراطية تفتح الطريق أمام الطغاة لإقصاء الجميع. الدفاع عن وجود الإسلاميين، بهذا المعنى، هو أيضا دفاع عن وجود العلمانيين أنفسهم، أما البديل فهو إغلاق باب السياسة وفتح باب الحروب الأهلية، وتعميم الخراب على مجتمعات وشعوب بأكملها.

وسوم: العدد 877