مفاوضات إنهاء الحرب في اليمن…هل تفضي إلى اتفاق سلام جديد؟

مركز الفكر الاستراتيجي

في الثالث عشر من أبريل/نيسان الجاري غادر وفد سعودي عماني مشترك العاصمة اليمنية صنعاء، بعد مباحثات أجراها مع جماعة الحوثي تتعلق بوقف إطلاق النار والتهيئة لبدء مفاوضات جديدة لحل النزاع القائم في اليمن منذ ما يقارب تسعة أعوام. تأتي هذه الزيارة المعلنة بعد جولة من المفاوضات في العاصمة العمانية مسقط، وزيارات سعودية حوثية متبادلة، كما تأتي في سياق دولي وإقليمي استثنائي، تصاعدت فيه بحدة جملة من الأحداث؛ منها الحرب الروسية الأوكرانية، وتنامى التنافس الأمريكي الصيني، وهي سياقات خلفت آثاراً سياسية واقتصادية عمقت من التوجهات الإقليمية لتخفيف الصراع. غير أن السياق الأبرز المرتبط بملف المباحثات المستجدة في الشأن اليمني يتعلق بالاتفاق السعودي الإيراني الأخير.

يبحث تقدير الموقف في سيرورة المفاوضات القائمة في الملف اليمني، ويناقش دوافع الأطراف الداخلية والخارجية المتأثرة بهذه المفاوضات، ويسلط الضوء على ملفات التفاوض وفرص البت فيها، بالإضافة إلى مناقشة التحديات التي تعترضها.

أولاً: سيرورة المفاوضات

عند النظر إلى سيرورة المفاوضات المتعلقة بالملف اليمني يمكن الإشارة إلى مرحلتين؛ ما قبل الاتفاق السعودي- الإيراني، وما بعد الاتفاق، حيث يسعى هذا الاتفاق إلى تسوية الملفات الثنائية ثم تلك الملفات المشتركة في المنطقة.

  1. ما قبل الاتفاق السعودي الإيراني

بعد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، وإعلان التحالف العربي لدعم الشرعية، وتصاعد الهجمات الحوثية على المنشآت السعودية، تفاقمت الأوضاع السياسية والأمنية في اليمن ومحيطها الخليجي، وهو ما دفع السعودية لتقديم مبادرة السلام في 22 مارس/آذار 2021، شملت وقف إطلاق النار في أنحاء البلاد تحت إشراف الأمم المتحدة، وبدء المشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة برعاية الأمم المتحدة بناء على مرجعيات قرار مجلس الأمن الدولي ٢٢١٦، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل.

أدت هذه المبادرة إلى وقف إطلاق النار، وفتح مطار صنعاء لبعض الوجهات الدولية والإقليمية، والسماح باستيراد الغذاء والوقود، وتبعتها مفاوضات سعودية مع جماعة الحوثي برعاية عمانية، وقد مهدت هذه المفاوضات لإعلان الهدنة في اليمن، ضمن إطار التحركات الدولية والإقليمية لحل القضية اليمنية. انقضت الهدنة مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2022، وتتابعت الجهود الدولية والإقليمية لتجديدها. وفي هذا الإطار أجرى وكيل وزارة الخارجية العُمانية للشؤون الدبلوماسية، خليفة بن علي الحارثي، مباحثات في مسقط مع المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، تيم ليندركينغ، في 6 فبراير/شباط 2023، كما عقد وزير الخارجية العماني، بدر بن حمد البوسعيدي، ووزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، اجتماعاً تشاورياً في مسقط لمناقشة مستجدات خطة السلام الشامل لتغليب الحل السياسي بدلاً عن الحل العسكري الذي طال أمده دون أن يحقق حسماً لأي طرف من الأطراف.

  1. ما بعد الاتفاق السعودي الإيراني

بعد قطيعة استمرت سنوات أعلنت كل من المملكة العربية السعودية وإيران استئناف علاقاتهما الدبلوماسية نتيجة مباحثات جرت في العاصمة الصينية بكين بين 6 و10 مارس/آذار 2023، وشمل الاتفاق جملة من البنود، منها: الموافقة على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإعادة فتح سفارتيهما خلال مدة أقصاها شهران، والتأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بالإضافة إلى تفعيل اتفاقيات تعاون في مجالات عدة أبرزها الاتفاق الاقتصادي 1998، والاتفاق الأمني 2001.

