أربعة أشهر على الإنقلاب في مصر.. ماذا بعد؟!

أربعة أشهر على الإنقلاب في مصر..

ماذا بعد؟!

بدر محمد بدر

[email protected]

لم يتوقع الإنقلابيون في مصر أن تثير محاكمة الرئيس المختطف د. محمد مرسي، يوم الإثنين الماضي (4/11) بمبنى أكاديمية الشرطة بمدينة نصر، بعد أكثر من أربعة أشهر على إخفائه عن الشعب ووسائل الإعلام، كل هذا الزخم السياسي والإعلامي والجماهيري، بل وهذا الاهتمام والتفاعل الإيجابي على المستوى العربي والدولي.

وبدا واضحا أن الإنقلابيين أوقعوا أنفسهم في ورطة "المحاكمة"!، ومأزق إقناع الشعب المصري والعالم كله بجديتها وقانونيتها وسلامة إجراءاتها دون أن يفضحهم الواقع المرئي، فاضطروا إلى تأجيل هذه "المسرحية" الهزلية، (كما توقعت في المقال الماضي)، لفترة طويلة نسبيا (65 يوما)، ريثما يجدون حلا ما للأزمة، وأعتقد أن هذه كانت إحدى توصيات وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري"، في زيارته للقاهرة عشية "المحاكمة".

أخيرا ظهر السيد الرئيس أمام الملايين من أنصاره وأمام عدسات وسائل الإعلام المختلفة، لأول مرة منذ اختطافه قبل أربعة أشهر، وكان واضحا للجميع أنه أكثر قوة وثباتا وصمودا واعتزازا، رغم موجة التسريبات السلبية التي روجتها أجهزة المخابرات وأمن الدولة ووسائل الإعلام الرسمية قبيل "المحاكمة"، والتي زادت من حالة القلق لدى مؤيدي الرئيس ورجل الشارع العادي على صحته وحياته واحتمال تصفيته واغتياله.

ظهور الرئيس بهذا الشموخ والروح العالية ألهب حماس مؤيدي الشرعية في مسيرات الشوارع بالقاهرة ومختلف المحافظات، وأعاد تدفق الملايين من جديد للمشاركة المستمرة، والتي تحولت إلى مسيرات وتجمعات وسلاسل بشرية يومية وليست أسبوعية، بل صباحية ومسائية، ليس فقط في المدن الرئيسية والجامعات والمدارس، بل أيضا في القرى والكفور والنجوع.

هذا الحماس دفع بالتحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الإنقلاب، إلى الدعوة إلى مسيرات حاشدة في اليوم التالي للمحاكمة (الثلاثاء) تحت عنوان: "العالم يحيي صمود الرئيس" وهو ما لقى تجاوبا هائلا في كل أنحاء مصر، رغم توقف الجامعات والمدارس بسبب ذكرى "الهجرة" النبوية الشريفة.

لقد أدركت غالبية الشعب المصري بشكل متزايد، بعد هذه الشهور الأربعة من الإنقلاب، أنه فشل حتى الآن على عدة مستويات:

·   على المستوى السياسي الخارجي: لم تعترف به حتى الآن سوى خمس دول (أربع دول عربية، إضافة إلى الكيان الصهيوني)، وأن رفض الاعتراف به التعامل معه أصبح معلنا من حكومات كثيرة في العالم، رغم القبول والمساندة الأمريكية، وهذا الموقف بالطبع لا يمكن أن يمنح الاستقرار أو الاستمرار للإنقلاب، أو البقاء لدولة معزولة عالميا.

·   على المستوى السياسي الداخلي: الصورة أكثر قتامة، فالمعتقلات ملأى بقادة ورموز الأحزاب السياسية الإسلامية وقيادات ومسئولي وأعضاء الإخوان المسلمين، ولا تزال الاعتقالات تتواصل يوميا (يقال أن الأعداد تقدر حتى الآن بأكثر من عشرين ألف معتقل)، إضاف إلى آلاف المطاردين داخل مصر أو الفارين إلى الخارج أو الممنوعين من الدخول، في ظل حكومة عاجزة عن تقديم أي حل سياسي أو اقتصادي. 

·   وعلى المستوى الأمني: ازداد القمع البوليسي إلى درجة مروعة وغير معهودة حتى في أيام "المخلوع" مبارك، سواء بممارسة التعذيب الوحشي بصورة دائمة في السجون وأقسام الشرطة، أو باعتقال الفتيات والسيدات من البيوت والشوارع بلا حياء، أو بنهب وسرقة وتخريب بيوت من يذهبون للقبض عليهم، سواء من الإخوان أو من غيرهم، إضافة إلى استمرار غياب الأمن الجنائي في الشوارع والأماكن الحيوية، وانتشار أعمال البلطجة والسرقة بالإكراه والابتزاز.

·   والوضع الاقتصادي على مستوى غالبية المصريين لا يقل سوءا، ورغم الدعم الخليجي الواضح إلا أن أسعار المواد الغذائية الأساسية تضاعفت، وعادت الأزمات والاختناقات من جديد أكثر ضراوة، منها النقص الشديد في قارورات الغاز للطبخ المنزلي (أنابيب البوتاجاز)، ونقص البنزين والسولار، وزيادة أسعار الكثير من الخدمات، وسوء حالة رغيف الخبز الذي يعتمد عليه الملايين يوميا، إضافة إلى تأخر صرف الرواتب والمعاشات.

