الربيع العربي تحت المجهر 6

الحلقة السادسة

هل كان الربيع العربي فَجْراً كاذبا؟

▪بالنظر إلى أوضاع الدول العربية التي انفجرت فيها ما تسمى بثورات الربيع العربي، يمكن القول بأن الشروط الموضوعية لأي ثورة كانت موجودة فيها بوضوح، بمعنى أن مسببات الانفجار كانت قائمة، فالظلم بكل أنواعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية جاوز كل الحدود، والفساد بكل أشكاله وأقسامه قد استشرى في كافة نواحي الحياة، وبلغ مستويات قياسية مُروِّعة، لدرجة أن الأعداء الحضاريين للأمة والذين ما فتؤوا يُشيطنون ثقافتها، قد استغلوا هذه المظالم وصور الفساد وسكوت الجماهير عليها، من أجل الإزراء بالإسلام وتعميق الصورة النمطية السلبية عن المسلمين، واتهامهم بأنهم أناس مستكينون للقهر وخاضعون للهيمنة، وأنهم استناموا للاستبداد واستمرؤوا الذل، وتكيفوا مع الفساد والمفسدين، إلى آخر أبعاد الصورة التي سنُبرزها في الحلقة القادمة في إطار توضيحنا لدور الربيع العربي في التخفيف من حدة الصورة السلبية للمسلمين في العقل الغربي.

▪وبالنظر إلى أدبيات وشعارات ثورات الربيع العربي، يتضح أنها كانت ثورات حقيقية ومُعبِّرة عن حاجات الشعوب، فقد خرجت من رحم المعاناة وعبَّرت عن أوجاع الجماهير، حيث كانت جُلّ الشعارات والمطالب المرفوعة تتحدث عن الحرية المفقودة والكرامة المغدورة والعدالة الغائبة والوحدة المنشودة، كقيم مقدسة هي من صلب الإسلام بالنسبة للجماهير المتدينة، بينما الجماهير الأخرى ترى أنها من أساسيات إنسانية الإنسان ومن مقتضيات الحضارة المنشودة، واتفق الجميع على أن شعوبهم بدون حضور هذه القيم في مؤسسات الأنظمة الحاكمة وفي قوانينها وأنشطتها، ستظل تعاني الآلام وتتجرّع المرارات، ولن يُكتب لها التقدم والنهوض الحضاري ما لم تأوي إليها وتستثمرها في التخلص من آثار عهود التخلف والانحطاط، وفي الترقي في آفاق الحضارة الرحيبة.

ولم يكن الشعار المركزي لهذه الثورات: (الشعب يريد إسقاط النظام) سوى دعوة حثيثة لتخليص الجماهير من عبودية الأصنام التي تألهت على الناس وتَجبّت على الضعفاء، ولإنقاذها من الأغلال التي تمنعها من التقدم إلى الأمام، ولتخلية الطريق من أحجار العثرة التي تمنع قطار الشعوب من التحرك نحو آفاق هذه القيم الحضارية العظيمة !

▪وبالنظر إلى خارطة الجماهير التي شاركت فيها يتضح أنها كانت ثورات أصيلة وشاملة، سواء من الناحية الكمية أو النوعية أو حتى الزمنية.

- فمن الناحية الكمية شارك الملايين من الناس في هذه الثورات، وبصورة غير مسبوقة حتى في ثورات التحرر والاستقلال ضد الاستعمار الغربي الذي كان يجثم على معظم بلدان المسلمين في منتصف القرن الماضي. - ومن الناحية النوعية اشتركت أغلب مكونات الشعوب الثائرة، سواء كانت مناطق وقبائل أو طوائف وتيارات أو أحزابا وجماعات أو فئات وطبقات، لدرجة أن أناسا يَمُتُّون بصلة للأسر الحاكمة أو للقبائل التي تنحدر منها أو للمناطق التي تنتمي إليها كانوا مشاركين بفعالية في تلك الثورات، وعلى سبيل المثال شارك عدد من الأفراد ضمن أسرة الرئيس اليمني المعزول علي عبدالله صالح في ثورة فبراير اليمنية وعلى رأسهم القائد الأبرز في الجيش الفريق علي محسن الأحمر، وفي سوريا شاركت وجاهات من طائفة بشار الأسد النصيرية في ثورة مارس، وفي مصر شاركت عدد من قيادات الحزب الوطني الحاكم في ثورة يناير، وحدث مثل ذلك في تونس وليبيا. وفي بوتقة هذه الثورات انصهرت كافة الفوارق بين المشاركين، فقد شارك في الثورة الذكور والإناث، الكبار والصغار، الأغنياء والفقراء، المعارضون وبعض الموالين لتلك الأنظمة.

