الضَياع : بين الكرام واللئام ، وتجّار الكلام !

النموذج الأوّل : كان لأبي حنيفة ، جار بالكوفة ، يغنّي ! فكان ، إذا انصرف ، وقد سَكِرَ، يغنّي في غرفته ! ويسمع أبو حنيفة غناءه ، فيعجبه ! وكان كثيراً ما يغنّي :

فلقيه العسَسُ ، ليلة ، فأخذوه ، وحُبس ! ففقد أبو حنيفة صوته ، تلك الليلة ، فسأل عنه ، مِن غدٍ ، فأُخبرَ، فركبَ ، إلى عيسى بن موسى ، فقال له : إنّ لي جاراً أخذَه عسسُك ، البارحة ، فحُبس ، وما علمتُ منه ، إلاّ خيراً ! فقال عيسى : سلّموا ، إلى أبي حنيفة ، كلّ مَن أخذه العسسُ ، البارحة ! فأُطلِقوا ، جميعاً ! فلمّا خرج الفتى ، دعا به أبو حنيفة ، وقال له ، سِرّاً : ألستَ كنتَ تغنّي ، يافتى ، كلّ ليلة : أضاعوني ، وأيَّ فتًى أضاعوا؟ فهل أضعناك ؟ فقال : لا والله ، أيّها القاضي ، ولكن أحسنت وتكرّمتَ ، أحسَنَ الله جزاءك ! قال: فعُد ، إلى ماكنت تغنّيه ، فإنّي كنت آنَسُ به ! ولمْ أرَ به بأساً! فقال: أفعل!

النموذج الثاني : حكاية كنّاس بالبصرة ، كان يتمثّل بهذا البيت !

قال الأصمعي : مررت بكنّاس بالبصرة ، يَكنس كَنيفاً ، ويغنّي :

فقلت له : أمّا سَدادُ الكنيف ، فأنت مَليءٌ به :( كُفءٌ له) ! وأمّا سَداد الثغر، فلا علم لي بك ، كيف أنت فيه ! – وكنتُ حديث السنّ ، فأردتُ العبثَ به – فأعرَضَ عنّي ، مَليّاً ، ثمّ أقبلَ عليّ ، فأنشدَ ، مُتمثّلاً :

قال ، فقلت له: والله ، ما يكون من الهوان شيءٌ ، أكثرُ ممّا بذلتَها له، فبأيّ شيءٍ أكرمتَها؟ فقال: بلى! والله ، إنّ مِن الهَوان ، لشَرّاً ممّا أنا فيه !

فقلت : وما هو؟ فقال : الحاجة إليك ، وإلى أمثالك ، من الناس !

فانصرفتُ عنه ، أخزَى الناس!

النموذج الثالث :

مشرّدو الربيع العربي ، على أبواب الحكّام .. والمُفرَج عنهم ، من بعض السجون العربية،  مثل(التَدمُريين ، في سورية) ، على أبواب الجمعيات الخيرية ! ولن أطيل ، في الحديث ، عن هؤلاء وهؤلاء ؛ فأمرهم واضح ، وأصحاب الأبواب ، التي يقفون عليها ، معروفون : يعرفون أنفسَهم ، ويعرفهم الناس !

وسوم: العدد 834