أصول سننية في تفسير القرآن

يعتبر تفسير المنار من أوائل التفاسير التي احتفلت بالسنن الإلهية احتفالا كبيرا، سواء أكانت سننا اجتماعية، أو تاريخية، أو كونية، أوغيرذلك- من السنن الكثيرة- التي سيأتي ذكرها في ثنايا هذا البحث.

وقد أشار صاحب المنار إلى ذلك في مقدمة تفسيره حيث قال:

لِلتَّفْسِيرِ مَرَاتِبُ أَدْنَاهَا : أَنْ يُبَيِّنَ بِالْإِجْمَالِ مَا يُشْرِبُ الْقَلْبَ عَظَمَةَ اللهِ وَتَنْزِيهَهُ ، وَيَصْرِفُ النَّفْسَ عَنِ الشَّرِّ وَيَجْذِبُهَا إِلَى الْخَيْرِ ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قُلْنَا إِنَّهَا مُتَيَسِّرَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ

 "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" -54 : 17- . ثم يتحدث عن  الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا التي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِأُمُورٍ :

-أحَدُهَا : فَهْمُ حَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ، الَّتِي أُودِعَهَا الْقُرْآنُ: بِحَيْثُ يُحَقِّقُ الْمُفَسِّرُ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمَالَاتِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، غَيْرَ مُكْتَفٍ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفَهْمِ فُلَانٍ . فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَلْفَاظِ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ لِمَعَانٍ. ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ ..............

 (1/19)

- ثَانِيهَا : الْأَسَا لِيبُ : فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهَا مَا يَفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الْأَسَالِيبَ الرَّفِيعَةَ . وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمُمَارَسَةِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ، وَمُزَاوَلَتِهِ ، مَعَ التَّفَطُّنِ لِنُكَتِهِ وَمَحَاسِنِهِ ، وَالْعِنَايَةِ بِالْوُقُوفِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهُ ..... ...............

-ثَالِثُهَا : عِلْمُ أَحْوَالِ الْبَشَرِ : فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ وَجَعَلَهُ آخِرَ الْكُتُبِ ، وَبَيَّنَ فِيهِ مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ فِي غَيْرِهِ . بَيَّنَ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْخَلْقِ وَطَبَائِعِهِمْ ، وَالسُّنَنَ الْإِلَهِيَّةَ فِي الْبَشَرِ ، قَصَّ عَلَيْنَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ، عَنِ الْأُمَمِ وَسِيَرِهَا الْمُوَافَقَةِ لِسُنَّتِهِ فِيهَا . فَلَا بُدَّ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ، فِي أَطْوَارِهِمْ وَأَدْوَارِهِمْ ، وَمَنَا شِئِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ ، مِنْ قُوَّةٍ، وَضَعْفٍ ، وَعِزٍّ، وَذُلٍّ ، وَعِلْمٍ، وَجَهْلٍ ، وَإِيمَانٍ، وَكُفْرٍ . وَمِنَ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ: عُلْوِيِّهِ، وَسُفْلِيِّهِ ، وَيُحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ أَهَمِّهَا: التَّارِيخُ بِأَنْوَاعِهِ .

ثم يستشهد بقول أستاذه- محمد عبده- تأكيدا لهذا الاتجا فيقول: قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : أَنَا لَا أَعْقِلُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى :

"كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ" -2 : 213-الْآيَةَ –

وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَحْوَالَ الْبَشَرِ ، وَكَيْفَ اتَّحَدُوا ، وَكَيْفَ تَفَرَّقُوا ؟ وَمَا مَعْنَى تِلْكَ الْوَاحِدَةِ، الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ وَهَلْ كَانَتْ نَافِعَةً، أَمْ ضَارَّةً ؟ وَمَاذَا كَانَ مِنْ آثَارِ بَعْثِهِ النَّبِيِّينَ فِيهِمْ؟

أَجْمَلَ الْقُرْآنُ الْكَلَامَ عَنِ الْأُمَمِ ، وَعَنِ السُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ ، وَعَنْ آيَاتِهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَفِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفَسِ،  وَهُوَ إِجْمَالٌ صَادِرٌ عَمَّنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَأَمَرَنَا بِالنَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ ، وَالسَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لِنَفْهَمَ إِجْمَالَهُ بِالتَّفْصِيلِ، الَّذِي يَزِيدُنَا ارْتِقَاءً، وَكَمَالًا . وَلَوِ اكْتَفَيْنَا مِنْ عِلْمِ الْكَوْنِ بِنَظْرَةٍ فِي ظَاهِرِهِ ، لَكُنَّا كَمَنْ يَعْتَبِرُ الْكِتَابَ بِلَوْنِ جِلْدِهِ ، لَا بِمَا حَوَا ه، مِنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ .

