خامنئي: رحلة السياسة " من الرئاسة إلى منصب القداسة"

الجزء الأول

سوف نعرض في هذه السلسلة المحطات السياسية لمرشد الثورة الإيرانية، في محاولة لتتبعها وتحليلها، وسبر أغوار هذه الشخصية المتناقضة، التي أدخلت إيران والمنطقة في أتون الصراعات والحروب المذهبية والطائفية، وعززت مفهوم عبقرية الفشل للثورة الإيرانية، وأثارت الكثير من التكهنات حول أهداف هذه الثورة والمشروع الذي تتبناه داخلياً وخارجياً.

هي رحلة مشوبة بكثير من التساؤلات، بين ما رسمه خامنئي لنفسه من صورة مثالية، وهي في الواقع غير حقيقية، وبين ما تجسد على أرض الواقع من ممارسة ديكتاتورية، أوجدت أكبر دولة ديكتاتورية في المنطقة، ليس فقط من خلال سلوكها الداخلي، بل من خلال تدخلاتها في مداخل الازمات الاقليمية التي أوجدت أكبر بيئة صراعية في المنطقة، الأمر الذي هدد معه الأمن والاستقرار الاقليمي برمته.

لكن السؤال المحوري الذي ننطلق منه خلال هذه المقالة يتركز حول الأسباب الكامنة في صياغة الخلفية الفكرية والأيدولوجية التي أسهمت في بناء شخصية خامنئي، والتي أدت إلى هذه الازدواجية المخيفة، والتي تجسدت من خلال سلوك خامنئي تجاه الرئاسات الثلاث: رئاسة خاتمي، نجاد، والفترة الرئاسية الحالية لروحاني.

سنحاول من خلال هذه المقالة بأجزائها الثلاثة سبر كنه هذه العلاقة، وتحليل المحددات المؤثرة فيها.

الصورة المثالية التي رسمها المرشد لنفسه

خامنئي رائد الزهد وحامي الثورة

صورة خامنئي وطريقة حياته الخاصة كما تظهرها مذكراته ومدونته، والمواقع الولائية، صورة مثالية لرجل عصامي، ينحدر من أسرة رقيقة الحال، جاء من بيت يقيم وزناً للدين ويحرص على الالتزام بالشعائر الاسلامية، ويروي أصدقاؤه والمقربون منه حكايات كثيرة عن الزهد في الحياة وبساطة العيش، إلى الحد الذي تقترض فيه الأسرة كمية من السكر، بعد أن نفدت الحصة التموينية من هذه المادة، وأن الرجل الذي أصبح رئيساً للجمهورية لم يكن يضع على مائدته أكثر من نوع واحد من الطعام، وأسرته تفترش فراشاً بسيطاً (الموكيت). يذكر أحمد الخمين :(لقد زرت بيته يوماً وما أن خطوت خطوات حتى اكتشفت أنهم فرشوا سجادة بالية خشنة).

ويذهب آية الله محمود الهاشمي الشاهرودي: إلى القول: (إن حياته تتمتع ببساطة ونقاء خاص، هذه البساطة سرت إلى المقربين منه أيضاً، فلم يكن وأبناؤه يهتمون بالمظاهر والشكليات، ولقد شاهدت هذه البساطة في منزله، فقد دعانا في أحد الأيام لزيارة مكتبته، فشاهدت هناك طاولة قديمة، وبجوارها كرسي عتيق، وكان قد اقتناهما قبل انتصار الثورة ولم يزل يستخدمهما في مكتبته).

وهناك الكثير من الأقوال والحكايات التي تلتقي وتجمع على زهد خامنئي وبساطته في حياته العائلية.

ويعلل خامنئي ذلك، بالمشروع السياسي الذي يؤمن به ويعمل له، ذلك أن أفضل الأساليب في الدعوة هي البساطة، لأنها تعين المبلغ عملياً على أداء مهمته ورسالته.

وقيل إن كان يطبق ذلك في حياته الخاصة، ولم يكن الرئيس يتسلم راتباً من الدولة، ولا يمد يده إلى الحقوق الشرعية لينفقها في أمور معيشته الشخصية، بل ينتفع بالهدايا والنذور التي تقدم إليه من المحبين.