كان لهذا التقارب انعكاسه المباشر على الملف اليمني الذي يعد من أهم الملفات التي ناقشها الطرفان في مباحثات بكين، ومن أبرز ملامح هذه المرحلة:

زيارة الوفد السعودي لصنعاء

في الثامن من أبريل/نيسان 2023، وصل وفد مشترك من السعودية وسلطنة عُمان إلى العاصمة اليمنية صنعاء، ودارت مباحثات مع مسؤولين في جماعة الحوثي بهدف التوصل إلى اتفاق سلام شامل يؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم. ووفقاً لتصريح السفير السعودي في اليمن، محمد آل جابر، تأتي هذه الزيارة بهدف “تثبيت الهدنة”، وبحث سبل الدفع باتّجاه “حلّ سياسي شامل ومستدام” بعد سنوات من الحرب. في حين علق رئيس المجلس السياسي الأعلى لجماعة الحوثي، مهدي المشاط، أن هذا اللقاء جاء لمناقشة سبل تنفيذ بنود الاتفاقيات السابقة بملفاتها السياسية والعسكرية والإنسانية.

تنفيذ صفقة تبادل الأسرى

لعل أبرز ملف انعكست عليه نتائج التقارب السعودي- الإيراني هو ملف تبادل الأسرى، حيث استُكْمِلَت عمليات تبادل الأسرى التي بدأت في جولات سابقة. ففي الجولة الأخيرة التي كانت من 10 إلى 20 مارس/آذار 2023، تم الاتفاق على الآلية التنفيذية لاتفاق وقع منذ مارس/آذار 2022، يتعلق بتبادل 2223 أسيراً ومختطفاً، وتضمنت الصفقة الأخيرة توافق الطرفين على تبادل 887 أسيراً ومختطفاً، وهم: 181 من الحكومة الشرعية بينهم سعوديون وسودانيون، مقابل 706 من جماعة الحوثي، وكان من ضمن من أفرجت عنهم جماعة الحوثي وزير الدفاع الأسبق اللواء محمود الصبيحي واللواء ناصر منصور هادي، شقيق الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.

ثانياً: ملفات التفاوض.. فرص النجاح وتحدياته

أفضت لقاءات التفاوض التي نسقتها عمان بين حكومة المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي، إلى تحريك النقاش حيال كثير من الملفات العالقة، وعلى رأسها:

  1. الملف السياسي

ويتضمن هذا الملف مجموعة من القضايا الملحة، وعلى رأسها مدة الهدنة والمرحلة الانتقالية، وإمكانية تحقيق سلام شامل.

ملف الهدنة والمرحلة الانتقالية

من أبرز الملفات التي نوقشت في الملف السياسي الهدنة ومدى التزام جماعة الحوثي بها، حيث شهدت الهدنات السابقة جملة من الخروقات، كان آخرها الهدنة التي انتهت في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2022 برعاية الأمم المتحدة. كما شهد هذا الملف أيضاً خلافاً حول المرحلة الانتقالية. لكن وبحسب مصادر حكومية يمنية فإن أعضاء مجلس الرئاسة اليمني وافقوا مؤخراً على تصور سعودي بشأن حل الأزمة اليمنية، بعد مباحثات سعودية حوثية برعاية عمانية استمرت شهرين في مسقط. ويقوم التصور السعودي- وفقاً للمصادر- على الموافقة على هدنة لمدة 6 أشهر في مرحلة أولى لبناء الثقة، ثم فترة تفاوض لمدة 3 أشهر حول إدارة المرحلة الانتقالية التي ستستمر سنتين، يجري خلالها التفاوض حول الحل النهائي بين كل الأطراف.

وتتضمن المرحلة الأولى إجراءات بناء الثقة، وأهمها دفع رواتب الموظفين الحكوميين في كل المناطق، وبينها مناطق سيطرة الحوثيين، وفتح الطرق المغلقة والمطار. لكن البت في هذا الملف تعترضه جملة من التحديات أبرزها ما يتعلق بالتسوية السياسية، وما تتطلبه من مفاوضات واعتراف بالمكونات السياسية الأخرى، والاتفاق على هوية الدولة السياسية، ووضع الجيش، وغيرها من القضايا التي تتطلب بالتوازي تخلي الجماعات المسلحة عن مشاريعها.