ثم ينتقل-صاحب المنار- إلى الحديث عن الأمر الرابع ، فيقول: - رَابِعُهَا : الْعِلْمُ بِوَجْهِ هِدَايَةِ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ بِالْقُرْآنِ :

 فَيَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ- الْقَائِمِ بِهَذَا الْفَرْضِ ا لْكِفَائِيِّ- أَنْ يَعْلَمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ، مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُنَادِي: بِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ كَانُوا فِي شَقَاءٍ، وَضَلَالٍ . وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ بِهِ، لِهِدَايَتِهِمْ وَإِسْعَادِهِمْ . وَكَيْفَ يَفْهَمُ الْمُفَسِّرُ مَا قَبَّحَتْهُ الْآيَاتُ، مِنْ عَوَائِدِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِأَحْوَالِهِمْ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ ؟

ثم يوجه نقده إلى علماء القرآن-على تقليدهم- فيقول:

 هَلْ يكْتفى مِنْ عُلَمَاءِ الْقُرْآنِ- دُعَاةِ الدِّينِ، وَالْمُنَاضِلِينَ عَنْهُ- بِالتَّقْلِيدِ- بِأَنْ يَقُولُوا تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِمْ- :

إِنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ دَحَضَ أَبَاطِيلَهُمْ، فِي الْجُمْلَةِ ؟ كَلَّا . وَأَقُولُ الْآنَ-أي محمدرشيد رضا- : يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ :

 " إِنَّمَا ينقض عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً ، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ ".

وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْرِفْ حَالَ النَّاسِ قَبْلَهُ، يَجْهَلُ تَأْثِيرَ هِدَايَتِهِ، وَعِنَايَةَ اللهِ، بِجَعْلِهِ مُغَيِّرًا لِأَحْوَالِ الْبَشَرِ، وَمُخْرِجًا لَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. وَمَنْ جَهِلَ هَذَا: يَظُنُّ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَمْرٌ عَادِيٌّ - كَمَا تَرَى بَعْضَ الَّذِينَ يَتَرَبَّوْنَ فِي النَّظَافَةِ، وَالنَّعِيم،- يَعُدُّونَ التَّشْدِيدَ فِي الْأَمْرِ بِالنَّظَافَةِ وَالسِّوَاكِ، مِنْ قَبِيلِ اللَّغْوِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ عِنْدَهُمْ . وَلَوِ اخْتَبَرُوا غَيْرَهُمْ مِنْ طَبَقَاتِ النَّاسِ: لَعَرَفُوا الْحِكْمَةَ فِي تِلْكَ الْأُمُور،ِ وَتَأْثِيرَ تِلْكَ الْآدَابِ مِنْ أَيْنَ جَاءَ ؟- - خَامِسُهَا : الْعِلْمُ بِسِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ  :وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَتَصَرُّفٍ فِي الشُّئُونِ دُنْيَوِيِّهَا، وَأُخْرَوِيِّهَا .........

وهكذا نرى أن-رشيد رضا، وأستاذه محمد عبده- يعتبران ماجاء في فقرة: "وثالثها" من علم أحوال البشر، والسنن الإلهية" شرطا لابد منه، لمن يتصدى للتفسير. ومثل هذا الشرط: لانجده في الكتب المتقدمة، التي تناولت أصول التفسير، أو شروط المفسر. غير أن هذا لايعني: أن السابقين: لم يشيروا إلى أهمية السنن إطلاقا، ففي كتاب –الفتاوى- لابن تيمية: إشارات واضحة، إلى هذه السنن.

 بل إن ابن تيمية أفرد إحدى رسائله من كتابه "جامع الرسائل" لبيان المراد بسنة الله ، وقد عرض فيها لجميع الآيات، التي اشتملت على"سنة الله".

