من يملك وقف تيه إخوان مصر الآن؟

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه .. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟

فمنذ أحداث محمد محمود في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، ونحن 

نحذّر مع آخرين، أذكر منهم القيادي المسجون الدكتور محمد 

البلتاجي، من زهوة وفتنة الإعجاب بالنفس، وعقد المهادنات والمفاوضات مع «المجلس العسكري» الذي لا يُهادن ولا يُفاوض أحدا إلا إذا كان ينوي الغدر به، وفي خلفية المشهد ما فعله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع الإخوان من قبل في 1954، وكنت قد أكدت في نهاية مقال لي منشور في موقع «علامات أونلاين» وقتها (وتم محوه مع ما جرفه التيار من مقالات وآراء عقب تغلب النظام المصري الانقلابي): «إن السلاح الذي تم توجيهه اليوم للمعتصمين في محمد محمود، سوف يرفع قريبا في وجه الإخوان، الذين لم يساعدوهم، ولن يجد الأخيرون حينها مساعدة «رسمية» من الفصائل والكيانات الثورية، مثلما لم يفعل معهم اليوم فإنما أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».

فهل انتبه أو استمع أحد من الإخوان أو قادتهم لمثل هذه المقالات أو التدوينات، ومنها ما أطلقه البلتاجي يوم 2 إبريل/نيسان 2012 عقب ترشح الإخوان للرئاسة، على النقيض تماما من تصريحي المرشد الحالي الدكتور محمد بديع (فك الله أسره) والسابق محمد مهدي عاكف (رحمه الله) قبلها بأشهر قليلة، ويومها ردد البلتاجي ما قاله في ذلك الصباح العجيب الكاتب فهمي هويدي: «لقد وقع الإخوان في الفخ» قاصدينِ أن ما يشبه «المؤامرة» الدولية نسجت خيوطها بعناية ومهارة فائقتين، ليتم «حرق» الجماعة، لئلا تؤدي دورها على الساحتين المصرية والعالمية، وإزهاق مجهودات مئات الآلاف من أفضل كوادرها، وكم قلنا ودونَّا بعدها في مواقع ما يزال بعضها محتفظا بأرشيفه كاملًا كـ»الوفد» الإلكتروني؟ فما زاد السادة في الإخوان عن أن أداروا وجوههم وظهورهم لما يكتب ويصل إليهم، متأكدين من تمام وصول النصر حتى أعتاب بيوتهم؛ فهل يكذبون أنفسهم وأرواحهم ويصدقوننا؟

فيما كانت النساء تستباح حرماتها والرجال يزلزلون، كان القوم يعتمدون الرؤى والمنامات، مقابل الرؤية والتنظير وإحسان قراءة الواقع

وكان أن استبد الطغاة بجميع الشرفاء، ووجد بعض الأخيرين أنفسهم معهم في التيه خارج البلاد، فجاءت بالمنفى عشرات المقالات الجديدة في محاولة لوضع حد لمهزلة منازلة الإخوان، لطغاة جبارين معتادي إجرام، وتلفتنا نبحث عن صدى لما نكتب من جديد، ويعلم الله بالتفاصيل التي تأبى الروح أن ندونها، وكنا متأكدين أن الجمع سيثوبون ويؤوبون إلى عقولهم؛ فيدركون خطأ السير والمسار الذي لم يسبقهم إليه عاقل في التاريخ، وانتصر بعدها، سواء أكان عاقلا أو موتورا، فكيف يواجهون بصدور عارية مسلحين ويظنون أنهم منتصرون؟ وفيما كانت النساء تستباح حرماتها والرجال يزلزلون، كان القوم يعتمدون الرؤى والمنامات، مقابل الرؤية والتنظير وإحسان قراءة الواقع، واستبد الشوق بمن صاروا قيادات في غفلة من الزمان، وعبر ضخ «المال العجيب» (على الأقل) إلى جيوب رجال إعلام أو أتباع، الأصل فيهم أن يتفرغوا لخدمة الدعوة والسير في خطى واسعة لإرضاء رب العزة، فتفرغ الجمعان لترديد آراء قيادتي إسطنبول ولندن، اللتين كانتا متحالفتين في ذلك الحين مع بعضيهما، حتى اتفقنا على نقاط ومعالم رئيسية: الجماعة إصلاحية لا ثورية ولا تخيف الطغاة، والحكام العرب أجمعين في شيء،  لا مكان لعنف في أدبيات الجماعة، حتى لو اتفقت على غير ذلك من قبل (وإخلاف العهود هنا وهو ما يهمنا لا غبار عليه، ولو أدى لسقوط المزيد من الضحايا) لا مكان لمخالف لما سبق من آراء بين صفوفها ولا حياة أو معيشة لأصحاب الفكر والرأي لمن ساروا معها واختلفوا حول نهجها، ولو ضحوا مهما ضحوا، 

واستمر شريكه في إسطنبول في ترديد: مَنْ يريد المغادرة فليفعل، فكم عددكم .. عشرات الألوف لدينا من الملايين ما يكفينا وزيادة، للتخلي عن أي عدد «طالما فكر» في مخالفتنا، وكما قال لمجرد متسائل عن إشكالية كبرى في الدرب والطريق والمتاهة: «أنت مجرد جندي، وأنا قائد ولا حق لك في السؤال عما لا تعلم»!