السلام الشامل

حتى الآن لم يتم البت في ملامح أي اتفاقية أو هدنة، وإنما لا تزال المحادثات قائمة، ومن ثم يصعب الحديث عن إمكانية أن تفضي أي هدنة أو اتفاقية – قائمة على بنود النقاشات الحالية- إلى أي سلام شامل في اليمن، إذ لا تتناول بنود المفاوضات التي تُناقَش حالياً الجذور الأساسية التي أفضت إلى الصراع، بل ينصب التركيز على معالجة الإشكاليات الآنية التي أفرزتها الحرب، فضلاً عن إغفالها للوضع المركب الذي يعيشه اليمن في ظل وجود أطراف خارجية لها مشاريع وحضور داخل اليمن، وعلى رأسها الإمارات، التي تتطلب ضرورة الخروج الكلي من اليمن من أجل تحقيق السلام المنشود. يضاف إلى ذلك التعقيدات الإقليمية القائمة، إذ يشكل الصراع اليمني جزءاً من الأزمة الإقليمية الأوسع التي تمر بها المنطقة، وهو ما يزيد من التعقيدات المحتملة في سياق التفاوض.

  1. الملف الإنساني

ضمن البنود التي تناقشها المحادثات القائمة الملف الإنساني الذي يتضمن جملة من القضايا، منها ما يتعلق بمرتبات الموظفين العموميين، وإلغاء الحواجز أمام السفن المتجهة لموانئ الحديدة، وتوسيع وجهات السفر من وإلى مطار صنعاء، وفتح الطرق، وحل إشكالات ملف تبادل الأسرى لدى الطرفين.

الأسرى والمعتقلون

 على الرغم من أن ملف الأسرى والمعتقلين شهد تقدماً نوعياً في الجولة الأخيرة فإنه يواجه تحديات عدة، أبرزها أن الأرقام المعلن عنها لا تشمل كل الأسرى والمختطفين، حيث قدم الطرفان خلال مشاورات في السويد عام 2018، قوائم بأكثر من 15 ألف أسير ومعتقل ومختطف. كما أن هذا الملف يواجه تحديات عدة بسبب التعقيدات المرتبطة به، والمتمثلة في عدم قدرة الطرفين على حصر العدد الحقيقي للأسرى. من جهة أخرى يناقش هذا الملف ضمن الملف الإنساني الذي يصرّ الحوثيون على عدم ربطه بالملف السياسي والعسكري.

فتح المنافذ وإعادة المرتبات

في هذا الملف اتخذت خطوات سابقة في سبيل استعادة الثقة؛ متمثلة في تخفيف القيود المفروضة على ميناء الحديدة الذي يستقبل في الوقت الراهن ضعف العدد من البواخر مقارنة بالفترات السابقة. وتناقش المفاوضات الحالية فتح بقية المنافذ البرية بين اليمن والسعودية أيضاً، وزيادة رحلات مطار صنعاء. وعلى الرغم من تأكيد السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، تعهد السعودية بدفع الأجور والمرتبات، فقد أشار إلى أن هذا التعهد مقرون بقبول الحوثيين الالتزام بضمانات أمنية، من بينها إقامة منطقة عازلة مع مناطق يسيطرون عليها على طول الحدود اليمنية السعودية، وضرورة رفع حصارهم عن تعز، ثالث أكبر مدينة في اليمن، والالتزام بالانضمام إلى محادثات رسمية مع الأطراف اليمنية الأخرى. وقد نصت اتفاقيات وتفاهمات سابقة على فتح الحصار عن تعز، لكن جماعة الحوثي لم تلتزم بذلك.

  1. الملف الاقتصادي

يعد الملف الاقتصادي أحد القضايا الشائكة ضمن المفاوضات بين أطراف الصراع، ويتضمن ضرورة توحيد أسعار الصرف وتوحيد العملة، بالإضافة إلى ما يتعلق بعودة تصدير النفط والغاز وعائداتهما. في 21 فبراير/شباط 2023 أودعت السعودية مليار دولار في حساب البنك المركزي اليمني أجل دعم استقرار صرف العملة الوطنية، ونتيجة للتقارب الذي حدث بين السعودية وإيران واصل الريال التعافي ببطء أمام الدولار الأمريكي.

أما في ملف إعادة تصدير النفط والغاز فثمة تحديات تعترض البت في المفاوضات، وتتمثل في رفض الحوثيين للضمانات الأمنية التي تشترطها السعودية، حيث يرفضون استئناف تصدير النفط من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة قبل دفع الرواتب. ويقترحون توزيع عائدات النفط وفق ميزانية ما قبل الحرب، ما يعني أن المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون تحصل على ما يصل إلى 80 بالمئة من الإيرادات لأنها الأكثر من ناحية عدد السكان.

