الثورات بين أخطاء وأخطاء

د. أحمد محمد كنعان

لقد شهد التاريخ البشري عدداً كبيراً من الثورات التي استهدفت تغيير الأنظمة الحاكمة رغبة بأنظمة أكثر استجابة وتحقيقاً لأماني وأحلام المجتمع !'

لكنْ يخبرنا التاريخ أن ندرة نادرة من الثورات هي التي حققت بالفعل هذه الأماني الكبيرة، وانتقلت بالمجتمع إلى حالة أفضل، بينما انتهت معظم الثورات إلى كوارث جعل الناس يترحمون على "الزمن الجميل" الذي كان قبل الثورة،

ولا غرابة فالثورات باعتبارها فعل تغيير جذري لا غرابة أن تتعرض أحياناً إلى نهايات غير سعيدة ! فقد ينشب الخلاف بين الثوار بعد نجاح ثورتهم لاعتقاد كل منهم أنه هو الذي حقق للثورة نجاحها، أو أنه الأكثر إسهاماً بالثورة وقد يزعم بعضهم أنه عرض نفسه للهلاك من أجل الثورة، ويزعم آخر أنه قدم كل ما لديه من مال لتمويل الثورة إلى غير هذا من المزاعم التي تجعل رفاق الثورة ينقلب بعضهم ضد بعض، وليس من النادر أن يتأزم الخلاف بينهم حتى يصل إلى حد القتال وتصفية بعضهم لبعضهم الآخر غير عابئين بمصير البلد الذي يفترض أنهم أشعلوا الثورة من أجله !!!

أضف إلى هذا ما تتعرض له الثورات عادة من قبل أصحاب المصلحة ببقاء النظام القائم وكذلك المتربصين بالثورة ، فما إن تنجح الثورة، ويسترخي الثوار منتشين بخمرة الانتصار حتى نرى هؤلاء اللصوص والانتهازيين يظهرون في المشهد ليسرقوا الثورة ويذهبوا بها إلى مسارات غير التي خطط لها الثوار!!!

 وفي العصر الراهن أضيف خطر جديد على الثورات، فلم تعد ثمة فرصة لنجاح أية ثورة ما لم تكن مدعومة من "الكبار" الذين أصبحت أمور العالم بأيديهم !!!

لهذه الأسباب وخوفاً من النهايات الكارثية التي لا يندر أن تنزلق الثورات في متاهاتها نجد بعض الفلاسفة والمفكرين منذ القدم يحذرون من الثورات وينبهون للكوارث التي قد تنتهي إليها، منهم مثلاً الفيلسوف أفلاطون(٤٢٧-٣٤٧ق.م) الذي كان متحفظاً جداً ضد الثورات، ففي كتابه الشهير (الجمهورية) رأى أن استيلاء العامة على الحكم يشبه تمرد البحارة على ربان سفينة تمخر عباب المحيط، وادعاء كل منهم أنه الأحق بالقيادة دون أن يتعلم أي منهم فن الإبحار، ما ينتهي بنشوب الصراع الدامي بينهم، وخلال هذه الفترة من الصراع تنفد المؤن وينحرف مسار السفينة، وتقع الكارثة!!!

وبعد أفلاطون نجد تلميذه أرسطو (٣٨٤- ٣٢٢ ق.م) أكثر من أستاذه تحفظاً تجاه الثورات فقد خصص فصلاً كاملاً من كتابه (السياسة) حول طرق الوقاية من الثورات وكيفية الحفاظ على كيان الدولة، وينبه بصورة خاصة للأخطاء التي يرتكبها الثوار في المراحل الأولى من الثورة، مما يؤدي إلى انحراف مسار الثورة، وانتهائها إلى نهايات غير متوقعة !!

وهذه النظرات التي رآها الفلاسفة قديماً يعتمد عليها اليوم بعض المحللين السياسيين فنراهم يطلقون الاتهامات المختلفة على ثورات " الربيع العربي" زاعمين أنها ارتكبت أخطاء فادحة جعلتها تنحرف عن مساراتها المأمولة ، وانتهت بعدد من الدول العربية خراباً ودماراً!!

ومن الواضح أن هؤلاء المحللين مصابون بالعشى السياسي ، وأكاد أقول العمى السياسي، فإذا كانت هذه الثورات قد ارتكبت بعض الأخطاء التي لا ننكرها بطبيعة الحال، فماذا عن أخطاء الأنظمة التي واجهت هذه الثورات بعقلية استئصالية فلم تترك مجالاً للصلح ولا للإصلاح، وأحرقت الأخضر واليابس، ودمرت في سنوات قليلة ما عجز عنه الاستعمار ، وهي بعد كل هذا الدمار تدعى الوطنية وحماية الأوطان !!!!؟

وسوم: العدد 669