ابن لادن يهزم أمريكا

ابن لادن يهزم أمريكا!!

حسام مقلد *

[email protected]

تابع الكثيرون الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى الأولى في العالم وهي تعلن بكل فخر وعلى لسان رئيسها باراك أوباما شخصيا انتصارها على أسامة بن لادن بعد قتله ورميه في بحر العرب، ووقفت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية منتفشة كالطاووس وتقول بكل زهو: "إنكم لن تستطيعوا الانتصار علينا..." ولأول وهلة ظننت قادة أمريكا يتحدثون عن دحرهم لقوة عظمى مثلها، أو يتكلمون عن انتصارهم على جيش نظامي جرار مدجج بكل أنواع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية ومكتظ بالصواريخ الباليستية عابرة القارات المحمل عليها كل أنواع الرؤوس النووية والكيميائية والبيولوجية، ثم اكتشفت أنهم يتحدثون عن قتلهم لرجل أعزل مع امرأة يعتقدون أنها زوجته كان معهما بضعة أشخاص آخرين!! وحرص أمريكا على قتل ابن لادن أمر مفهوم، لكنني عجزت عن فهم سر رميهم لجثته في البحر!! كما صعب علي فهم سر كل هذا الفخر لدرجة أن يحمل رئيس الولايات المتحدة نفسه البشرى للعالمين بمقتل ابن لادن، ولم أستوعب سر كل هذه النشوة التي اجتاحت معظم الرؤساء والقادة السياسيين في شتى أرجاء المعمورة، لدرجة أن يصدر بيان رسمي عن مجلس الأمن الدولي يعرب فيه عن ارتياح أعضائه وترحيبه بمقتل ابن لادن!!

في الحقيقة أنا كغيري من الغالبية الساحقة من المسلمين لا أتفق مطلقاً مع الاتجاه الفكري للشيخ أسامة بن لادن ـ رحمه الله ـ وأختلف اختلافا جذريا مع تنظيم القاعدة واجتهاداته وأفعاله وكل ما ارتكبه من عنف مقيت أساء أول ما أساء للإسلام والمسلمين، وكان المحافظون الجدد وحلفاؤهم الصهاينة هم المستفيد الأول ـ وربما الوحيد ـ من هذا الشطط والغلو الذي لا يقره الشرع الإسلامي الحنيف الوسطي المعتدل، وبالرغم من ذلك لابد أن يتذكر الجميع خاصة في الغرب ولاسيما هؤلاء الزعماء الذين انتشوا فرحة ورقصوا طربا وتبادلوا التهاني بمقتل ابن لادن ـ رحمه الله ـ أن الدوافع الحقيقية التي ألجأت تنظيم القاعدة وزعمائه للعنف ودفعتهم لكل هذا الشطط والتطرف هي طوفان الظلم والجور والعدوان الذي يجتاح العالم، ويعاني منه مئات الملايين من البشر خاصة في عالمنا الإسلامي بسبب السياسات الغربية الجائرة التي تنتهك حرماتنا، وتستبيح بلادنا، وتنهب ثرواتنا، وتدنس مقدساتنا، وليس أطفال غزة ونساؤها وشيوخها وعجائزها منا ببعيد، فالعالم كله يعرف مأساتهم، والدنيا كلها شاهدت حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل عليهم دون وازع من رحمة أو خلق أو ضمير، بل وقف الجميع يشاهد تلك المجازر ويستمتع بها ويتواطأ معها، ولا تزال المأساة مستمرة ولا يزال حصار أكثر من مليون ونصف المليون إنسان قائم ويحرم هؤلاء البشر المسلمين من الطعام والدواء والكهرباء ومواد البناء.... وغيرها من ضرورات الحياة ودعاة التحضر والإنسانية في العالم يشاهدون ويتفرجون ويستمتعون ببكاء الأطفال وآهات الجرحى وأنات الثكلى والأرامل!!

إن الإسلام يرفض رفضا قاطعا جازما ممارسة أي عنف ضد المدنيين الأبرياء العزل، ويدعو للتعارف والتعاون والتآلف بين الناس، ويحث على نشر الرحمة والسلام والمحبة فيما بينهم، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات:13] بل الإسلام هو دين التسامح والرحمة، قال عز وجل مادحا هذه الصفة في نبيه الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"  [آل عمران:159] ولا يمكن أبدا أن يكون الإسلام داعية عنف أو إرهاب، لكن أمريكا والغرب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي البائد كان لا بد لهم من عدو استراتيجي جديد يعيشون على عدائه وإلا انفرط عقدهم وتمزق شملهم؛ ومن هنا جاء اختراعهم لفكرة الإرهاب الإسلامي، وجعل الإسلام والمسلمين عدوهم الاستراتيجي الأول، وكان لا بد من اختلاق الذرائع ورسم السيناريوهات وسبكها وإتقانها بكل دقة ومهارة؛ ليتقبل الغربيون فكرة العداء للإسلام والمسلمين بعد أن يقتنعوا أنهم خطر عليهم بسبب دينهم الرجعي المتخلف الذي يحث أتباعه على العنف وإراقة الدماء، وقمع المرأة وسلبها حريتها وإهدار كرامتها، ومعاداة الآداب والفنون، وتدمير معالم الحضارات الإنسانية المختلفة وإزالة آثارها من جميع الدول والبلدان، ورفض كل مظاهر التحضر الغربي، ومهاجمة قيم الثقافة الغربية، والعدوان على أنماط السلوك غير الموافق للشريعة الإسلامية!!