ويقدم خامنئي نفسه في فترة رئاسته عبر حادثة تسترعي الانتباه والتأمل: "في أحد الأيام كنت جالساً في مقر عملي فرنّ جرس الهاتف، كان المتصل والدتي، وعندما رفعت سماعة الهاتف سمعت ضحكاتها، فسألتها عن السبب؟ فقالت الوالدة: أن يكون والدا رئيس الجمهورية لا يمتلكان المال والطعام".

السيرة الشخصية:

ولد علي بن جواد الحسيني الخامنئي في مدينة مشهد عام (17/4/1939) في بيت متواضع صغير لا تتعدى مساحته سبعين متراً.. يقول خامنئي في مذكراته: (كان والدي رجل دين معروف وفي الوقت نفسه كان ورعاً.. وحياتنا كانت تسير بعسر... ومازلت أتذكر أنه في بعض الليالي ما كان يوجد في بيتنا وجبة عشاء.. والدتي كانت تُعدُ بعناء العشاء لنا وهذا العشاء كان لا يتجاوز الخبز والزبيب).

وحول الأسباب التي جعلته يدخل الحوزة العلمية يقول خامنئي: «العامل الرئيس الذي جعلني أسلك هذا الطريق النير الذي سلكه والدي من قبل، هو الروح المعنوية التي كان يتحلى بها والدي كما إن والدتي أيضاً كانت لديها رغبة بأن أسلك هذا الطريق.

فبدأ الخطوة التعليمية الأولى في الثانوية، في الأدب والصرف والنحو ومن ثم توجه إلى الحوزة العلمية في مشهد وهناك تلقى دروس الأدب والمقدمات على يد والده وباقي الأساتذة. فقرأ «جامع المقدمات» والسيوطي، والمغني في مدرستي سليمان خان، ونواب ، إذ كان والده يشرف على سير تعليمه. كما درس كتب «المعالم، وشرح اللمعة، وشرائع الإسلام لدى آية الله «آغا ميرزا مدرس اليزدي». وتعلم كتاب الرسائل والمكاسب لدى آية الله الشيخ هاشم القزويني وأكمل دروس الفقه والأصول تحت إشراف والده. وحضر دروس الفلسفة والمنطق ومنظومة السبزواري لدى آية الله الميرزا جواد آغا الطهراني وبعده لدى آية الله الشيخ رضا آيسي.

ولم تستغرق دراسة خامنئي الرسمية في الحوزة العلمية أكثر من خمس سنوات ونصف إذ طوى خلالها المقدمات والسطوح العليا. وما إن أنهى مرحلة قم في العام 1957 حتى يمم وجهه صوب العراق لمتابعة الدراسة الحوزوية العليا في مدينة النجف ليباشر دروس الخارج لدى محسن الحكيم و الخوئي والميرزا باقر الزنجاني و يحيى اليزدي والميرزا حسن البجنوردي، و محمود الهاشمي، الذي عهد إليه الخميني عام 1981 رئاسة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وسيختاره خامنئي عام 2000 رئيساً للسلطة القضائية في البلاد، وسينقلب اسمه من هاشمي إلى شاهرودي، بعد احتجاج الكثيرين بوصفه عراقياً مسفراً، وليس إيرانياً.

يقول خامنئي في مذكراته: بأنه أعجب بـ(المنهج الدراسي والبحثي في حوزة النجف، فاستأذن والده أن يسمح له بأن يبقى في النجف ولكن بسبب بعض الظروف العائلية اضطرته للعودة إلى مشهد ثم عاد مرةً أخرى لمدينة قم ليتابع دروسه العليا في الفقه والفلسفة والأصول على أساتذة الحوزة فتتلمذَ على يد البروجردي و الخميني والشيخ مرتضي الحائري والطباطبائي صاحب الميزان.

وفي العام 1964 بسبب ظروف عائلية قاهرة اضطرته إلى مغادرة قم والعودة إلى مسقط رأسه في مشهد، وفي حوزتها واصل تحصيله الفقهي والأصولي على يد آية الله العظمى الميلاني حتى عام 1964م.

يقول خامنئي: (.. أنا من طلاب الإمام الخميني في الفقه والأصول والسياسة والثورة، لكن أول شرارة للعمل السياسي والجهادي في مقارعة الطاغوت أوقدها فيَّ المجاهد الكبير وشهيد طريق الإسلام الشهيد المظلوم نواب صفوي فعندما زار نواب صفوي مع عدد من أفراد جماعة فدائيي الإسلام إلى مدينة مشهد عام 1952م حيث ألقى خطاباً مثيراً وموقظاً في مدرسة سليمان خان حول موضوع إحياء الإسلام وسيادة الأحكام الإلهية مما كشف للشعب الإيراني خداع وحيل الشاه والإنجليز وأكاذيبهم (.