ونحن مضطرون في هذا البحث: أن نعتمد على ماجاء-عند صاحب المنار-باعتبار سبقه في الإشارة إلى السنن، وتوسعه في تعدادها، وشرح تفاصيلها-دون التفاسير القديمة- التي أهملت هذا الجانب، ولم تعره الأهمية المطلوبة.

كما أننا سنعتمد أيضا على ماجاء –عند صاحب الظلال-نظرا لما عنده، من تصور واضح، في موضوع السنن، وملاحظات، واستدراكات، وتحفظات-باعتباره جاء بعد تفسير المنار-. كما سنستفيد أيضا مما جاء عند عبد الحميد الفراهي-الهندي- في تحقيقاته، ودراساته القرآنية.

مدخل إلى موضوع السنن الإلهية:

سبق لي أن كتبت بحثا بعنوان: "سنة الله التي لاتتبدل ولا تتحول". ولعل من المناسب- هنا- أن أقدم تلخيصا لما جاء فيه، ليكون بمثابة مدخل إلى البحث الذي نحن بصدده:

إن " سنة الله "- كما وردت في القرآن الكريم-:

هي طريق عامة، يجري بها أمره في عباده.- وهي طريق العدل، والرحمة –.

وقد تكون شرعية. كما تكون كونية، تاريخية.

وإن " سنة الله " الشرعية: تتمثل في فروع الشرائع المختلفة الصور، المتحدة القصد، والهادفة إلى تطهير النفس، وترشيحها للوصول إلى ثواب الله تعالى، وجواره.

وإن " سنة الله " الكونية- في استعمال القرآن- تكاد تكون موقوفة الاستعمال على سنن التاريخ، المبنية على سنن الاجتماع. ذلك أن التاريخ : هو حصيلة التجارب الإنسانية الطويلة، ومختبر الباحثين والمحللين، الساعين دائماً لاستفادة الدروس والعبر، واكتشاف السنن، التي تحكم سير الأمم في تطورها. وإن هذا الاكتشاف يمكن أن يوظف لتوجيه الأحداث الحاضرة، والمستقبلية. فيوفر على الإنسان كثيراً من الجهود التي يمكن أن تضيع سدى.

  وقد وردت" سنة الله" بهذا المعنى في كثير من الآيات القرآنية .

 ومن سنن التاريخ التي حظيت بعناية خاصة: " سنن الأنبياء" والمتابعين لهم من أهل الإيمان، ذلك أن فترات الأنبياء التاريخية، تمثل الذرى، والقمم، التي جعلها الله مثلاً أعلى، تتطلع البشرية دائما وأبدا للاهتداء به . واقتفاء آثاره.

سنة الاستفزاز:

ومن سنة الله في أنبيائه ورسله: أن يعرضهم لاستفزاز أقوامهم، فيحاولون قتلهم . ولكنهم لا يلبثون بعد المحاولة إلا قليلاً، حتى يأخذهم سبحانه أخذ عزيز مقتدر .

وعند ما عجز المشركون عن استدراج الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه من الأرض- أي مكة- ولكن الله أوحى إليه أن يخرج هو مهاجرا، لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة. ولو أخرجوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- عنوة وقسرا لحل بهم الهلاك :

«وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا» فهذه هي سنة الله النافذة:

 «سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا، وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا» .

ولقد جعل الله هذه سنة جارية لا تتحول، لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم. وهذا الكون تصرفه سنن مطردة، لا تتحول أمام اعتبار فردي. وليست المصادفات العابرة، هي السائدة في هذا الكون، إنما هي السنن المطردة الثابتة. فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشا بعذاب الإبادة -كما أخذ المكذبين من قبل، لحكمة علوية- لم يرسل الرسول بالخوارق، ولم يقدر أن يخرجوه عنوة، بل أوحى إليه بالهجرة. ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول..

ومن السنن التاريخية التي تكرر ورودها في القرآن: "

 سنة الله في إهلاك المكذبين ":

 وقد قص الله علينا قصصهم لنعتبر بها ، ولما في الاعتبار بها من حاجتنا إليه، ومصلحتنا.  وإنما يكون الاعتبار: إذا قسنا الثاني بالأول – وكانا مشتركين في المقتضي للحكم – فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس المكذبين للرسل – فرعون ومن قبله – لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار، بما لا نشبهه قط.