وحتى ينطلي الأمر على العالم حيكت المؤامرات الآثمة، ودبرت الخطط الشريرة الماكرة، واستغل مناخ الظلم والعدوان المستمر على المسلمين لتهييج الشباب وشحنهم بثقافة الكراهية والعداء للغرب، واستخدامهم كمخلب قط في أيدي أعداء الأمة العربية الإسلامية، واستعمالهم كقناع تخفي وقفاز ناعم لارتكاب أبشع الجرائم وأشدها ترويعا، وبذلك يضربون أكثر من هدف بحجر واحد، فمن ناحية سيخوفون الناس من الإسلام، وينفرونهم من المسلمين، ويوجدون المبررات القوية لاحتلال عدد من الدول الإسلامية، ويوفرون الأسباب المقنعة لتواجدهم بالقرب من آبار النفط والسيطرة عليه بموافقة أصحابه، بل بطلب منهم.

والآن انتهت جولة مهمة من المعركة ربما لصالح الأمريكان، ولو نظريا بمقتل زعيم القاعدة ورأس المناوئين لأمريكا الشيخ أسامة بن لادن ـ رحمه الله ـ فهذه العملية ولا شك سوف تفت في عضد أتباعه، وربما تزرع بينهم الشقاق والخلاف، وهذا ما تراهن عليه أمريكا، لكن قد تكون النتيجة عكسية تماما إذ من شأن هذه الجريمة أن تهيج الناس على أمريكا والغرب عموما، وربما تفتح الباب على مصراعيه لدخول العالم في نفق مظلم، وغرقه في دوامات من العنف والعنف المضاد، وهذه الحال لا تعكس أي انتصار حقيقي للمشروع الأمريكي في المنطقة، بل على العكس لقد مُنِيَ هذا المشروع بنكسات متتالية سيما بعد اجتياح طوفان الثورات العربية لحلفاء واشنطن الواحد تلو الآخر، ومن المرجح أن تُمْنَى أمريكا في القريب العاجل ومعها الغرب كله بهزيمة سياسية ساحقة ومدوية وانتكاسة شاملة لمشروعها في الدول العربية والإسلامية.

أما على الجانب الأخلاقي فقد هزمَ الشيخُ أسامة بن لادن ـ رحمه الله ـ أمريكا هزيمة منكرة فعلا باغتياله والتخلص من جثته بهذه الطريقة الهمجية المتوحشة!! ولا ننسى أن الحرب التي فرضتها أمريكا على العرب والمسلمين هي حرب أفكار وقيم ومبادئ وأخلاق بالأساس، وها هو ابن لادن ـ رحمه الله ـ يموت شامخا ويعده الكثيرون شهيدا، وما ضره أن يموت غيلة وتُلْقَى جثته في البحر، وما عليه في ذلك؟! فلا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، ويكفيه من وجهة نظر أنصاره وأتباعه أنه ترك متاع الدنيا وجاهد في سبيل الله بنفسه وماله وصمد واستبسل حتى نال الشهادة، وفي ميزان الأخلاق فهذا نبل ما بعده نبل فلم يبع الرجل مبادئه ولم يقبل الدنيَّة في دينه، أما أعداؤه فلم يظفروا به حيا فلجؤوا إلى اغتياله بكل خسة ونذالة على النحو البئيس الذي رأيناه!!

ومن يريد أن يعرف الفارق بين أخلاق المسلمين وأخلاق أدعياء التحضر والرقي هؤلاء فليراجع غزوات الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتوحات أصحابه ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ ومن يشأ الزيادة فليراجع تاريخ صلاح الدين الأيوبي ـ رحمه الله ـ وغيره من قادة الإسلام العظام، ومن أراد أن يتأكد من أننا لا زلنا على العهد وسنظل بإذن الله تعالى نتمتع بنفس القيم الرفيعة والمبادئ السامية النبيلة فليراجع بيان فضيلة شيخ الأزهر الدكتور: أحمد الطيب، وبيان الإخوان المسلمين، وبيانات غيرهم من المسلمين بعد اغتيال ابن لادن ـ رحمه الله ـ، وعزاؤنا جميعا أن ليل الأمة قد آذن بالرحيل عما قريب بإذن الله تعالى، وأن شبابها بإيمانهم وعلمهم وعملهم، وثباتهم وإبداعاتهم الفكرية والعلمية والتِّقَنِيَّة سوف يرفعون شأن المسلمين ويحفظون كرامتهم، وسيضعون حدا لإهانة الغرب المستمرة لنا، ولاستهتاره الدائم بنا وبمشاعرنا ومصالحنا، وخير عزاء لنا الآن قول الله تعالى: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)" [آل عمران:139،140] وقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [آل عمران:200] "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [يوسف:21] 

                

 * كاتب إسلامي مصري