الحق والباطل

ناديا مظفر سلطان

في الأول من الشهر الحالي حزيران و قبيل الساعة السادسة صباحا هرع(رودي موير)إلى حديقة منزله الخلفية  عند سماعه صراخ حيوان الراكون ، تسلق السياج ليعرف( حقيقة) ما يجري  كان  جاره المدعو (دونغ نغوين) يلاحق بالرفش أنثى الراكون وأولادها الصغار محاولا قتلها ، صعق الرجل واتصل بالشرطة فورا وماهي إلا دقائق حتى حضرت دورية الشرطة وكافة وسائل الإعلام.

تم اعتقال (دونغ)وظهر أمام الكاميرا مطأطئ الرأس والقيود في معصميه ، بينما برزت  الراكون الأم وأطفالها ، معززة مكرمة ريثما يتم نقلها إلى حيث تضمن سلامتها هي وأسرتها

 أما طفلها المصاب- الذي كسرت يده اليمنى- فقد تم نقله على جناح السرعة إلى مشفى الحيوانات ليتم إلحاقه فيما بعد بأسرته حالما يتم شفاؤه

هكذا أعلنت (ويندي درموند)المتحدثة باسم بوليس تورونتو.

في الثالث عشر من شهر تموز القادم  سيمثل(دونغ) أمام المحكمة ليأخذ نصيبه العادل من القصاص وذلك بعد أن أجرت قناة ال(س ب 24 التي تبث من تورونتو كندا) استفتاء جماهريا واسعا لإبداء الرأي حول سلوك دونغ البربري؟

و منذ منتصف  شهر آذار أي خلال ثلاثة أشهر ونظام الأسد في سوريا يمارس سياسة القمع  ضد السوريين المتظاهرين سلميا ، والقمع يشمل إطلاق الرصاص الحي على الناس دون تمييز بين شبابعزل  وأطفال ونساء، وكذلك اعتقال الآلاف وتعذيب بعضهمحتى الموت والتمثيل بجثثهم ، وملاحقة الجرحى إلى المشافي للإجهاز عليهم ،بطلقات تستهدف الوجه والرأس من الضحايا .

منذ ثلاثة أشهر ومئات  الألوف من السوريين يصرخون ألما وذلا بأصوات أعلى من صراخ الراكون وأولادها فما استجابت لصراخهم جهة مسئولة ، وما من جهة إعلامية استطاعت أن تحذو حذو( رودي) و(تتسلق السور) فقد حالت السلطات السورية بين المراسلين الصحفيين وبين دخول مزرعة الأسد لتوثيق المجازر بحق الأبرياء من الشعب.

ودخل الخبر لعبة التقاذف بين الحق والباطل .

وفي القرآن" ولاتلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"البقرة 42

والتعبير القرآني استخدم لفظة( لاتلبسوا) بمعنى أن يمكن للحق أن يتخفى  بألبسة مختلفة التصاميم وأقنعة  متفاوتة الأشكال ومساحيق متنوعة الألوان  من الكذب والزيف والفبركة

 وهكذا يمكن للحق أن( يرتدي)رداء الباطل

 كما يمكن للحق أن( يكتم)..."وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"

والكتمان أو الصمت هو أسلوب سلبي لحجب الحقيقة وعدم إعلانها على الملأ

ومما لاشك فيه أن الباس الحق بالباطل هولأجل المنفعة والمصالح المتبادلة من التجار وأصحاب المناصب

"وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم لمن المقربين"الأعراف 114

أما الصمت وكتمان صوت الحق فمرجعه  إمالعدم اكتراث (مادخلنا ، أو فخار يكسر بعضو، أو شو بدي ، أو مادخلني) ، أو أنه أحيانا التباس رؤية ، أو هو الخوف من الطغيان

"قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أوأن يطغى"45-20

 والرؤية السليمة يمكن فعلا أن يفقدها الإنسان وذلك عندما يعيش طويلا في ظلمات القمع والطغيان ويقبع في أقبية الذل فيفقد القدرة على الإبصار السليم والتمييز بين الحق والباطل ويقنع بالاستكانة والخنوع إذ أن  رؤية الحق ستكلفه غاليا

 ولعل هذا ما كان  رأي معظم الناس في سوريا( نحن أحسن من سوانا، شوفوا شو صار بالعراق منذ سنوات وحتى الساعة ، أو لبنان في الماضي حرب أهلية من ثلاثين عاما  أوما حل ب ليبيا اليوم.. اعتبروا يا أولي الألباب)

وقد انتهى البعض إلى حكمة (أمان في الظلام خير من دماءتحت الشمس)!