ويقول خامنئي: (آنذاك أثار نواب صفوي لديَّ حوافز الثورة الإسلامية ولم يكن لديَّ أدنى شك في أن المرحوم نواب أضاء السراج في قلبي) .

النضال السياسي لخامنئي

بحسب مذكراته: دخل خامنئي المعترك السياسي منذ العام 1963م عندما كان مقيماً في مدينة قم وانضم إلى حركة الخميني الاحتجاجية ضد سياسات محمد رضا شاه بهلوي، وبسبب نشاطاته السياسية أُلقيَ القبض عليه نحو ست مرات كانت المرة الأولى في (2 يونيو 1962م) وبقي معتقلاً حتى أُفرج عنه شريطة ألا يرقى المنبر وأن يكون تحت المراقبة. وعندما وقعت حادثة 15 خرداد (5 يونيو) أُودع السجن العسكري في مشهد، وكان آخرها في العام 1974.

تظهر مذكرات علي خامنئي أنه عاش في سنوات الصبا والشباب وحتى الأربعين من عمره؛ حياة التقشف وبساطة العيش أقرب منها إلى الإملاق وتحت خط الفقر، كما تبرز جانباً من نضالاته السياسية في عهد البهلوية.. لكن حماسته الثورية لم تصرفه عن التعلم أو تؤثر على برنامجه في التحصيل الدراسي، بل زادت من ولعه بالبحث وحب المطالعة، إلى جوار ثلاث هوايات رافقته منذ أيام شبابه هي: حب الشعر ونظم القصائد، ورياضة تسلق الجبال، والهواية الثالثة هي تعلقه بالموسيقى الشرقية، وإتقانه العزف على العود، كان في أول دراسته (الحوزوية) شاباً منفتحاً على الأفكار والآراء، منبسط السريرة.. ويميل إلى الحوار ولا يضيق صدره بالمخالف، وحدثني عن سيرته الشخصية رجل يماني الأصل أثق بكلامه التقى علي خامنئي في قم ودرسا معاً مرحلة (السطوح) في الحوزة ذاتها على يد البروجردي والشيخ مرتضي الحائري..

يقول اليماني: (كان اهتمام علي الحسيني خامنئي ينحصر داخل الحوزة بالدرس وتحصيل المعارف وكان مطالعاً صبوراً وكان أيضاً ينتمي إلى الحياة يحاول أن يكون مثقفاً عصرياً، وكانت له هواياته في استظهار وكتابة الشعر والسفر والاستئناس بأنغام العود...):

أحيط علي خامنئي منذ بداية الثورة برعاية الخميني، وأولاه عناية متميزة، بل كان يعده ابناً باراً ومن أقرب حوارييه، وخصه بلقب (المُخلص الأبدي)، وهو الذي أمر بضمه إلى مجلس قيادة الثورة عام 1979، وفوضه في العام التالي 1980 تمثيل الثورة في مجلس الدفاع الأعلى في العام 1979، وفي العام نفسه عينه وكيلاً لوزارة الدفاع، ليكون عيناً على المجلس ومراقباً لأداء أعضائه. ثم اختير قائداً لحرس الثورة الإسلامية إثر وقوع بعض الخلافات بين صفوف الحرس لم يتمكن أحد من حلّها، فاستطاع بعد تسلّمه المسؤولية من معالجة المشكلات وتسوية الخلافات.

التدرج في المناصب

مع بدء حرب الثماني سنوات، كان خامنئي أوّل رجل دين يلبس الزي العسكري في جبهات الحرب، يقول: سلّمونا البدلة العسكرية، وكانت هذه المرة الأولى التي ألبس فيها الزيّ العسكري، ولعله لم يلبس أي عالم دين حتى ذلك الحين الزي العسكري في الجبهات، بل كان طلبة العلوم الدينية يتردّدون على مدينة المحمرة ويتواجدون في الجبهات بالزي (العلمائي) بعد أشهر من هذه القضية.