ومن السنن التاريخية التي تكرر ورودها في القرآن: "

 سنة الله في نصر أوليائه على أعدائه ".

وهي شاملة لأعدائه من المشركين، وأهل الكتاب، والمنافقين .

ولقد اقترنت  سنة الله – الكونية التاريخية – بما يفيد ثباتها من مثل قوله :

 " فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا".

  علما بأن صيغة " سنة الله " لم تستعمل في القرآن، إلا في مجال الاجتماع، والتاريخ.

غير أن بعض الكتاب توسعوا في مفهوم " سنة الله " لتشمل قوانين الكون، وطبائع الخلق . ومن ثم فقد جعلوا: قوانين الكون، وطبائع الخلق، مشمولة بالثبات، وعدم التبديل والتحويل، الواردين خاصة مع صيغة "سنة الله "

الواردة في مجال الاجتماع والتاريخ.

 ويرى العلامة عبد الحميد الفراهي الهندي: أن أول من استعمل صيغة " سنة الله " بالمعنى الشامل لطبائع الخلق كلها: هم أصحاب رسائل " إخوان الصفا". ثم تابعهم على ذلك ولي الدين الدهلوي صاحب كتاب " حجة الله البالغة ".

كما يذكر ابن تيمية- أن السهروردي المقتول-: ذهب إلى أن العالم: لا يتغير . بل لا تزال الشمس تطلع وتغرب، لأنها عادة الله . وأنه احتج على ذلك بالآيات السابقة، التي تنص على أن " سنة الله"  غير قابلة للتغيير والتبديل .

وقد علل الفراهي: ما ذهب إليه القائلون بأن طبائع الخلق من" سنة الله"، وأنها ثابتة، بعدة ظنون:

- فقد ظنوا أن التبديل في الخلق محال، لقوله تعالى : " لا تبديل لخلق الله ".

 - وظنوا أن قوله " لا تبديل لخلق الله "، كقوله: " ولن تجد لسنة الله تبديلا".

- وظنوا أن طبائع الخلق كلها: تدخل تحت " سنة الله " .

-وظنوا أن طبائع الخلق ثابتة، لما علموا من التجربة: أن الأشياء لا تتحول عن آثارها .

وقد رد الفراهي هذه الظنون واحدة، واحدة – كما سبق شرحه وبيانه – .

وأما ابن تيمية: فقد عرض لا حتجاج السهروردي المقتول، وأمثاله من المتفلسفة، بآيات السنن على صحة ما ذهبوا إليه، من اعتبار العادات الطبيعية: من سنن الله الثابتة، وأبطل مزاعمهم . واعتبر احتجاجهم بالقرآن نوعاً من تحريف الكلم عن مواضعه ، وأن القرآن يصرح بنقيض مذهبهم في جميع المواضع .

أما علماؤنا- المحدثون، والمعاصرون-: فقد مال معظمهم إلى تعميم صيغة " سنة الله "، بحيث تكون شاملة لسنن التاريخ ، وقوانين الكون ، كما أنهم قالوا بثبات السنن، وترتب النتائج على الأسباب ، غير أن تعبيرهم عن هذه الحقيقة لم يكن متساوياً . بل إن بعضهم كانت له تحفظاته، التي تشير إلى ملاحظات خاصة، أو استثناءات .

 ومن ثم نرى أنه من المناسب الإشارة: إلى شيء من هذه التحفظات، حسبما وردت في أقوالهم :

من القائلين بتوسيع مفهوم السنن الإلهية، وشمولها وثباتها دون تحفظات: محمد رشيد رضا، وذلك في تفسيره

" المنار": حيث يكثر من ذكر السنن-دون تفريق بين سنن الاجتماع والتاريخ، أو قوانين الكون، وطبائع الخلق-.

