الاستكبار على الشراكة الوطنية سلاح "حزب الله" الأكثر فتكاً بالعيش المشترك

الاستكبار على الشراكة الوطنية سلاح "حزب الله"

الأكثر فتكاً بالعيش المشترك

فادي شامية

كثيرة هي المشكلات التي تفتك بالعيش المشترك؛ الطائفية، والخروج على الدولة، ومصالح الجماعات الدينية، والسلاح خارج الدولة... لكن أفتك ما يضرب العيش المشترك راهناً هو الاستكبار المتمادي لـ "حزب الله" على الشراكة الوطنية. هذا الاستكبار لم يبدأ مع خطاب السيد حسن نصر الله الأخير، لكن الخطاب إياه؛ أكثر من سواه مؤهل، لرسم صورة معبرة لهذا الاستكبار.

الاستكبار على الشراكة الوطنية

في خطاب سابق "اعتبر" السيد نصر الله أن الدولة اللبنانية قصرت في الدفاع عن لبنانيين موجودين في القصير، فأخذ المهمة عنها لأن "من حق هؤلاء أن يدافعوا عن أنفسهم وعن ممتلكاتهم وعن وجودهم، وهذا عليه إجماع العقلاء، ومن قُتل في هذا السبيل فهو شهيد"(27/2/2013). كانت هذه الذريعة الأولى للتدخل العسكري في سوريا دون مشورة من باقي اللبنانيين.

بعد نحو شهر؛ ومع توسع الحديث عن وجود مقاتلين لـ "حزب الله" في سوريا؛ أورد نصر الله ذريعة جديدة: "في منطقة السيدة زينب يوجد مقام السيدة زينب بنت علي عليها السلام والآن هناك بعض المجموعات المسلحة تبتعد مئات الأمتار فقط عن المقام... هناك من يدافع عن هذه البقعة وعن المقام الشريف ويستشهدون لذلك"(30/4/2013). في هذه المرة أيضاً "اعتبر" نصر الله – دون مشورة باقي اللبنانيين- أن من حقه إرسال مقاتلين إلى سوريا "فهؤلاء هم من يمنعون الفتنة وليس هم من يفتح باب الفتنة".

وبما أن الحزب يحاول بشراسة دخول مدينة القصير؛ وهذه لا لبنانيين فيها ولا مقامات دينية، فقد كان لزاماً عليه أن يوجد ذريعة جديدة؛ هي تلك التي قدّمها في خطابه الأخير (25/5/2013): "نحن بحسب رؤيتنا نعتبر أن سيطرة هذه الجماعات (التكفيرية) على سوريا أو على المحافظات المحاذية للبنان هي خطر كبير على لبنان وعلى كل اللبنانيين".

في المراحل الثلاثة سالفة الذكر؛ "رأى" السيد نصر الله أمراً، فانتقل إلى الفعل، دون مشورة أحد، مكتفياً بإيراد الحجة "بحسب رؤيتنا"، لكأن له الحق في أن يرى ويعمل ما يراه مناسباً في قضايا مصيرية للبلد، دون أن يأخذ موافقة بقية مكونات البلد أو حتى يستشيرهم، وهو بالمقابل يرفض تشكيل حكومة لا يرضى عنها، أو الاشتراك فيها ما لم يملك الثلث المعطل، أو تعيين وزير شيعي واحد دون أن يعطي موافقته عليه، باعتبار أن هذا الأمر إن حصل يعني استهتاراً بمن يمثل، وشراكةً غير حقيقية!

الأمر نفسه يقال عن موضوع السلاح؛ إذ يُعتـَبر خطاب السيد نصر الله الأخير أول إعلان من طرفه، برفض الحوار الدائر في لبنان منذ ثماني سنوات حول ما سمي "استراتيجية دفاعية"، إذا كانت نتيجة هذا الحوار ستفضي إلى أي شيء غير ما هو قائم الآن؛ أي وجود سلاح خارج كنف الدولة. وما اقتضى هذه الصراحة – على ما فيها من استكبار على الشراكة الوطنية- "أننا في لحظة تاريخية حرجة، في لحظة تاريخية حساسة، لا وقت فيها لمجاملات، ولا وقت لأن نختبئ خلف أصبعنا" كما قال نصر الله، ولأن الحال كذلك فقد قرر نصر الله ما يأتي: "في المرحلة الحالية إذا صممنا وتوافقنا أو قبلنا أن نضع المقاومة وسلاح المقاومة ومجاهدي المقاومة تحت إمرة الدولة عندها ينتهي هذا السلاح، هذه المقاومة، هذا الفعل، هذا الردع".

وعليه؛ لم يعد ثمة أوهام بعد اليوم في موضوع السلاح؛ لا وضعه تحت إمرة الدولة، ولا استيعابه تدريجياً، ولا حتى الحوار بشأنه، أو القول عند الحشْرة: نحيله إلى طاولة الحوار!.

 

... ويصطنع أدلة لنفسه

لم يكتف السيد نصر الله بإيراد الذرائع، التي حوّلها خططاً وأفعالاً هجومية ضد دولة مجاورة؛ أو تقريراً لواقع يراه، وإنما صنع أدلةً بنى عليها رؤيته للأمور.

في توصيفه لحال الدولة؛ أورد نصر الله معايبها، وتقصيرها، وضعفها، وتراجع هيبتها، لكن فاته أن الحزب نفسه مسؤول أكثر من غيره عن حال الدولة، وتالياً فهو لا يستطيع أن يبني على ضعف الدولة دليلاً يسمح له ببناء مملكة خارجها، لأن "حزب الله" أكبر سبب في إضعاف الدولة، فضلاً عن أن الحديث المطلق عن الدولة وكأن الحزب لا علاقة له بها لا يستقيم مع كون الحزب رافعة الحكومة الحالية (تصريف الأعمال)؛ هو من سمى رئيسها، وهو من يملك الغالبية فيها، ومن دون مشاركة من خصومه السياسيين.