- ومن الناحية الزمنية لم تتم هذه الثورة بين عشية وضحاها مثل الانقلابات العسكرية التي كانت تَحدُث بين فترة وأخرى وتُلبّس لبوس الثورات، بل كانت هناك أفواج وأمواج من الجماهير التي تواصل الليل بالنهار في مسيرات واعتصامات، وتتحمل كافة الضغوط بما فيها المواجهة بالأسلحة الفتاكة بصدور عارية إلا من الإيمان القوي، وبأيدٍ فارغة إلا من الإرادة الفولاذية، وللعلم فإن أقصر الثورات عُمراً هي ثورة يناير المصرية التي استمرت 18يوماً فقط، وهذا حتى إعلان تنحّي مبارك عن السلطة بالطبع، وإن كانت الثورة قد استمرت في تقديم القرابين للحرية المنشودة وفي بذل التضحيات العزيزة من أجل استعادة الحقوق المغتصبة، وظلت الثورة تأخذ أشكالا وعناوين مختلفة في كل مرحلة من المراحل، أما الثورات السورية واليمنية والليبية فما زالت بعد سنوات من التضحيات تناضل من أجل أن تصل إلى شواطئ الحرية، وحتى ترسو سفنها في مرافئ النصر والظفر والتمكين.

▪ومن ناحية أخرى فإن هذه الثورات قد أحدثت هزّات عنيفة وعميقة في العالم الاسلامي برمته، حيث شعرت كافة الأنظمة العربية بالأرض تهتز من تحت أقدام الجماهير الثائرة، وكادت طبلات آذانها أن تنخرق من قوة أصوات الجماهير التي شقّت عنان السماء مطالبةً بالحرية والحياة الكريمة، وأحسّت بكراسيها ترتعش بتأثير هذا الزلزال غير المسبوق، وانطلقت تلك الأنظمة البائسة للمواجهة الشاملة في ثلاث جبهات أساسية:

الأولى: تملُّق الجماهير والحديث عن إصلاحات واعدة، وتقديم بعض التنازلات لها في جبهات الرواتب وبعض المزايا والخدمات التي أشرنا إلى بعضها في حلقة سابقة، حتى أن الجزائر على سبيل المثال قد قدمت مليارات الدولارات لصالح إسكان مئات الآلاف من الجزائريين، بجانب أمور خدماتية وقانونية اتخذتها من أجل توسيع هامش الحرية والرفاه، في سبيل إقناع الجماهير بعدم الخروج إلى الشوارع والساحات والميادين للتظاهر والاعتصام!

الثانية: استرضاء فئات وفصائل من الثوار وتحقيق بعض المطالب الجزئية لهم، مع اتخاذ منهجية ماكرة تفصلهم عن الجسم الأساسي لتلك الثورات، وقد كان هذا الأمر أحد عوامل توقف مَدّ الربيع العربي، وتَحوّله إلى شتاء قارس على أيدي الثورات المضادة التي اجتاحت بلدان الربيع العربي كالطاعون!

الثالثة: استخدام المواجهة الشاملة والقمع الشديد مع القادة الأساسيين للثورات ومع مكوناتها الرئيسية، وبلغت هذه المواجهة ذروتها في النموذج السوري نظرا لموقعها الجامد استراتيجياً ومجاورتها لحبيبة الغرب ( إسرائيل)، حيث وصل عدد الشهداء في سوريا إلى مليون وأضعافهم من الجرحى وأصحاب العاهات المستديمة، وزاد المشردون عن ثمانية مليون إنسان ويشكل هذا الرقم حوالي 40% من مجموع الشعب السوري!