أما سيد قطب: فإنه- وإن كان يستعمل صيغة " سنة الله " بالمعنى الشامل- فإنه يتحفظ على آلية السنن، وحتميتها، بما يتناسب مع طلاقة المشيئة الإلهية، حيث يقول :

" فليست هناك جبرية آلية، في الخلق، والإنشاء. ولا في الحركة، والحدث . والنواميس التي يراها الناس مطردة في الكون – بوجه عام – ليست قوانين آلية، أنشأها الله، وسلطها لتعمل بذاتها آلياً، وحتمياً . ولكنها تطرد على الجملة ، لأن قدر الله في شأنها يطرد، في غير جبرية آلية فيها ، وفي غير حتمية – على الله سبحانه – في اطرداها. إنما هي مشيئته وحكمته بهذا. فيجري قدره بما يشاء. وهكذا تقع المعجزات الخارقة، لما يسمى بالقوانين الطبيعية".

أما الأستاذ محمد قطب: فإنه يفرق في التسمية، بين نوعين من السنن:

 - ا لإلهية : وهي التي تحكم الحياة البشرية .

- والكونية : وهي القوانين الطبيعية، التي تحكم المادة .

 وأن الانتظام، والانضباط:: موجود في كلا النوعين، بمرتبة واحدة .

 لكنه يرى: أن القوانين قد يخرقها الله، لحكمة يريدها .- وكأنه بذلك يريد تفسير الخوارق، والمعجزات- .

 أما السنن الإلهية التي تحكم الحياة البشرية:: فقد ثبتها الله ، ومن ثم، فلا تخضع لهذا الاستثناء .

وكذلك يرى الأستاذ محمد قطب: أن هناك سنناً جارية مطردة، خاصة بالمؤمنين . وسننا جارية خاصة بالكافرين. ولكنها أقل في مساحتها من السنن العامة، التي تجري على الجنس البشري، بمؤمنيه، وكافريه.

غير أن السنة الثابتة التي لا تتغير، ولا تتبدل ولا تتحول: هي سنن التاريخ، والاجتماع . ومنها "سنة الله في نصر أوليائه، وخذلان أعدائه".

وهذه الحقيقة- بالنسبة لهذه السنة-: موضع اتفاق وإجماع، عند من تكلموا في هذا الموضوع- من المتقدمين، والمتأخرين-.

 أما سنن الكون، وطبائع الخلق : فإن الذين جعلوها مشمولة بـ " سنة الله " التي لا تتبدل ولا تتحول - "سنة التاريخ، والاجتماع - فقد قالوا بلزومها وثباتها، لانضوائها تحت اللازم الثابت .

غير أن بعضهم: اضطر إلى تقييد ذلك، بطلاقة المشيئة الإلهية، ليفسر الاستثناء، الذي يخرق السنن الكونية، كالمعجزات .

وربما اضطر البعض الآخر: إلى التعسف في التأويل، أو إنكار المعجزات ، ليستقيم له ما ذهب إليه من اللزوم .

وربما يرى آخرون:: أن التغيير والتبديل، الخارق للسنة: دليل على أن السنة لم تتحقق، لفقد شرط، أو لوجود مانع. ومن ثم فلم تكن سنة- لفوات الشرط، أو وجود المانع- .

 كما أن هناك من يرى: أن مثل هذه السنن، تفيد العموم، ولا تفيد اللزوم.

ومما يساعد على فهم" سنة الله الاجتماعية، والتاريخية"- والتي يكون الإنسان عاملا إيجابياً فيها-: ملاحظة الفرق بين الإنسان الفطري- كما خلقه الله-، والإنسان المسلم المنضبط بشريعة الله، والذي تخضعه العقيدة الإسلامية إلى عملية شرطية، من شأنها الحد من طغيان الغرائز وتنظيمها. وفي هذه الحالة: يتحرر المسلم جزئياً من القانون الطبيعي ، ويتجه بالفائض من قوة الغرائز المنضبطة: تجاه القيم الخلقية، والمثل العليا. والتي تجعل لحياة المسلم هدفاً ومعنى، تهون في سبيله التضحيات ، ويغدو المسلم بفضلها: قوة تتجاوز المألوف، من قوة الإنسان الطبيعي. . وقد شرحنا هذه الفكرة فيما تقدم، تحت عنوان " سنن الإنسان ..وسنن الإيمان ".