الأمر نفسه ينطبق على الجيش – الذي لم يتحسن وضعه خلال ثماني سنوات سابقة على ما رأى نصر الله- لأن أكثر ما يؤذي الجيش –أي جيش- وجود جيش رديف أقوى منه، وله إمرة وعقيدة مختلفة، وتالياً؛ لا يمكن لمن هو سبب في إضعاف الدولة أن يقول: "ابنوا دولة قادرة عادلة وسنكون تحت إمرتها"، ولا يجوز لمن لا يضع سلاحه في إمرة الجيش أن يتحدث عن ضعفه، ولا يصح لمن حاله كذلك أن يتساءل لماذا لم يتزود الجيش بسلاح دفاعي متطور، لأن العالم كله يدرك أن الحزب مسيطر على الدولة وأجهزتها، وأن السلاح يمكن أن يصبح بيده، تماماً كما هو حال السلاح السوري المتطور اليوم، ما يضطر "إسرائيل" للتهديد بتدميره في حال انتقل إلى "حزب الله"، أو في حال سقط النظام (ما يعني اطمئناناً ضمنياً من "إسرائيل" أن سلاح النظام السوري لا يشكل خطراً حتى الآن).

وما يدعو للعجب أكثر؛ أن أمين عام الحزب الغارق في لعبة التوتر في طرابلس وصيدا يبكي حتى يدمى قلبه على أهل طرابلس و"ناسها الطيبين" فيما هو يمد أحد طرفي القتال بالسلاح وبتأييد مطلق (على ما صرّح زعيم المقاتلين في جبل محسن رفعت عيد نفسه)، وأنه مستاء من الاعتداء على حرمة الموت في صيدا (رفض دفن أحد أبنائها المتشيعين ممن قُتل في سوريا في صفوف "حزب الله" في مقابر السنة) وهو لا يحترم حرمة الحياة لأهل سوريا الذين يقتلهم ويصفهم بالتكفيريين، وصولاً إلى طرحه معادلة مستحيلة: "أنتم تقاتلون في سوريا، ونحن نقاتل في سوريا، فلنتقاتل إذاً هناك. لبنان جنبوه، لماذا علينا أن نتقاتل في لبنان"، لأن المنطق يقول إن اقتتال اللبنانيين في الداخل حيث الاحتكاك المباشر أقرب منه في الخارج، فضلاً عن أن نتائج الخارج؛ في المعارك والسلاح والقتلى والجرحى وردود الأفعال... تنعكس حكماً على الداخل. 

وعلى القاعدة ذاتها؛ اصطناع الدليل، يتحدث الحزب عن جهة لبنانية غير معلومة تقاتل في سوريا، ليبرر قتال حزبه، مع أن واقع الحال أن مشاركته في القتال كمؤسسة حزبية-عسكرية منظمة، لا تقارن حجماً وتنظيماً بأفراد أخذتهم الحمية للقتال هناك، وفارق أعداد القتلى ومواكب تشييعهم تفضح هذه الحقيقة بوضوح.

وعند الانتقال إلى الملف السوري؛ المنوال نفسه. اتهام للمعارضة بأنها مرتهنة ولا تريد إلا إسقاط النظام، خلافاً لما يعلمه أي متابع أن هذا المطلب لم يتبلور إلا بعد أشهر من المطالبات العقيمة بالإصلاح، وبعد أشهر من السلمية التي رد عليها النظام بإجرام بلا حدود، وأن المعارضة السورية هي من بدأ بالتصويب على "حزب الله" مع أن العكس هو الصحيح، ليس بالموقف وإنما بالمشاركة بالقتل من طرف "حزب الله" منذ الأشهر الأولى للثورة، وأن مخطوفي أعزاز دليل للحزب على ذلك مع أن العكس هو الصحيح أيضاً؛ فمخطوفو أعزاز هم ضحية "حزب الله" رداً على تورطه في سوريا، وأن التكفيريين جاؤوا إلى القصير، مع أن الصحيح أن الحزب استدرجهم – وهم قلة قليلة جداً بالنسبة لباقي الثوار- بعدما تسلل إلى ريف القصير مستفيداً من التنوع المذهبي هناك.

ثمة ما هو أخطر من ذلك كله، ويختصر ذلك كله؛ وعدُ نصر الله جمهوره بالنصر على ثوار سوريا –وربما المخالفين كلهم- تماماً كما لو كان في مواجهة العدو الإسرائيلي: "نحن أهلها، نحن رجالها، نحن صنّاع انتصاراتها... وأقول لكم في ختام احتفال عيد المقاومة والتحرير، كما قلت لكم في الأيام الأولى من حرب تموز 2006: أيها الناس الشرفاء، أيها المجاهدون، أيها الأبطال، كما كنت أعدكم بالنصر دائما أعدكم بالنصر مجدداً"!.

هل انتبه نصر الله أن لبنان بات لأول مرة منذ قيامه دولةً غازية، تحتل أراضي دولة مجاورة، وما ذلك إلا بفضل تأويلات الحزب ورؤاه ومغامراته، وأن اللبنانيين –شاؤوا أم أبوا- يدفعون وسيدفعون ثمن ذلك الجنون؛ سواء كان نصراً للحزب الموعود بالنصر أبداً، أو هزيمةً كما هو حال الحزب اليوم، باعتبار المقاييس نفسها التي وضعها الحزب في حرب تموز؛ الصمود وتكبيد العدو المتفوق خسائر كبيرة؟!.