مصر ناصر التي نحبها

بمقدار ما تألّم العرب من تهميش دور مصر العربي طيلة أكثر من أربعة عقود، منذ توقيع المعاهدة مع إسرائيل، بقدر ما يشدّهم الآن الحنين إلى حقبةٍ ما زالت تذكرها أجيالٌ عربية كثيرة، وهي حقبة جمال عبد الناصر الذي يصادف يوم 15 يناير الذكرى 104 لميلاده.

فلقد تميّزت حقبة ناصر بحالة معاكسة تماماً لما هي عليه الآن المنطقة العربية. وكانت التفاعلات السياسية والاجتماعية التي أحدثها ناصر في مصر تترك آثاراً إيجابية كبيرة، ليس فقط داخل البلاد العربية، بل في عموم آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية. وكان ذلك يؤدّي إلى تعزيز دور مصر وقيمة تجربتها الثورية خارج حدودها. فقوّة ناصر كانت قي قدرته على تحريك الشارع العربي، وفي "رجع الصدى" لما يقوله ويفعله، في كثيرٍ من بلدان العالم.

ولعل الأعوام الخمسة أو الستة الأولى من فترة حكم ناصر في حقبة الخمسينات من القرن الماضي، تكفي وحدها للدلالة على أهمية دوره التاريخي للعرب جميعاً ولكل حركات التحرر في دول "العالم الثالث". فإنهاء الأحتلال البريطاني وتأميم قناة السويس، ومواجهة العدوان البريطاني/الفرنسي/الإسرائيلي على مصر، وقيام "الجمهورية العربية المتحدة" مع سوريا، ودعم كبير لحركات التحرر ضد الفرنسيين في الجزائر وضد البريطانيين في عدن، وإسقاط مشروع "حلف أيزنهاور"، وغيرها الكثير من المواقف والسياسات التي حركت شعوب كثيرة مضطهدة أو محتلة في أرجاء العالم، وأشعلت تيار العروبة التحررية في المنطقة.

لقد أدرك جمال عبد الناصر دور مصر الريادي في التاريخ القديم والحديث، وبأنّ مصر لا يمكن أن تعيش منعزلة عن محيطها العربي وعمّا يحدث في جناحيْ الأمّة بالمشرق والمغرب، بينما مصر هي في موقع القلب، وبأنّ أمن مصر وتقدّمها يرتبطان بالتطوّرات التي تحدث حولها.

فلو ظهر جمال عبد الناصر في غير مصر لما استطاع أن يكون عظيماً بدوره، ولما كانت تجربته بالقيمة نفسها. فالعنصر الأهم في قيمة تجربة ناصر هو مكانها، أي مصر، وبما هي عليه مصر من موقع جغرافي يربط آسيا بإفريقيا، وشرق العرب بمغربهم، ولِما كان – وما يزال- لهذا الموقع من أهمّية استراتيجية لكلّ من أراد الهيمنة على عموم المنطقة.

فالاختلال بتوازن مصر وبدورها يعني اختلالاً في توازن الأمّة العربية كلّها، وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة ناصر عام 1970، وبعد معاهدة "كامب ديفيد" في العام 1979.

الأمّة العربية لا تتحدّث الآن عن حلم التوحّد والتكامل بين أقطارها، كما كان الأمر في فترة ناصر، بل هي تعيش الآن كابوس خطر تقسيم الأوطان على أسس إثنية وطائفية ومذهبية.

إنّ القدر لم يسمح لجمال عبد الناصر أن يعيش طويلاً وأن يحصد ثمرة إعادة بنائه للقوات المسلّحة المصرية وللمجتمع المصري عموماً عقب حرب العام 1967، إضافةً إلى سياسة التضامن العربي التي أرسى عبد الناصر في قمّة الخرطوم عام 1967 قواعدها، حيث دخلت المنطقة العربية كلّها آنذاك في مرحلة جديدة من التضامن العربي الجاد والفعّال لأجل تحرير الأراضي العربية المحتلة، ورفض تحقيق الشروط الإسرائيلية للسلام مع العرب.

إنّ لحظات التحوّل التاريخي في دور مصر بدأت حينما استثمر أنور السادات انتصار حرب 1973 ليقبل بما لم يقبله ناصر بعد هزيمة 1967، أي الصلح والاعتراف والمفاوضات مع إسرائيل، بشكلٍ منفرد ومستقل عن باقي الجبهات العربية وعن جوهر الصراع: القضية الفلسطينية، بل وبالتخلّي عن مسؤولية مصر عن قطاع غزّة. وارتضى السادات أن يكون الانسحاب من سيناء بشروط هو الثمن لتحويل مجرى الدور المصري في المنطقة العربية (والعالم الثالث) من موقع القيادة إلى حال "السلامة عن طريق الانعزال"، وهي الجملة التي كان عبد الناصر يردّد، في معظم خطبه بعد حرب 1967، رفضه لها.