كذلك لا بد من الانتباه إلى أن الحياة البشرية: تخضع لسنن كثيرة ، وهذه السنن تتحقق وتنفذ من خلال عمل الإنسان، طبقاً للسنة الإلهية العامة:

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

كما أن هذه السنن: تتزاحم في عملها وتتدافع، طبقاً لعمل الإنسان الذي يخضع أيضاً لعوامل، ودوافع مختلفة . ومن ثم يتحقق من هذه السنن: ما تكون له الغلبة على غيره، بناءً على العامل والدافع، الذي يتغلب في عمل الإنسان .

كذلك تكون الأقدار في حال تنازع، طبقاً لتدافع السنن . ثم يتحقق القدر المترتب على السنة الغالبة. 

  وهكذا فالسنن جارية لا تتخلف ، وإنما يتغلب بعضها على بعض، بحسب القوة، والضعف .

-وقد شرحنا هذه الفكرة فيما سبق، تحت عنوان " تدافع السنن وتنازع الأقدار "- .

وعلى الرغم من كل ماقيل في شأن السنن الكونية، من لزوم، أو عموم . فلا بد لنا من العمل على أساسها ، ولا ينبغي لنا إهمالها بحجة عدم حتميتها ، وبخاصة إذا علمنا أن المعجزات التي تخرق السنن الكونية: كانت استثناءً في حياة الناس، لإثبات النبوات ، وأن النبوات قد انتهت بمجيء خاتم النبيين ، مما يجعل مثل هذا الاستثناء، غير وارد حاضراً، ومستقبلاً . كما أن إهمال هذ السنن لن يؤدي إلا إلى الفوضى، وعدم الاستقرار . وإذا كان الإسلام يوجب العمل بغلبة الظن في الأحكام الشرعية ، فمن باب أولى: أن يوجبه في السنن الكونية، التي قلنا بأنها تفيد العموم، ولا تفيد اللزوم.

السنة الإلهية-عند سيد قطب- شاملة للوجود كله:

 يرى سيد قطب أن- شريعة اللّه للناس- هي طرف من قانونه الكلي، في الكون. فإنفاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثر إيجابي في التنسيق، بين سيرة الناس، وسيرة الكون .. والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان، لا تقوم وحدها بغير أصلها الكبير. فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم . كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم. وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الكبير، وللوجود الإنساني ، ومع ما ينشئه هذا التصور: من تقوى في الضمير ، ونظافة في الشعور ، وضخامة في الاهتمامات ، ورفعة في الخلق، واستقامة في السلوك .

وهكذا يبدو التكامل، والتناسق بين سنن اللّه كلها، سواء ما نسميه: القوانين الطبيعية. وما نسميه القيم الإيمانية. فكلها أطراف من سنة اللّه الشاملة، لهذا الوجود.

ثم يشير سيد قطب  إلى مكانة الإنسان وفاعليته في هذا الوجود فيقول:

والإنسان كذلك قوة من قوى الوجود. وعمله وإرادته ، وإيمانه وصلاحه ، وعبادته، ونشاطه .... هي كذلك قوى ذات آثار إيجابية، في هذا الوجود. وهي مرتبطة بسنة اللّه الشاملة، للوجود .. وكلها تعمل متناسقة ، وتعطي ثمارها كاملة، حين تتجمع وتتناسق. بينما تفسد آثارها وتضطرب ، وتفسد الحياة معها ، وتنتشر الشقوة بين الناس والتعاسة، حين تفترق، وتتصادم :

«ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» ..

فالارتباط قائم وثيق بين عمل الإنسان، وشعوره. وبين ماجريات الأحداث، في نطاق السنة الإلهية، الشاملة للجميع.

ولا يوحي بتمزيق هذا الارتباط ، ولا يدعو إلى الإخلال بهذا التناسق ، ولا يحول بين الناس وسنة اللّه الجارية ، إلا عدو للبشرية، يطاردها دون الهدى. وينبغي لها أن تطارده ، وتقصيه من طريقها، إلى ربها الكريم.

سنن الله تتعذر على الحصر:

إن ما أشرنا إليه من بعض السنن- فيما سبق- إنما قصد نا به: السنن المنصوص عليها بلفظ السنن. أماالسنن التي تحكم الحياة البشرية، والتي وردت في القرآن بالمعنى، فأكثر من أن تحصى. وإن المتبع لما ورد في القران الكريم من السنن: يجد الشيء الكثير، الذي لا يمكن أن يتسع له مثل هذا البحث المحدود الصفحات، ويكفي ان نشير هنا إلى بعض هذه السنن إشارة سريعة :

-         سنة التدافع : المشار إليها بقول تعالى:

" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".