يقول الشيخ رفسنجاني عن تلك الأيام: ولولا ذهاب خامنئي والشهيد شمران إلى الأهواز وأمرهم بحفر خندق في أطراف المدينة، لكانت الأمور في غير صالحنا.

بعد رحيل آية الله الطالقاني عام 1980م، أصدر الإمام الخميني قرارا عيَّن بموجبه علي خامنئي إماماً لجمعة طهران، وجاء في جانب من بيان الإمام:

)) نظراً لماضيكم المشرّف وأهليتكم علماً وعملاً، فقد تقرر تعيين سماحتكم إماماً لصلاة الجمعة في طهران))

بارتقائه منبر جامعة طهران ارتفع نجم في عالم السياسة صعوداً متوالياً، مع بدء انتخابات الثورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي، إذ تم ترشيحه عن مدينة طهران، بأمر المرشد، وبتأييد الائتلاف الكبير المكوّن من رابطة العلماء المجاهدين في طهران والحزب الجمهوري الإسلامي ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، وبعض الجمعيات والمنظمات والجماعات الإسلامية الأخرى، واستطاع الظفر بعضوية المجلس.

خامنئي في سدة رئاسة الجمهورية:

رُشّح رجل الدين خامنئي، وانتُخب في 5/10/1981 ليصبح ثالث رئيس للجمهورية الإسلامية وتسلم الرئاسة في وقت كانت ظروف البلاد حسّاسة وخطرة، إذ جاءت ولايته إثر مقتل الرئيس رجائي ورئيس الحكومة باهنر في انفجار مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، وغياب (72) من رجالات الصف الاول، والآثار المضطربة التي أعقبت إعفاء الدكتور الحسن بني صدر من رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى المشكلات الناجمة عن استمرار الحرب، تراكمت هذه القضايا كلها دفعة واحدة، فكان على خامنئي مواجهة هذه الظروف الصعبة والمعقدة. فيما أولى جبهة الحرب الأسبقية وجعل متابعة القتال على الجبهة إحدى مهماته الرئاسية، فكان يتواجد بين الجنود ويتنقل بين القطعات العسكرية، كان الهدف من زياراته الميدانية إدامة التعبئة ودعم الروح المعنوية للمقاتلين.

وقدم الشيخ هاشمي رفسنجاني في خطبة صلاة الجمعة بتاريخ 26 رجب 1415هـ شهادة مثالية في حق السيد: «منذ فترة تمتد إلى (40) عاماً مضت، لم ألحظ طوال هذه المدة الطويلة أن خامنئي كان يتطلع إلى الرئاسة أو الإدارة أو المناصب وكان عازفاً عنها، وكان ينتظر الشخص الأصلح لمل‏ء هذا الفراغ. ففي أوائل الثورة كان الجميع يقولون بوجوب انضمام رواد الثورة في مجلس الثورة، ونحن بعد الرجاء تمكّنا من دعوة خامنئي من مشهد حيث أشار الإمام بضمه إلى عضوية مجلس الثورة أوائل انتصارها.

ويدعي الشيخ رفسنجاني في تأكيد عزوف خامنئي عن تولي مسؤولية رئاسة الجمهورية:

(لا تعرفون كم تحمّلت من المشاق حتى أقنعته بالموافقة وترشيح نفسه للرئاسة. وحينما انتهت دورة الرئاسة الأولى لم يقبل بكلامي لترشيح نفسه للدورة الثانية، بينما كنا نُصِرّ عليه ونقول: إن البلاد تحتاج إليك، وانتهى بنا الأمر إلى أن نتوسل بالإمام، وقال له سماحة الإمام: عليك أن تقبل... ولم يكن من عادة الإمام أن يشير لأحد ليتولى هذا المركز أو ذاك، نعم لولا المسؤولية الشرعية وعدم وجود من يتحمّل ذلك لما قِبل سماحته هذه المسؤوليات، وذلك لشدة تواضعه).

وفي ذلك يقول خامنئي في مذكراته:

عندما أصر الإخوة الأصدقاء على أن أرشح نفسي لرئاسة الجمهورية؛ يشهد الله تعالى أنني رفضت ذلك من أعماق قلبي واعتذرت بشدة عن ذلك، وامتنعت، حتى قالوا لي: إنك إذا لم تقبل فسيحدث ما هو مضر سيئ (وذكروا أشياء كثيرة).