هذا فقط كان  في الماضي أما اليوم فالوضع قد تغير ، هنالك ألف وخمسمائة من الأبرياء قتلوا وعشرة آلاف اعتقلوا وتسعة آلاف نزحوا كي يعيشوا تحت الخيام بعد أن فقدوا مصادر عيشهم من دواب و غلال دون أي ذنب أو مبرر .

اليوم سورية تغرق في الدم ، وفي الظلام .فماذا ستخسر بعد أيها السوري؟؟؟

 اليوم فات الوقت على الصمت تجاهلا ، أو الصمتاتقاء  من شرالفتنة ، أو الصمت خوفا من بطش الطاغية ، لأن"الفتنة أشد من القتل " ...لأن  القتل قد  حصل ويحصل  ، والدماء البريئة  تراق أنهارا ، والعنف يعصف بالوطن شرقه وغربه ، شماله وجنوبه.

 ولابد من الدفاع عن الحق

والساكت عن الحق جهلا أو جبنا اليوم هو شيطان أخرس.

 وإظهار صورة الحق للملأ هي واجب يطالب به ليس فقط كل سوري يعيش في ربوع هذا الوطن أو خارجه ، بل كل حر يعيش في هذا الكوكب  ويرى أن إحقاق الحق وإبطال الباطل هو شأنه .

وأنجلينا جولي نجمة هوليوود الأولى طارت إلى الحدود التركية السورية لتعتلي السور الفاصل بينهما كي تعرف الحق وتعمل على إبطال الباطل.

 بينما الشيخ البوطي يبكي حزنا على يوم الجمعة في دراما مؤثرة تؤهله لدخول هوليوود من أوسع الأبواب ! ...والبقية الصامتة من رجال الدين- وخاصة حلب- لا تنقصها البراعة في إلباس الحق عباءة إسلامية فضفاضة بغية اتقاء الفتنة.

ومما لاشك فيه أن الإعلام السوري أقل براعة وحنكة من هؤلاء  في المهمة الموكلة إليهم في إلباس الحق بالباطل

قال لي فرانك - محاضر في جامعة تورونتو- متهكما لم لاينشغل  الإعلام السوري بأنباء حالة الطقس وأخبار الرياضة عوضا عن هذه المسرحية الهزلية الرديئة التأليف والإخراج التي يبثها يوميا ؟

وريم حداد مثلا في الإعلام السوري الرسمي التي برزت وهي مطلية الوجه بالمساحيق ، تذكر صورتها إلى حد بعيد ب مهرج  في سيرك رخيص  وهي تدلي بأن السوريون من أهالي جسر الشغور قد ذهبوا لزيارة أقاربهم في تركيا !!!واختتم النبأ بمنظر آلاف الخيام التركية المنتصبة وابتسامة ساخرة من مذيعة قناة ال بب س نيوز.

ونسج علم عملاق ، تقنية هزيلة و رداء آخر تختفي تحته الجموع من المنتفعين أو الخائفين

والخوف هو مشكلة نفسية مستعصية

وفي علم النفس أن الخوف هو العاطفة الأكثر تدميرا للنزعة الإنسانية

 ولعل لفظة الخوف تلازمت مع النبي موسى دون غيره من الأنبياءخلال صراعه مع فرعون وملأه الذين (ذبحوا الأولاد، واستحيوا النساء، وساموا القوم ألوانا من العذاب)، وذكر موسى جاء  في القرآن مائة وخمس وأربعين مرة ، بينما محمد جاء ذكره أربع مرات ومرة أحمدفي كتاب أوحي إلى محمد!!

