توابع التطبيع السعودي الإسرائيلي الوشيك

بات التطبيع السعودي الإسرائيلي الرسمي في حكم الواقع القائم بعد اعتراف ولي العهد ورئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان أن هذا التطبيع يقترب كل يوم ، وقد يشهد العالم حفل توقيعه هذا العام في البيت الأبيض بحضور الرئيس بايدن مثلما حدث لحفلات التطبيع العربية الإسرائيلية السابقة . كل حفل تطبيع يجب أن يشرف عليه ولي أمر المطبعين الأميركي الذي لولاه ما كان لتطبيع رسمي أن يتم . وتوقع  إيلي كوهين وزير الخارجية الإسرائيلي متحمسا  متفائلا أن يكون التطبيع بين الدولتين في مطلع 2024 . وكان دائما لكل تطبيع بين إسرائيل ودولة عربية توابعه المنبثقة من أهمية هذه الدولة  ، وهي ، التوابع ، في كثرتها خير في ميزان إسرائيل ، وشر في ميزان الدولة العربية ، وإذا كان من خير قليل فهو محصور في النظام الحاكم في هذه الدولة بزيادة شعوره بالأمان النابع من رضا أميركا وإسرائيل عليه . وليس بلا دلالة كبيرة وبعيدة المدى رفض شعوب الدول العربية المطبعة أي علاقة مع إسرائيل ، واشتداد كرهها للإسرائيليين كلما تعرفت عليهم أكثر ، وفي خلفية الاستياء من التطبيع ، فوق رفضه المبدئي ،  ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين من قتل وهدم لبيوتهم وسن قوانين عنصرية جديدة ضدهم حتى في الداخل الفلسطيني المحتل . وسيكون للتطبيع السعودي الإسرائيلي  توابع واسعة متفوقا على ما سبقه من تطبيعات لأهمية بلاد الحرمين الدينية والاقتصادية والسياسية . ولنا تحديد هذه التوابع في :  