·   أيضا توقفت العديد من المشروعات الاقتصادية الكبرى، التي يشارك فيها رأس المال الأجنبي، وزاد هروب المستثمرين ورأس المال الخارجي، وتراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي، ناهيك عن تدهور أحوال العاملين في قطاعات عديدة منها: السياحة، والاستثمار، والرياضة، والمصانع الإنتاجية، والشركات الخاصة، وازدياد حجم البطالة، وتدهور قيمة الجنيه المصري.

·   ورغم مرور أكثر من شهر ونصف على بدء العام الجامعي الجديد إلا أن الدراسة واقعيا لم تبدأ بعد، بسبب ثورة الطلاب اليومية ضد الإنقلاب وحكم العسكر، وما أفرزته مجزرة فض الاعتصامات السلمية، في ميادين رابعة والنهضة وغيرها، من شهداء ومصابين ومعتقلين من الطلاب والطالبات، إضافة إلى استمرار التدخل القمعي الأمني داخل الجامعات بشكل مؤسف، وما يصاحب ذلك من إصابات واعتقالات، بصورة تزيد من التوتر والاحتقان بشكل مستمر.

·   الإنقلاب يواجه أيضا استمرار بل وتصاعد الفعاليات اليومية الرافضة لاستمرار حكم العسكر، ووصولها إلى معظم القرى وشوارع المدن، وتفاعل قطاعات كثيرة في المجتمع معها، بعد أن أدركت حقيقة ما جرى في 3 يوليو وما بعده، وهناك قطاعات أخرى بدأت تعاني أيضا بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية، إضافة إلى دور قناة "الجزيرة" الفضائية في تقديم صورة مختلفة عما يبثه الإعلام الرسمي والخاص الداعم للإنقلاب، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من النقاش والوعي المجتمعي العام.

ولكن ماذا بعد؟

الإنقلاب يعتمد بوضوح على أربعة أمور:

ـ الدعم السياسي الأمريكي الذي صنع الإنقلاب، ومازال يحافظ على استمرار بقائه حيا، ومن خلفه أو قبله الدور الصهيوني المباشر والمعلن، عبر الضغط على الدول الغربية والمنظمات الدولية لاستمرار الدعم السياسي أو على الأقل عدم الإدانة، باعتبار أن الإنقلاب يوفر لهم حربا مجانية وبلا أعباء مباشرة ضد الإسلاميين، الذين يشكلون قلقا على بقاء دولة الاحتلال.

ـ الدعم والتمويل الذي يأتيه من بعض دول الخليج المشاركة في الإنقلاب، ومن الواضح أنه لن يستمر طويلا حسبما هو معلن.

ـ تحالف مافيا الفساد في مؤسسات الدولة: في الجيش والشرطة والقضاء والإعلام ورجال الأعمال من عهد مبارك، إضافة إلى الامتيازات التي تتمتع بها الطبقة العليا التي تقاتل الآن لعدم المساس بامتيازاتها.

ـ الدولة البوليسية القائمة الآن سوف تجعل الشعب يخضع إن عاجلا أو آجلا، وهذه الجموع التي تسير في الشوارع سوف يصيبها الملل وفقدان الأمل، وسوف تستسلم للأمر الواقع في النهاية.

ويعتمد دعاة الشرعية ورفض الإنقلاب أيضا على أربعة أمور:

ـ أنهم أصحاب حق ويدافعون عن شرعية دستورية وقانونية، ورئيس مدني منتخب، وبرلمان تم اختياره بإرادة حرة، وأن الحق ينتصر في النهاية مهما طال الوقت.

ـ أن الشعب أصبح أكثر وعيا بما جرى من تبعات الإنقلاب الدموي، وأن الدماء التي سالت في الميادين، والممارسات الأمنية القمعية، والأوضاع الاقتصادية المتردية، سوف تزيد من زخم الثورة التي استمرت أربعة أشهر كاملة في الشوارع دون كلل أو ملل، وأن الأمور مرشحة لمزيد من التصعيد السلمي على الأرض.

ـ أن دعم الإنقلابيين عربيا ودوليا لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، مع تصاعد الرفض الشعبي، واستمرار الضغط لفضح جرائم الإنقلاب داخليا وخارجيا.

ـ أن طول المدة سوف يكشف المزيد من جرائم وفشل الإنقلابيين، وتصدع القوى الداعمة لهم داخليا وخارجيا، وهناك حديث دائم عن مبادرات ومفاوضات، لا يمكن التكهن بإمكانية أن تؤدي إلى حل.

يبقى أمر هذه التسريبات، سواء التي حدثت من الجنرال الإنقلابي الخائن، أو من جهاز المخابرات مؤخرا عن الرئيس في مكان احتجازه، أو ما يسمى ب "مبادرة التوبة" من عدد من قيادات الجيش، التي تم الإعلان عنها (مساء يوم المحاكمة)، منسوبة إلى مصدر عسكري رفيع المستوى، وأرى أنه يجب النظر إليها بحذر شديد، لأن لها أهدافا أخرى، سوف تظهر قريبا جدا.

وفي النهاية تنتصر إرادة الشعوب الحرة مهما طال الوقت، ومهما كانت قوة الخصوم والأعداء، والشعب المصري أثبت قدرة هائلة على الصمود والتضحية والإصرار على نيل حريته واسترداد كرامته، وانتزع الخوف من حياته إلى الأبد، ونظرة إلى البنات والسيدات المشاركات في الثورة، قبل الشباب والرجال تكفي دليلا على ذلك.