يؤلم النفس أن محاولات الإصلاح مع هؤلاء قابلوها بالافتئات والتخوين وتأليب المؤيدين (وما أكثرهم) حتى إذا اختلف رفيقا الأمس (إبراهيم منير ومحمود حسين) قلبا الطاولة على بعضيهما، ولم يستطع أحدهما لي يد الآخر، فأتما إزالة كرامة ومهارة وكينونة وشرف جماعة استمرت ما يزيد عن تسعين عاما، وجاء كل منهما بآيات وأحاديث عن الأمانة وحفظها وعدم تضييعها، وأنه على الحق المستبين ونقيضه على الباطل المقيم، بل وصلت الدرجة بأحد العقلاء التابعين لأحدهما أن قال بالنص في رسالة صوتية وزعت مؤخرا على الصف (أو المتبقي منه): «اقيموا صلاة الجماعة ثم جماعة الصلاة بعدها» وأتبع المقولة بأن قال: «هيا إلى العمل» كما افتتحها بأن قال، إن قائد مجموعته أو فريقه هو الإمام الواجب الإتباع، ولا يدري أحد أي جماعة وأي صلاة وماذا عن الذين يصلون على امتداد العالم وليسوا معه، ولا مع فريقه وحزبه وشيخه وإمامه؟ وقال ويقول وسيقول أتباع سواه الكلمات نفسها؛ وأين العمل المفيد الذي قاموا به جميعا منذ 3 يوليو/تموز 2013. يريدون من يصف لهم طريق الحل (وبعضهم حسن النية) وأعرف أن مئات الآلاف من أفضل شباب وقدرات الأمة، إما عطلها الطاغية في مصر، أو عطلها السادة من أتباعهم في الخارج (شاءوا أم أبوا، دروا أم لم يدروا) وحس المؤامرة للأسف موجود بقسوة وبقوة، ولكم تمنينا ألا يحدث ذلك كله، لكن ليس بالأماني، ويقبع أولئك الشرفاء في بيوت يعجزون عن دفع إيجارها، أو سعر غاز أو كهرباء مع أنهم أفاضل كانوا ملء السمع والبصر في بلادهم، لحساب مطبلين ومصفقين وراقصين معدومي الفكرة والنهج والكينونة، يزينون الدروب للسيدين المنتصرين في لندن وإسطنبول (وكلاهما مهزوم في الحقيقة، بل يزعزع الأمة كلها) والمال المُتدفق لا يستطيع أحدهما وقفه عن الآخر، أو مجرد فضح مصدره، لأنه إن فعل سيفضح ما كان يأخذه هو نفسه على مدار ثماني سنوات مضت. ويقولون لك: «أين الحل؟» صمت بعضهم عن الطغاة والمستبدين باسم الدين والطاغية المستبد، الذي يرفع السلاح، أوضح منهم لأنه لم يقل إنه موصول بالله، ثم جاؤوا للمتألمين صباح مساء الذين يدفعون كل غال ونفيس من صحتهم ودمائهم وأهلهم ليقولوا لهم: أين الحل؟ أما الحل (رغم ذلك) فإن استطعتم وقف النزيف المستمر للعلاقات المشبوهة بين تلك القيادات أو أكثرها (على الأقل) والأعداء فافعلوا، وإن استطعتم تنقية الصفوف من آلاف الأدعياء المبثوثين بمهارة، الذين أكلوا على مائدة هذا ثم احتاطوا بمئات الآلاف من الدولارات، وعادوا لمائدة ذاك، يبتغون مزيدا من الأموال، وإن استطعتم سؤال «رموز الأمة» الحقيقية ومنظريها عن الحل، ثم تفعلون ما يقولون بصدق وإيمان ورحابة فكر، فإن لم تستطيعوا فالزموا الصمت حتى تأكلكم رمال التيه ويأخذكم التاريخ إلى حيث لا يعود مَنْ أخذ عافيا عمن خدعتموهم باسم الدين، ثم الإعلام والسياسية والملفات، من حقوقية وتربوية ودعوية، مما تتلاعبون به الآن وتقذفونه في وجه بعضكم بعضا، وترتاحون في أفخم الفنادق والطائرات والموانئ وشريفات عفيفات يتضورن جوعا في مصر (والبعض في خارجها) ويعملن خادمات إن لم تكن تستباح أعراضهن في السجون.

وصدق الراحل صلاح عبد الصبور لما أبدع قائلًا: «قلبي حزين من أين آتي بالكلام الفرح؟».

وسوم: العدد 965