وقوم موسى قد تجرعوا كأس الذل والهوان مع فرعون فأفقدهم إنسانيتهم فالإنسان مع طول الذل يفقد كل معاني الإنسانية ، بل إنه يدمن العيش تحت سوط فرعون ، وإذا رفع عنه السوط سيكون فرعونا آخر حتى يأتي من يسحقه من جديد

 والمثل يقول اسأل مجرب ولاتسأل حكيم ، وقوم موسى الذين تجرعوا شرابالذل طويلا عرفوا أنه خير معين تشرب منه بلاد النيل والرافدين ليتحقق حلمهم باحتلال الأرض من  النيل إلى الفرات ،في معاهدات لم تبق مستترة بين الأسد وجيرانه حسب تصريحات مخلوف

"قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض" المائدة 26

وهكذا يبدو أن الأربعين  رقم له سره إنه  الفترة الكافية لولادة جيل جديد يرفض الذل ويكسرالقيد،  ويعلن التمرد ويصرخ متحديا أمام الشمس لا خوف بعد اليوم

ولعبة التقاذف بين الحق والباطل لابد أن يكتنفها عنف و لابد أن تضرجها الدماء 

وسحرة فرعون قطعت أطرافهم من خلاف وصلبوا في جذوع الشجر.

 واليوم( أطراف) سوريا الحبيبة تبتر وباقي الجسد يئن منتظرا ( القلب) أن يخفق  و(الرأس) أن ينهض لتهب دمشق وحلب  وتصل لعبة الصراع مراحلها الأخيرة الحتمية

"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون" الأنبياء 18

واستخدام لفظة القذف بصيغة الجمع (نقذف)- وليس (يقذف الله )على سبيل المثال -في التعبير القرآني فيه قوة صاعقة وبأس شديد ، لا يخل من مفاجأة مبهرة يبلس أمامها المجرمون

 والدمغ هو طمس كامل وإلغاء  لصورة الباطل المتداعية"ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته" الشورى 24

 

 والصراع بين موسى وفرعون سوف يتنامى ويتزايد في دوامة عنف مطرد حتى يقذف الله الحق على الباطل ، وحتى تلتهم  حية موسى كل الإفك ظاهره وباطنه فتبتلععصي الشبيحة ، وبنادق القناصة ، ودبابات الجيش المتواطئ

"وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف مايأفكون فوقع الحق وبطل ماكانوا يعملون" الاعراف 118

الثورة السورية اليوم تطمح للحرية والعدالة والكرامة من أجل كل سوري مسلم مهما كان مذهبه(سني علوي شيعي) أو مسيحي أو شيوعي  أو كردي أو درزي ،مادام الكل يعمل بإخلاص لأجل الوطن ،

 و لعل المحن المحيطة  هي  خير معلم يلقن الفرد منابقبول الطرف الآخر، واحترام مذهبه وتوفير العدالة والعيش الكريم  له .

و كندا تستضيف ماينيف عن عشرين ألف مسلم ، ثلاثة أيام خلال مؤتمر إسلامي  يعقد كل عام .

 وفي كل عام  أيضا  يحتفل على الأقل أربعون ألف من طائفة  السيخ، فيلبسون ملابسهم التقليدية  ،ويجوبون الشوارع .  وبالأمس احتفل البوذيون بعيدهم فدقوا الطبل وضربوا الصنج وانضم إليهم بعض الناس للحظات فشاركوهم أهازيجهم.

 إن تقبل الأفراد بعضهم بعضا على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وإتاحة العيش للجميع في ظل الحرية والعدالة والكرامة  هو الطريق الأمثل لاجتناب الفتنة وضمان العيش بسلام وأمان ...لكل المخلوقات .. ليس الراكون فقط.

وأم حمزة الخطيب- الطفل الشهيد-ستبرز قريبا  أمام الملأ معززة مكرمة  لتعلن  ماذا حل بابنها عوضا أن يضيع دمه بين إعلام  كاذب ، وجار أصم وأعمى وأبكم  ، وشرطة متواطئة...ورجل دين يتقن نسج أردية تلبس الحق بالباطل.