أحد الإخوة الأعزاء الذي تعرفونه جميعاً وتحبونه قال لي: افرض أنك متّ فكيف تقف بين يدي الله بتركك لهذه المسؤولية والمهمة الإلهية؟ لقد هزني هذا الكلام وشعرت بالخوف، وقبلت هذا الأمر في سبيل الله تعالى.

) عندما كنّا في مجلس قيادة الثورة كنا نمنّي أنفسنا مراراً بأن مرحلة الثورة ستنتهي قريباً، وتتشكل الدولة ومجلس الشورى مجلس القيادة، فنرتاح ونرجع إلى التدريس مجدداً حيث البحث وتفسير القرآن ونهج البلاغة، لقد وعدت الشباب حينها بأنني إن شاء الله بعد أشهر عدة وعندما ينتهي عمل مجلس القيادة سأبدأ معهم بدروس حول نهج البلاغة.

لقد كانت مطلبنا هذه الأعمال. ولكن الضرورات هي التي أجبرتنا على حمل المسؤولية. لقد أرادت الثورة ذلك منا ونحن لبيّنا).

ويسرف خامنئي إلى حد الإفراط في إبراز (زهده) الدنيوي، وعزوفه عن تسنم المناصب الرفيعة في الدولة إلى الحد الذي يقول: (إذا قيل لخامنئي إن وجودك في مكان تنظيم الأحذية في الحسينية الفلانية أكثر فائدة من رئاسة الجمهورية، فسأذهب إلى هذا العمل مباشرة. فاعلموا جيداً أنني لو وجدت عملاً أعمل فيه بمجهولية تامة (لا أحد يعرفني) ويكون وجودي فيه أكثر فائدة للإسلام من المسؤولية التي أتحملها الآن، فإنني والله لن أتردد لحظة واحدة. إنني إذا أدركت ذلك سأقوم بهذا العمل فوراً (.

بهذه الصفة الغارقة في المثالية يستعرض خامنئي رحلته في المنصب الرئاسي؛ بوصفه كما يقول: (الابن البارّ لمعلمه وقائده الخميني)، ولعل ثلاثين عاماً من العلاقة المتينة كافية لتجعل منه ظلاً للإمام المرشد، وهو ما ذكره في أول بيان له بُعيد انتخابه: (إنّ أية حادثة وأية غاية لن تتمكن من فصل فكر الإمام وتعاليمه عنا، لأنها جزء من وجودنا، وأنا في مسؤوليتي الخطيرة الجديدة ألتزم وأتعهد بتطبيق تلك التعاليم الإلهية بحذافيرها).

الصورة الواقعية

خامنئي رائد الديكتاتورية ومحاربة الإصلاح والالتفاف على الدستور

تعود اللعبة الدستورية بين الفقيه والرئيس إلى العام الأول من الثورة، عندما اشتد الخلاف بين الإمام الخميني والدكتور الحسن بني صدر، وانتهى الأمر إلى الخاتمة المأساوية المعروفة بتجريد بني صدر من صلاحياته الرئاسية، وفرض الحصار عليه، وملاحقته كمذنب، وأصبح الحسن بني صدر طريداً إلى أن تمكن الفرار من الموت.. وتكررت الحكاية الدستورية بين خامنئي عندما كان رئيساً للجمهورية وبين رئيس وزرائه مير حسين موسوي، أضطر الأخير إلى تقديم استقالته ثلاث مرات تحت ضغط خامنئي عليه ومحاولته الاستحواذ على صلاحيات موسوي، وانفراده بالقرار السياسي، وهو ما جعل الخميني يتدخل شخصياً لترميم العلاقة المتداعية بين الرجلين.

كشف الموقع الإيراني: «النداء الأخضر للحرية» الإيراني بتاريخ 31 يوليو 2010 حقيقة الأسباب التي اضطرت مير حسين موسوي، إلى تقديم استقالته من رئاسة الحكومة في العام 1987. وكان موسوي قد هدّد بكشف أسباب استقالته في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، وخصوصاً منها ما يتعلق بخلافاته مع علي خامنئي حول تغييب صلاحياته الدستورية، ومع أن الموقع لم يعرض نص الاستقالة كاملة، لكن المقتطفات تشير بوضوح إلى احتجاجات موسوي على العمليات التخريبية والإرهابية التي كان خامنئي يرعاها في لبنان والسعودية وأفغانستان، وعمليات خطف الطائرات، من دون علم حكومته!