ثالثاً: دوافع ومواقف الأطراف

  1. دوافع الأطراف المحلية

مكونات الشرعية

تجدر الإشارة إلى تغيب مكونات الحكومة الشرعية عن المفاوضات الأخيرة التي تقودها سلطنة عمان بحضور المملكة العربية السعودية، حيث يرفض الحوثيون التفاوض مع الحكومة الشرعية، فضلاً عن حالة التباين بين مكوناتها بشكل قد يؤثر على سير المفاوضات في وقت لاحق. وتتخوف بعض مكونات الشرعية من النتائج التي ستسفر عنها المحادثات الجارية، إذ صرح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، سلطان العرادة، خلال لقاء مع مستشار الشؤون العسكرية للمبعوث الأممي، العميد أنتوني هايوارد، بأن الحكومة الشرعية ملتزمة بنهج السلام الشامل والعادل القائم على المرجعيات الثلاث الأساسية، باعتبارها ثابتة لا تنازل عنها في أي مفاوضات سياسية، لكونها تحظى بتوافق وإجماع وطني وإقليمي ودولي. وحذر من خطورة الخضوع لجماعة الحوثي وابتزازها المستمر للمجتمع الدولي.

دوافع جماعة الحوثي

لعل أبرز الدوافع المحركة للحوثي في المضي في المحادثات القائمة رغبته في شرعنة حضوره في المناطق المسيطر عليها، فضلاً عن تطلعه إلى السيطرة على بقية المحافظات، وإنجاز ما عجز عنه بالحرب من خلال السلام. ويشار إلى أن تركيزه على الملف الإنساني المتعلق بفتح الأجواء البرية والجوية والبحرية ودفع المرتبات يأتي ضمن سعيه للتخفيف من حالة الاحتقان والضغط المجتمعي داخلياً. وفي ظل غياب المناقشة الجدية والواضحة لكثير من القضايا المهمة المتعلقة بهوية الدولة وشكلها النهائي، وآلية إدارة العملية السياسية، يخشى كثير من الأطراف السياسية سيطرة الحوثيين على جميع المناطق اليمنية من خلال استغلال الهدن المتتالية لتوطيد نفوذهم، خصوصاً أن الجماعة إلى الآن تصر على عدم الاعتراف بالحكومة الشرعية، وتشترط التفاوض مباشرة مع المملكة العربية السعودية.

  1. دوافع الأطراف الخارجية

دوافع المملكة العربية السعودية

تشير المحادثات المكثفة والمستمرة بين السعودية وحركة الحوثي إلى أن الأولوية الاستراتيجية للرياض هي خفض التصعيد بينها وبين الحوثيين، لا خفض التوتر خفضاً طويل الأمد بين الأطراف المتحاربة داخل اليمن، حيث تحاول السعودية التخفف من ضغط الملف اليمني عبر وقف الحرب والبدء بسياسة احتواء تجاه الحوثي، من أجل المضي بمشاريعها الاقتصادية قدماً. وهذا يبرر تمسكها بالمحادثات القائمة، رغم رفع جماعة الحوثيين لسقف مطالبهم. وتجدر الإشارة إلى أن الاضطرابات التي يشهدها السودان في الوقت الحالي قد تعمق رغبة السعودية في البت في ملف الأزمة اليمنية، إذ يمثل صراع السودان ضغطاً إضافياً على أمن المنطقة واستقرارها، وهو ما يستوجب تحشيد الجهود لاحتوائه، ويصعب عليها ذلك ما بقي ملف الحرب في اليمن مفتوحاً، وبالمجمل يبدو أنَّ المكاسب السعودية في إطار هذه المفاوضات لا تبدو متوازية مع ما تقدمه من تنازلات.

الدوافع الإماراتية

تجدر الإشارة إلى أن الإمارات التي تعد أحد الأطراف الأساسية في الصراع القائم في اليمن غابت عن المفاوضات الأخيرة، والسبب قد يعود إلى عدم اكتراثها بالتهديد الذي يمثله الحوثي، إذ يصب اهتمامها على مصالحها في مناطق الجنوب، فضلاً عن تنامي حالة التباين بينها وبين السعودية فيما يتعلق بالملف اليمني، وهذا الغياب قد يؤثر في نجاح المفاوضات، خصوصاً مع الاتهامات الموجهة للإمارات بوجود قنوات تواصل غير مباشرة بينها وبين جماعة الحوثي، وتأثيرها في قرار كثير من مكونات الشرعية.