-          سنة الابتلاء: كما في قول تعالى:

" إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا". وقوله تعالى:

" الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا". وقوله:

"احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا  الذين  من قبلهم فليعلم الله الذين صدقوا  وليعلمن الكاذبين"

-سنة التمكين والا ستخلاف: المشار إليها، بقوله تعالى:

"وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا". وبقوله تعالى :

" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم  الوارثين". وقوله تعالى:

"ولقد كتبنا في الزبور من الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"

-سنة التداول، ولاستبدال: والمشار إليها بقوله:

" وتلك الأيام نداولها بين الناس". وقوله :

" إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

كيف يمكننا معرفة السنن؟

يقول العلامة عبد الحميد الفراهي:

طرق استنباط القضايا الخبرية لسننه تعالى:

نعرف سنن الله بثلاث طرق:

أ- بلزومها لصفاته الكاملة من الحكمة, والرحمة والعدل والعلم.

ب_ بما فعل في الأمم الخالية، واخبر بها في كتبه، وبلغنا بالتواتر، ونراها الآن.

ج-بما وعدنا في كتبه.

وهذه الطرق تجتمع في أمور كثيرة، فنوقن أنها من سنة الله

فمن "ج"  قوله تعالى:

" ولو انهم اقامو التوراة والانجيل وما انزل اليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم".

وتحت عنوان "تذ كرة" يقول الفراهي:

 سنن الله المذكورة في القران:

"وربك الغفور ذو الرحمة لو يواخذهم بما كسبو لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا". "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا"

" فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا اخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمدالله رب العالمين"

" من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي اليهم اعمالهم فيها-أي: في الدنيا-وهم فيها -أي في توفية أعمالهم في الدنيا- لا يبخسون."

ابتلاء المومنين خصوصا قال تعالى:

"احسب الناس ان يتركوا ان يقولو امنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقو وليعلمن الكاذبين"

تفسير المنار... يكثر من تعداد السنن:

لقد أكثر تفسيرالمنار من تعداد السنن، وذلك في الخلاصة- التي جعلها خاتمة لسورة هود- تحت عنوان:

الْبَابُ السَّادِسُ : - فِي سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي التَّكْوِينِ وَالتَّقْدِيرِ وَالطَّبَائِعِ وَالْغَرَائِزِ وَالِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فَصُولٍ- : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي سُنَنِ التَّكْوِينِ وَالتَّقْدِيرِ . أَيْ : نِظَامُ الْخَلْقِ ، وَفِيهِ أَنْوَاعٌ : - سُنَّتُهُ - تَعَالَى - فِي رِزْقِ الْأَحْيَاءِ : -النَّوْعُ الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ - تَعَالَى - : - وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا....

 يُشِيرُ إِلَى سُنَنٍ كَثِيرَةٍ ، فَإِنَّ الرِّزْقَ الْمُضَافَ إِلَى ضَمِيرِ هَذِهِ الدَّوَابِّ الْكَثِيرَةِ عَامٌّ، يَشْمَلُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنْهَا... ....وَيَجْرِي ذَلِكَ بِسُنَنٍ كَثِيرَةٍ، وَضَعَ الْبَشَرُ لِتَفْصِيلِهَا عُلُومًا كَثِيرَةً، فِي النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَوَظَائِفِ أَعْضَاءِ التَّغَذِّي وَالْهَضْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . - سُنَنُهُ فِي مُسْتَقَرِّ الْأَحْيَاءِ وَمُسْتَوْدَعِهَا : (الثَّانِي) قَوْلُهُ : " وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ":

 يَشْمَلُ سُنَنًا أُخْرَى كَثِيرَةً ....ذلك أَنَّ تَعَدُّدَ أَنْوَاعِ الِاسْتِقْرَارِ، وَالِاسْتِيدَاعِ، وَأَمَاكِنِهَا، وَأَزْمَانِهَا، لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحَمْلِ بِهِ وَحَضَانَتِهِ وَوِلَادَتِهِ وَحَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ وَوَطَنِهِ وَتَنَقُّلِهِ ، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ سُنَنٌ فِي مُنْتَهَى الْحِكْمَةِ وَالنِّظَامِ ......