الخلاف الواسع النطاق بين موسوي وخامنئي تسبب باستقالة موسوي ثلاث مرات بسبب تجميد خامنئي لصلاحيات رئيس الوزراء موسوي، لكن بسبب شعبية مير حسين موسوي ودعم الخميني، اضطر علي خامنئي لقبوله رئيساً للوزراء. جاء في هذه الرسالة: «يقول موسوي في مكان ما أن الاتصالات بأمريكا تجري عبر خمس قنوات ولكن أنا، كوني رئيساً للوزراء، ليس لدي اطلاع على أي من هذه القنوات». كتب موسوي في هذه الرسالة التاريخية في إشارة إلى عدد من الحقائق من أبرزها:

1- العمليات الإرهابية التي كانت تتم خارج الحدود بتوجيه خامنئي وإشرافه من دون علم حكومة موسوي.

2- المصائب الفاجعة والتأثيرات السياسية السلبية لهذه العمليات وانعكاسها على سمعة البلاد.

3- نحن لا نعلم بعمليات اختطاف الطائرات إلا بعد القيام بها، أو افتضاح أمرها.

4- الحكومة لم تسمع بخبر إطلاق النار من قناص في أحد شوارع لبنان بعد أن يسمع العالم كله دويّه.

5- مجلس الوزراء لم يكن أحيط علماً بما ينوي رئيس الجمهورية القيام به في السعودية.. وعلمنا بفضيحة وجود متفجرات بيد الحجاج في مكة بعد أن اكتشفتها السلطات السعودية.

6- الأعمال الإرهابية التي كان يجري تخطيطها في رئاسة الجمهورية ويتم تنفيذها باسم الحكومة في دول عديدة من العالم أفقدت الثقة بالوزارة، وشككت في مصداقية رئيس الوزراء أمام المجتمع الدولي..

7- ثمة ست قنوات تواصل مع الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة) دون أن يكون مير حسين موسوي عل علم بها ليكتشف مرة أخرى أنه مجرد رقم صامت لاحول له ولا قوة في القرار السياسي. 

8- مالم يذكره مير حسين موسوي عمليات العسكرية والاستخباراتية الارهابية التي نفذها رجال خامنئي السريون فلقد اغتالت الاستخبارات الإيرانية أكثر من 400 منشقا خارج إيران، بما في ذلك شاهبور بختيار، آخر رئيس للوزراء في عهد الشاه، وأربعة من الأكراد في مطعم "ميكونوس" في برلين عام 1992 (في وقت لاحق أعلن قاضي ألماني رسمياً أن المرشد الأعلى واحد من كبار المسؤولين المتورطين في هذه الهجمة الإرهابية). وعلى نحو مماثل، نفذت "قوة القدس" التابعة للحرس الثوري الإيراني مئات من العمليات في العراق، وأفغانستان، ولبنان، وأماكن أخرى.

لكل هذه الاسباب المعلنة منها والخفية، أصر موسوي على الخروج التحرر من قبضة الرئيس خامنئي، إذ لم يعد بوسعه الاستمرار في منصبه كرئيس للوزراء، فقدم استقالته ومضى في حال سبيله.. وينطبق عليه المثل الشعبي العراقي (أطرش بالزفة) أي أنه لا يسمع ما يدور أمامه ومن حوله من صوت الموسيقى وقرع الطبول وأصوات المنشدين.

وكان أول قرار اتخذه خامنئي بعد رحيل الخميني وفور اعتلائه الحاكمية الالهية، أن بادر إلى تعديل الدستور، لإلغاء منصب رئيس مجلس الوزراء، وللاستفراد بالسلطة، وممارسة الديكتاتورية دون أي رادع.

وبعد مرور عشرين عاما حاول موسوي العودة الى السلطة، وبالرغم من كل النجاح الذي أحرزه في الانتخابات الرئاسية عام 2009 أمام محمود أحمدي نجاد.. إلا أن أخفق في الظفر بالرئاسة.. جراء التزوير والعقبات التي وضعها مكتب خامنئي في طريقه، وكانت تلك الشرارة التي أوقدت النار في الشارع الإيراني احتجاجا على التزوير واستنكارا لانحياز المرشد إلى احمدي نجاد، تحت سيل من الدماء  ..

وسوم: العدد 818