أولا : اندفاع دول عربية وإسلامية كثيرة لتطبيع علاقتها مع إسرائيل متخذة  من تطبيع بلاد الحرمين قدوة في إزالة العائق الديني في التطبيع معها لاغتصابها أرضا إسلامية فيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الذي أسرى الله _ سبحانه _ برسوله إليه ، وجعله مكان معراجه للسماء . سترى هذه الدول في التطبيع السعودى فتوى شرعية عملية . وربما يكون في قدرتنا على  التحليل أن نرى في حماسة  أردوجان لتطوير علاقات بلاده مع إسرائيل الذي كشف عنه بعد لقائه بنتنياهو على هامش الدورة الثامنة  والسبعين للجمعية العامة ؛ مثلا على الاندفاع نحو إسرائيل . كشف في اللقاء أن بلاده ستبدأ التنقيب عن الطاقة معها  ، وستشغل خطا لنقل الطاقة منها  إلى أوروبا مرورا بتركيا ، وأبدى طموحه إلى زيادة التبادل التجاري معها   إلى 15 مليارا في العام . مفروغ منه أن علاقة تركيا بإسرائيل أكثر من جيدة منذ تأسيسها في 1948 حيث  بادرت إلى الاعتراف بها في 1949 ،  ولم يقلل من جودتها  ما فعلته  إسرائيل بركاب سفينة مافي مرمرة التركية التي قدمت لفك الحصار الإسرائيلي المفروض على  غزة في مايو 2010 . كان قتلها لبعض الركاب الأتراك سحابة عابرة في سماء البحر إلا أننا لا ننحي إمكانية اشتداد حماسة أردوجان لتطوير للعلاقة معها  استباقا لتطبيعها مع الرياض الذي لا ريب في أنه  يعلم خفاياه وآفاق مداه المستقبلية . تركيا دولة كبيرة تتقن قراءة اتجاه ريح الأحداث . والمعروف أن اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل دفع أكثر من 60 دولة لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ، وسيكون التطبيع مع الرياض أبعد مدى في كل شيء ، وسيشجع دولا كثيرة إن لم يكن كل الدول على  نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس ، وسارعت الكونجو الديمقراطية لبيان نيتها القيام بذلك .  ثانيا : ستجد إسرائيل في سوق بلاد الحرمين ذات القوة الاستهلاكية الكبيرة مجالا لتصدير إنتاجها الصناعي والزراعي وخبراتها التكنولوجية ، وستكون أقدر من كثير من الدول المستفيدة من هذه السوق على المنافسة لقربها الجغرافي منها الذي يسهل النقل برا بالشاحنات ، وبحرا بالسفن ، وهذا القرب يقلل تكلفة النقل فتنخفض أسعار إنتاجها عن أسعار إنتاج الدول البعيدة مما يزيد الإقبال عليها . وستهتم أبعد اهتمام بجلب استثمارات خاصة من بلاد الحرمين يكون لها تأثير فعال في تغذية اقتصادها وتنميته . وسيكون لمصنوعاتها العسكرية ما تكسبه من بلاد الحرمين . ثالثا : وهذه طامة كبرى . ستحرك دعاوى تعويض اليهود الذين عاشوا في بلاد الحرمين سواء الذين أخرجوا منها بعد سقوط خيبر في يد المسلمين ، وانتقلوا إلى الشام ، أو الذين غادروها بعد قيام إسرائيل ، ومنهم يهود نجران . ولليهود العرب رابطة في إسرائيل جهزت ملفات المطالبة بتعويضهم عن ممتلكاتهم في الدول العربية وإيران ، وتقدر تلك التعويضات ب 150 مليار دولار . رابعا : أسس اليهود في الخليج  بعد أن رفعوا رؤوسهم وزاد عددهم بعد تطبيع الإمارات والبحرين  " رابطة المجتمعات اليهودية الخليجية " في 15 فبراير 2021 ، وعينوا الحاخام إيلي عبادي المقيم في الإمارات زعيما روحيا لها ، وإبراهيم نونو رئيس الجالية اليهودية في البحرين رئيسا إداريا . وسبق أن صار يعقوب هرتسوج المقيم في الرياض " حاخام الرياض الأول " . واليهود أمهر خلق الله في تخلل المجتمعات التي يقيمون فيها مهما قل عددهم . يخلخلون جذورها ، ويُسوِسون ساقها ، وييبسون أغصانها حتى تهوي شجرتها . وسيفعلون هذا بالدول الخليجية أسهل مما فعلوه في سواها من المجتمعات . خامسا : ستتفرغ إسرائيل للانتقام من الفلسطينيين ، وقلب حياتهم جحيما ، وبدأت طلائع هذا الانتقام باقتحاماتها شبه الأسبوعية لجنين ونابلس ، وقتل من تقدر على قتله ، واعتقال من تقدر على اعتقاله ، وهدم ما تريد هدمه من بيوت ومبانٍ . ودائما  تتشدد وتتعنَد مع الفلسطينيين كلما اتسع تطبيعها مع الدول العربية والإسلامية ، والتطبيع مع بلاد الحرمين سيقذف بها إلى قمة هذا التشدد والتعند لشعورها بأن وجودهم هو العائق البشري  الحقيقي الباقي أمام بزوغ زمن هيمنتها في  المنطقة لوجودهم مباشرة في الحيز الجغرافي الذي تعيش فيه على حين تفتح لها بعض الدول العربية والإسلامية الأبواب والشبابيك على سعتها ، وتوثق السلطة الفلسطينية علاقتها بها تناغما وتكيفا مع هذا الفتح حتى صارت علاقتها بها علاقة حلف دم في مصادمة تاريخية فاجعة لمصير الشعب الفلسطيني . ودائما هذا الشعب ضحية تعسة للعرب ولبعض أبنائه في علاقاتهم  اللاشرعية مع أعداء الأمة ، والتطبيع الرسمي مع إسرائيل  أحدث هذه العلاقات الجالبة لصنوف النكبات عليه ، وعليهم تاليا وإن حسبوا مرحليا أنهم في مأمن منها . 

وسوم: العدد 1051