مع شهداء النفق في خان يونس

في الوقت الذي راحت المصالحة بين فتح وحماس تطغى لدى كثيرين باتجاه مصادرة سلاح المقاومة في قطاع غزة، وإذا بالكيان الصهيوني يقصف بالغاز السام نفقا امتد من الجنوب الشرقي للقطاع، ليخترق خط الهدنة باتجاه العمق الفلسطيني لمناطق الـ48. وقد ارتقى بحياة سبعة شهداء، فيما فُقِد الاتصال بخمسة من المقاتلين لم يُعرف مصيرهم.

وكان من بين الشهداء ثلاثة قادة ميدانيون سَجلوا مآثر في حرب 2014 وقبلها. وقد توزع الشهداء والقادة منهم بين سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد، وكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس. وقد شيعت حركة حماس القائدين مصباح شبير ومحمد الآغا، كما شيعت حركة الجهاد القائد عرفات أبو مرشد، قائد سرايا القدس وسط قطاع غزة، والشهداء حسن حسنين وأحمد أبو عرمانة وعمر نصار الفليت وحسام السميري. وقد شارك في التشييعين كل فصائل المقاومة في قطاع غزة، مع جماهير غفيرة زادت على عشرات الآلاف.

يأتي هذا الحدث في ظروف طغى فيها التشاؤم لدى البعض، أو الفرحة لدى بعض الموتورين، بأن المصالحة ذاهبة لإنهاء المقاومة من قطاع غزة. وذلك بناء على إصرار محمود عباس بأن لا يكون هنالك من سلاح غير سلاح الأجهزة الأمنية التي تقوم بمهمة التنسيق الأمني، واستنادا إلى إصرار جيسون غرينبلات، مبعوث دونالد ترامب، إلى جانب جيراد كوشنر، على ضرورة نزع سلاح المقاومة والاعتراف بالكيان الصهيوني.

ولكن جاء هذا الحدث الذي تمثل في قصف النفق، واستشهاد ثلة من المقاتلين فيه؛ ليكشف الحقائق التالية:

الأولى: بينما تمضي المصالحة قدما، وبتشجيع من جانب حماس، يمضي حفر الأنفاق القتالية من قبل قوات عز الدين القسام وسرايا القدس قُدما، وبجهدٍ مواظب لا يكل، ولا ينام ليل نهار، في توازٍ مع المصالحة وفي الآن نفسه، الأمر الذي يفرض أن تسقط كل شكوك ووساوس صحبت الحديث عن المصالحة، في ما يتعلق بسلاح المقاومة وأنفاقها وأمنها. فما دام الإعداد العسكري من جانب المقاومة مستمرا، فكل ما تحققه المصالحة من تقدم يشكل خطوات إيجابية في مواجهة الكيان الصهيوني مغتصبا ومحتلا ومستوطنا ومعتديا.

الثانية: إن التقاء شهداء الجهاد وحماس في النفق نفسه يحمل دلالة تفرح قلوب كل من يحرص على وحدة فصائل المقاومة في ميدان المواجهة مع الكيان الصهيوني. فهذه الوحدة من خلال دماء شهداء نفق خان يونس بين كتائب عز الدين القسام وسرايا القدس؛ تشكل أساس وحدة كل الفصائل التي تتبنى استراتيجية المقاومة المسلحة التي عنوانها الأكبر، في هذه المرحلة، في قطاع غزة. وهو ما يشكل ضمانة للحفاظ على سلاح المقاومة في وجه الضغوط التي تمارس تحت شعار: "سلاح واحد، وسلطة واحدة، وأجهزة أمنية واحدة، وقرار واحد في السلم والحرب".

هذا الشعار يجب أن يسقط، وأن يتوقف عن التداول. فهو مرفوض، وبإجماع من كل فصائل المقاومة الفلسطينية في الداخل والخارج، ومن كل الحركات الشبابية، ومن كل فلسطيني وعربي ومسلم وحر في العالم يرفض الإحتلال والاستيطان، في الأقل، إن لم يرفض وجود الكيان الصهيوني من حيث أتى، أي من حيث اقتلاعه لثلثي الشعب الفلسطيني عام 1948 والحلول مكانه.