هاهي الأمَّة العربية الآن تعاني من انعدام التضامن العربي ومن الانقسامات والصراعات، ومن هشاشة البناء الداخلي، ممّا سهّل ويسهّل الهيمنة الخارجية على بعض أوطانها، ودفع بالوضع العربي كلّه نحو مزيدٍ من التشرذم والتخلّف والسيطرة الأجنبية، وممّا همّش أيضاً الصراع العربي/الصهيوني والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أليس مشيناً للعرب الآن اعتبار أو رؤية ما فعلته وتفعله إسرائيل ضدّ الفلسطينيين في غزَّة وكأنّه "ردّة فعل"؟! أو التعامل مع العدوان والحصار المستمر على غزّة (كما كان العدوان على لبنان صيف العام 2006) وكأنّه صراع إسرائيل مع فصيل فلسطيني أو لبناني؟!.

فهل أصبح الصراع العربي/الصهيوني مختزَلاً إلى هذا المستوى الرديء من التوصيف بعدما جرى اختزاله أولاً بالقول إنّه الآن "صراع فلسطيني/إسرائيلي"، ممّا برّر نفض أيدي بعض العرب من مسؤولياتهم الوطنية والقومية والدينية؟!.

الأمَّة العربية تحصد أيضاً الآن نتائج اشتعال دور الطائفيين والمذهبيين بعد حقبة المتطرّفين الإرهابيين (القاعدة وداعش والنصرة) العاملين جميعهم على تقطيع أوصال كلّ بلد عربي لصالح مشاريع أجنبية وصهيونية.

فالبلاد العربية تخشى اليوم على نفسها من نفسها أكثر ممّا يجب أن تخشاه من المحتلّين لبعض أرضها، أو من الساعين إلى السيطرة على ثرواتها ومقدّراتها.

ولقد أصبحت "الوطنية" في معظم البلاد العربية سلاحٌ يُستخدَم فقط ضدّ العرب الآخرين، وأضحى الحديث عن "العروبة" يتمّ اللجوء إليه فقط بالمواجهة مع دول إسلامية غير عربية!

أمَّا في داخل الأوطان العربية، فالأمراض الطائفية تزداد انتشاراً والناس ينقسمون على أسس دينية ومذهبية وإثنية، لا على معايير اجتماعية وسياسية وفكرية، كما هي عادةً الظاهرة الصحّية بالمجتمعات الحديثة.

فلا انفصال أبداً بين ما هو قائم من صراعات أهلية، وما تعيشه الأمَّة العربية من انقسامات طائفية وإثنية، وتفكّك في وحدة الكيانات.. وبين ما هو حاصل من تخلٍّ عن مسؤوليات قومية ووطنية تجاه الصراع العربي/الصهيوني، ومن تسهيل لمزيدٍ من التدخّل الأجنبي.

إنَّ التجربة الناصرية أصبحت الآن ملكاً للتاريخ، لها ما لها وعليها ما عليها، لكن العروبة كهُويّة انتماء مشترك، كانت قبل عبد الناصر وستبقى بعده رغم كلّ ما يجري الآن من مظاهر التخلّي عنها، فالعروبة بمضامينها الحضارية قادرة على النهوض من جديد إذا ما توفّرت لها القيادات السليمة، وإذا ما ارتبطت الدعوة للعروبة بالبناء الدستوري السليم.

حبّذا لو يتمّ كسر القوالب المتحجّرة، ولو تُنزَع اللصقات الحزبية والأيديولوجية عن كثير من الغايات النبيلة والتجارب المخلصة، وأن يتمّ وضع قواسم فكرية مشتركة لما تحتاجه الأمّة الآن من عناصر لنهضة عربية جديدة، وأن يتمّ استخلاص الدروس والعبر من تجارب الماضي، بإيجابياتها وسلبياتها، وفيها – كما هو حال التجربة الناصرية- الكثير من الغايات النبيلة والسيرة النزيهة لتجربة اجتهدت وجاهدت كثيراً من أجل خدمة مصر والعرب كلّهم.

العرب يأملون الآن بعودة الدور المصري الذي عرفه العرب في منتصف القرن العشرين، مصر التي كانت تقود نفسها وجوارها العربي والإفريقي والآسيوي في معارك التحرّر الوطني من قوى الهيمنة الأجنبية، وفي المواجهة مع إسرائيل. والعرب يأملون الآن بعودة دور مصر التي كانت في مقدّمة دول المنطقة والرائدة لقضاياها القومية والوطنية، والحاضنة لصيغ ومؤسسات العمل العربي المشترك.

لقد حاول البعض "التنظير" لثورة 25 يناير 2011 بأنّها ثورةٌ أيضاً على ثورة 23 يوليو، وبأنّها كانت ثورة فقط من أجل الديمقراطية ضدّ استبداد النظام السابق وفساده، وليست ثورةً أيضاً على سياسة التبعيّة والعلاقات مع إسرائيل، والتي قزّمت دور مصر الطليعي في عموم المنطقة، وأضعفت مصر نفسها بعد أن قيّدتها منذ نهاية سبعينات القرن الماضي بأغلال المعاهدات.

وتتعدّد التحليلات بشأن ما حدث ويحدث الآن في مصر منذ العام 2011، ويختلف الكثير من المصريين والعرب حول توصيف طبيعة نظام الحكم الحالي فيها، لكن المنطقة الآن تعيش مرحلةً جديدة من الصراعات، ومن الاستقطابات الدولية/الإقليمية، في ظلّ غيابٍ متواصل لمشروعٍ عربيٍّ مشترَك، ولإرادةٍ عربية مشترَكة، وهو أمرٌ ينتظر عودة دور مصر ناصر التي نحبها.

وسوم: العدد 964