"جينجريتش" ونظرية اختراع التاريخ

"جينجريتش" ونظرية اختراع التاريخ

مأمون شحادة

[email protected]

ان عناصر القومية لاي مجتمع من المجتمعات تتكون من اللغة، والثقافة المشتركة، والتاريخ والمصير المشترك الواحد، فالقومية عامل مساند للرابطة المدنية وإن تشكّلت، لأنها تمثّل الجسر الواصل ما بين الماضي والحاضر، ولكن هل الادلجة الأميركية المبنية على الرابطة المدنية تفتقد تلك العناصر؟

إن المجتمع الأميركي بتكويناته المزجية يفتقد عنصر القومية ومؤدلج بكثير من اللغات والثقافات، بعكس المجتمعات التي تمتلك مفهوماً قومياً ترتبط من خلاله بمفهوم الأمة الواحدة التي لها هوية جمعية تجمع بين أفرادها.

انطلاقاً من هذه القاعدة التعريفية نوجه سؤالاً للسينتور الاميركي جينجريتش: من هو المُلفَق على التاريخ والمخترَع؟ المجتمع الاميركي؟!، ام المجتمع الفلسطيني ؟!

كذلك نتمنى ان تحدثنا عن الثقافة الاميركية المشتركة، والتاريخ والمصير الاميركي المشترك الواحد، لنتعرف على تصريف افعال حضارتكم التاريخية القديمة بعيداً عن افعال الحاضر والمضارع المبنية على دماء الهنود الحمر

ان وصفكم المجتمع الفلسطيني بـ”مجموعة من الارهابيين وشعب تم اختراعه” انما يدل على ان ذاكرتكم القصيرة اصيبت بالزهايمر التاريخي وجنون العظمة، فالشعب الفلسطيني لم يقم بإبادة شعب للحلول مكانه كما فعل رعاعكم بالهنود الحمر، وكذلك غير خالٍ من عناصر القومية التكوينة.

اذن، فمن هو الارهابي؟ ومن هو الشعب المخترَع؟

امام هذه الأحقاد الدفينة بين ضلوع عتمة الليل وتهويد القدس، وبناء تاريخ فوق التاريخ، سؤال يدق اجراس عقولنا قبل ان يدق طبول شعاراتهم على انغام كلمات السينتور جينجريتش، مالذي تبقى من القدس؟ واين الضمير العالمي المستتر من بوصلة لا تشير الى شعب ما زال تحت الاحتلال؟

اسئلة ليست بعيدة عن ملامسة واقعنا العربي الدفين، الذي يعشق المفعول به، بعيداً عن لغة الفاعل، وهو مشدود للكسر، بعيداً عن الضم، ولسان حاله معلقاً بين نصف الدفء ونصف الموقف، فهو لايقتطف من قصيدة قباني الا مقطع واحد: “لا تفكر أبداً فالضوء احمر.

ان القضية الفلسطينية تحتاج إلى موقف كامل وواضح للرد على تصريحات جينجريتش، وليس قرارات تسابقيه لضخ المضخوخ الى دولة الكيان الإسرائيلي ما بين المفعول به والمفعول لأجله، فالشبه بين نصف الدفء ونصف الموقف، كالشبه تماماً بين أصحاب القرارات التسابقية وجلاد تهويد القدس
نحن لا نريد خطابات تعزف على وتر القلقلة، والقيل، والقال، والقيلولة الخطابية، والديماغوجية، وأصحاب الفخامة، واصحاب القداسة، ومجالس التكوين والتكوير والتحلية، فالكل في مصاب الخطابات جلل.

امام هذه التصريحات الاميركية التي تجهل قراءة التاريخ وتعريفاته، نجد ان تزوير المعالم الزمانية والمكانية للقدس -وفق هذا الجهل- بدأ حيز التنفيذ بتدشين اكبر مخطط تهويدي للمدينة، لبناء اختراع تاريخي فوق التاريخ، وكأن المذبحة الاميركية بحق الهنود الحمر اصبحت نموذجاً يحتذى به، فمستوطنة “هراه- برتسليتسه “ المزمع اقامتها لربط مستوطنات مدينة القدس اخذت تزحف لتهويد اولى القبلتين مثلما يزحف الخطاب العربي المتصحر الى اخضرار مستقبل امة الضاد.

ولكن! اين نحن من بوصلة لا تشير الى القدس؟ واين نحن من قرارات تعفّن الحبر على اوراقها؟ واين نحن من تلفاز عربي لا يشير الى القدس الا بلغة الغناء والحقيقة الضائعة؟ واين نحن من نظرية بناء تاريخ فوق التاريخ؟

ليس من الغريب ان نجد الخطاب العربي محنطاً امام كلمات السينتور الاميركي، ذلك لان الاينيات كثيرة، والكيفيات قليلة -بل معدومة-، وما بين اين وكيف، يصطدم واقع مدينة القدس بمستوطنة جيلو، ومستوطنة جبل أبو غنيم، ورمات شلومو، وبسغات زئيف، وجفعات هاميتوس، ومعالي زيتيم، لتجد المدينة نفسها ما بين سنديان الاحتلال ومطرقة الخطاب العربي الديماغوجي.

السؤال المطروح على جسد الامة العربية، الى متى ستظل الشعارات العمياء لا ترى اسقاط الحرف العربي من جسد مدينة القدس؟ والى متى ستظل الخطابات الصماء تغض الطرف عمّن يسعى لاجهاض مدينة الاسراء، مثلما يسعى السينتور جينجريتش لاسقاط التاريخ من عروبتها واسلاميتها؟