▪كل هذه الحقائق تُثبت أن ما حدث في بلدان الربيع العربي كان ثورات حقيقية مكتملة الشروط والأركان، ولم تكن أضغاث أحلام أو مجرد فجر كاذب، فضلاً عن أن تكون مؤامرة خارجية كما يتحدث بعض الخبثاء والمعتوهين! وتؤكد هذه الحقيقة التأثيرات التي وصلت إلى الغرب، والتي توزّعت ما بين التيارات التحررية الإنسانية التي أعلنت فرحها بانعتاق بعض الشعوب من أقفاص العبودية، وبين التيارات الامبريالية التي شعرت بالفزع وأعلنت حالة الطوارئ، والتي أعدّت خطط الحرب الماكرة ودخلت في سباق مع الزمن لإبطال تأثير هذه الثورات وإطفاء وهجها، وفق منهجية علمية مدروسة كما أوضحنا في حلقة سابقة!

▪وهذا لا يعني بالطبع أن الأمور تسير على ما يرام، وأن الثورات تُحقق أهدافها بالصورة المطلوبة، فالواقع يقول بأن هناك ردة هائلة عن الحريات واجتياح للهوامش التي كانت موجودة حتى قبل هذه الثورات كما في مصر، وأن الثورات المضادة حتى الآن قد حققت الكثير من أهدافها، حيث فرّقت ثوار الأمس وهذا هو أخطر ما في الأمر إلى حد أن بعض الفصائل والقيادات أعلنت ردتها وندمها بل وحملت السلاح ضد رفقاء الثورة السلمية بالأمس القريب!

ورغم ذلك فهناك في أعماق الثورات المضادة نفسها ما يشير إلى تجذُّر الربيع العربي في وجدان قطاعات عريضة من الجماهير، حيث ما زالت أغلب الثورات المضادة تتدثر بعباءة الربيع العربي، ففي تونس نجد رموز النظام القديم يتحدثون بأدب عن ثورة الياسمين بل ويتشدقون بأنهم يعملون من أجل تحقيق أهدافها، وفي مصر ما فتئ كثير من عتاولة الدولة العميقة يتغنون بثورة يناير، ويزعمون أن ما فعلوه إنما هو تصحيح لمسارها بعد اختطاف الإخوان المسلمين لها، وفي اليمن يحتفل الحوثيون بذكرى ثورة فبراير بشكل دوري منذ انقلابهم المشؤوم!

كل هذا النفاق يؤكد مدى انغراس جذور الربيع العربي في نفوس كثير من الناس!

▪وصفوة القول في هذا الموضوع هو أن ثورات الربيع العربي كانت حقيقة ماثلة للعيان، وذلك من حيث دوافعها والحاجة إليها، ومن حيث أدبياتها وأهدافها الشاملة، ومن حيث مشاركة الجماهير العريضة فيها والتضحيات العظيمة التي قُدّمت في سبيلها، ومن حيث تأثيراتها وتداعياتها الكثيفة على المنطقة برمتها بل على العالم بأَسْره، لكنها من حيث المآلات وتحقيق الأهداف ما تزال تترنّح بين النجاح والإخفاق، وتُراوح في منزلة وسط بين منزلتي الفجر الكاذب والفجر الصادق!

▪وبعزائم رجال الحق وجنود القوة وبوثبات دعاة الحرية وطلاب الكفاح، وبتضحيات عشاق النور ورواد الخير، ستغادر هذه الثورات مربعات الأماني والأحلام، وستتجاوز منطقة الفجر الكاذب والشتاء القارس لتصبح فجراً صادقاً وربيعاً مشرقاً، ولتصير حقائق تتحكم بالواقع وتقوم ببناء الأمة التي تساهم في صياغة النظام الدولي المتوازن والذي يكفل الحياة الحرة والكريمة لجميع بني آدم على ذات القدر من الكرامة والمساواة.

أ.د. فؤاد البنّا،رئيس منتدى الفكر الإسلامي،أستاذ العلوم السياسية جامعة تعز.

وسوم: العدد 775