الدوافع الإيرانية

في ظل استمرار العقوبات الدولية المفروضة على طهران، بالإضافة إلى التغيرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، ترسخت لدى الإيرانيين قناعة مفادها أن استمرار استراتيجية عداء السعودية مكلف، وأن من مصلحتهم تخفيف الاحتقان الإقليمي في الفترة الحالية، خصوصاً أنها تشهد حالة من الاحتقان الداخلي الناتج عن الاحتجاجات التي شهدتها طهران من جهة، والوضع الاقتصادي وانهيار العملة المحلية، من جهة أخرى. ومن خلال هذا التقارب قد تتمكن من تخفيف ضغط العبء الاقتصادي في حال تمكنت من فتح نوافذ للتعاون الاقتصادي مع محيطها الخليجي، والاستفادة من فرص الاستيراد والتصدير الخليجي. كما أن استمرار خطط التطبيع الخليجي مع الكيان الإسرائيلي تخلق لديها مخاوف من إمكانية إفضاء هذا التقارب إلى تهديد مصالحها في المنطقة، بالإضافة إلى تراجع تعويلها على الانتصار الروسي في الحرب على أوكرانيا، وعدم تقبلها لدعوة الصين إياها إلى “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، بعد القمة العربية الصينية التي عقدت في جدة نهاية ديسمبر/كانون الأول 2022.

الموقف العماني

الدوافع العمانية تنطلق من الدبلوماسية السلمية النشطة التي تتبناها سلطنة عمان في اليمن، حيث رفضت من البداية الانخراط في الصراع المسلح في اليمن، وهذا أهّلها لتكون وسيطاً مقبولاً لدى مختلف الأطراف المتصارعة. وتتشارك عمان بشريط حدودي طويل مع اليمن، وهذا يجعلها قلقة من استمرار الصراع في اليمن، حيث سينعكس ذلك سلبياً على أمنها واستقرارها، كما أن دورها في الظروف الحالية يأتي متوافقاً مع حالة الضغط الدولي والحاجة إلى حلحلة بعض قضايا الصراع في المنطقة- وعلى رأسها الحرب في اليمن- من أجل تخفيف حالة الاحتقان الإقليمي القائم في المنطقة العربية.

الموقف الأمريكي

الرغبة في وقف حرب اليمن ليست رغبة سعودية فقط كما يبدو، بل هي رغبة إقليمية ودولية؛ لأن المزيد من توتير المنطقة ليس في مصلحة إمدادات الطاقة إلى أوروبا وأمريكا، التي تأثرت تأثراً مباشر من الحرب الأوكرانية الروسية التي ستدخل عامها الأول خلال أسابيع قليلة، بمزيد من الضغط على الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف بعد من جائحة كورونا. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها قلقون من حالة الدبلوماسية النشطة للصين في المنطقة، ومن هنا تتالت إشادتها بالجهود العمانية لدعم هدنة اليمن، فضلاً عن تكثيف مبعوثها في اليمن، تيم ليندركينغ، تحركاته الأخيرة في 15 مارس/آذار 2023 ضمن جولة خليجية تشمل السعودية وعمان، لدفع عملية سلام شاملة بقيادة يمنية وبرعاية أممية.

الأمم المتحدة

حرصت الأمم المتحدة على التواصل مع مختلف أطراف الصراع منذ الجولات السابقة، وتمكنت من فرض هدنة للحرب في اليمن انتهت في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2022، ولم تتمكن من تجديد الهدنة بسبب غياب حالة الثقة بين الأطراف المتصارعة نتيجة لتبادل الاتهامات بسبب الخروقات التي تخللتها، ولذا تدعم الأمم المتحدة الجهود العمانية من أجل التوصل إلى هدنة جديدة، وقد بادر المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بالإشادة بتلك الجهود، وترحيبه بأولى الخطوات التنفيذية فيها والمتمثلة بعملية تبادل الأسرى.

خاتمة

 في ظل الضغوط الدولية والإقليمية القائمة يمكن لأي تسوية قادمة أن تقود إلى هدنة مطولة، لكن ليس بالضرورة أن تفضي إلى سلام شامل، إذ إن إرساء قواعد للسلام الشامل يتطلب مناقشة إصلاح قطاع الأمن، وشكل الدولة والنظام السياسي، وتوزيع الثروة والسلطة، وإلغاء المركزية، ووضع أسس العدالة الانتقالية، وهي أمور لا يمكن البت فيها دون ضغوط دولية وإقليمية على الأطراف المعرقلة، وبناء عليه ينبغي التفريق بين التسوية التي تقود إلى اتفاق شامل، وبين التسويات التكتيكية التي لطالما تم الانقلاب عليها.

وسوم: العدد 1029