الثالثة: ثمة مغزى مهم وراء إصرار الكيان الصهيوني على أن النفق الذي قصفه كان قد تعدى خطوط الهدنة مع قطاع غزة، وامتد في الأرض المحتلة عام 1948. وهذا الإصرار يريد التأكيد على الالتزام بالشروط التي وُضِعت عليه في حربي 2012 و2014، وقد تم وقف إطلاق النار بموجبها. فالقيادة الصهيونية ضعيفة وخائفة ومترددة، بقدر ما هي مُتغطرسة ومُتوعِّدة ومُهدِّدة. فالهزائم التي مُني بها الجيش الصهيوني في أربع حروب كبرى في 2006 و2008/2009، و2012، و2014، في جنوبي لبنان وقطاع غزة، يُفترض بها أن تكون دروسا كافية للاعتبار بها، حتى من قِبَل الرؤوس الحامية والحمقاء. طبعا الحمق والحماقة يتناقضان مع تلقي الدروس بصورة صحيحة.

على أن البعد الذي تمثل بكون النفق ذهب إلى العمق الفلسطيني بعد خط الهدنة، ليكشف أن المقاومة في قطاع غزة تخطت مرحلة الدفاع "السلبي" إلى الدفاع الإيجابي، وأن ما تحمله من هدف يتعدى مجرد الدفاع عن قطاع غزة ليدخل في استراتيجية التحرير الكامل، أو في الأقل استراتيجية استكمال تحرير القدس والخليل والضفة الغربية بلا قيد أو شرط كما حرر قطاع غزة عام 2005.

إن هذه النقطة الأخيرة (تحرير القدس والخليل والضفة الغربية بلا قيد أو شرط)؛ هي ما يجب أن تبحث المصالحة بين حماس وفتح، ومن ثم كل الفصائل الفلسطينية عنه. أي استراتيجية مواجهة الاحتلال والاستيطان في القدس والخليل والضفة. فتحت الاحتلال، يستشري استيطان خطير في كل من القدس والخليل، ويمتد ليحاول السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى واقتسام الصلاة فيه، كمرحلة أولى، كما حدث من قبل في السيطرة على الحرم الإبراهيمي في الخليل "واقتسام الصلاة" فيه، إلى جانب تهويد البلدة القديمة وإغلاق شارع الشهداء، الأمر الذي يشكل خطرا وجوديا مستفحلا في القدس كما في الخليل. أما الاستيطان في الضفة الغربية، فراح يستشري فيها مغتصبا للأرض والمياه، وممزقا لها شر ممزق ناهيك عن السيطرة على الأغوار.

هذا المشهد يفترض أن يصبح هدف تحرير القدس والخليل والضفة الغربية على رأس الأهداف الآنية للمصالحة، أو في الأدق للكفاح الفلسطيني. وهنا يجب أن يبرز التوازي والتكامل بين استراتيجية المقاومة المسلحة في قطاع غزة واستراتيجية الانتفاضة الشعبية الشاملة؛ التي تغلق المدن والقرى والمخيمات في القدس والخليل والضفة الغربية. ولا تنفك حتى دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات، بلا قيد أو شرط. وهو ما ينسجم مع ما يسود من موازين القوى فلسطينيا وعربيا وإسلاميا وعالميا في غير مصلحة الكيان الصهيوني وفي غير مصلحة حماة الكيان الصهيوني الدوليين أو المطبعين والمهرولين من العرب.

وهنا اعتبار تجربة الهبة الشعبية المقدسية المنتصرة ضد الحواجز الإلكترونية وأجهزة التصوير، في أبواب المسجد الأقصى وباحته، نموذجا يمكن الاقتداء به على مستوى القدس والخليل والضفة الغربية.

وسوم: العدد 745