-سُنَنُهُ فِي كِتَابَةِ نِظَامِ الْعَالَمِ وَمَقَادِيرِهِ : - الثَّالِثُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى - : " كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ":

 بَيَانٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ النِّظَامِ ، وَهُوَ نَوْعُ الْكِتَابَةِ الشَّامِلِ، لِمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ نَوْعِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ نَوْعِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ، بِمَا وُجِدَ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ بِالْفِعْلِ . وَمِثَالُهُ الْمُقَرَّبُ لِتَصْوِيرِ حِكْمَتِهِ : تَدْوِينُ كِتَابِ دِيوَانِ الْحُكُومَةِ النِّظَامِيَّةِ لِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ أَعْيَانٍ وَأَمْوَالٍ، وَأَعْمَالٍ وَمَقَادِيرَ وَتَدْبِيرٍ .......

فَالْوَحْيُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْكَوْنَ الْأَعْظَمَ قَائِمٌ بِنِظَامٍ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى - وَأَنَّ مَقَادِيرَهُ الَّتِي نَفَّذَتْ بِقُدْرَتِهِ - تَعَالَى -..... - سُنَنُهُ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ : - الرَّابِعُ : قَوْلُهُ - تَعَالَى - : " اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ " :

فِيهِ مِنْ بَيَانِ سُنَّتِهِ - تَعَالَى - فِي التَّكْوِينِ: أَنَّهُ كَانَ أَطْوَارًا- فِي أَزْمِنَةٍ مُقَدَّرَةٍ، بِنِظَامٍ مُحْكَمٍ- . وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُ أُنُفًا –بِضَمَّتَيْنِ- أَيْ فُجَائِيًّا بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَلَا تَرْتِيبٍ.....وَأَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ مَا فِيهَا مِنَ الْبَسَائِطِ، وَالْمُرَكَّبَاتِ الْغَازِيَّةِ، وَالسَّائِلَةِ، وَالْجَامِدَةِ، قَائِمٌ بِسُنَنٍ أَيْضًا . وَأَنَّ الْكَوْنَ فِي جُمْلَتِهِ قَائِمٌ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، فِي رَبْطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَحِفْظِ نِظَامِهِ أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ . كَالَّذِي يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ: نِظَامَ الْجَاذِبِيَّةِ الْعَامَّةِ. وَالْجَاذِبِيَّاتِ الْخَاصَّةِ . - سُنَنُهُ فِي خَلْقِ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْمَاءِ، وَخَلْقِ الْمُرَكَّبَاتِ أَزْوَاجًا : - الْخَامِسُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى - بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْخَلْقِ :

 " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ":

 فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّكْوِينِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْأَحْيَاءِ ، وَقَدْ كَتَبْنَا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَصْلًا فِي هَذَا التَّكْوِينِ - ذَكَرْنَا مِنْ سُنَنِهِ: سُنَّةَ الزَّوْجِيَّةِ فِي خَلْقِ جَمِيعِ الْمُرَكَّبَاتِ- ........

وَقَدْ وَصَلَ عِلْمُ الْبَشَرِ فِي عَصْرِنَا إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ، وَمَا قَامَتْ بِهِ ، وَبِمَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَوَالِيدِ وَغَيْرِهَا . ..........

-الْفَصْلُ الثَّانِي فِي سُنَنِ الطَّبَائِعِ وَالْغَرَائِزِ الْبَشَرِيَّةِ : - وَفِيهِ بِضْعَةُ شَوَاهِدَ : - سُنَّتُهُ - تَعَالَى - فِي اخْتِبَارِ الْبَشَرِ لِأَجْلِ إِحْسَانِ كُلِّ عَمَلٍ: -الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ:  بَيَّنَ اللهُ - تَعَالَى - لَنَا بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا، مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حِكْمَتَهُ الْعُظْمَى، فِيهِ لِلْبَشَرِ بِقَوْلِهِ : " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ":

 فَإِنَّ إِحْسَانَهُمْ لِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي أَعَدَّهُمْ لَهَا هِيَ الَّتِي تُظْهِرُ مَا فِي هَذَا الْخَلْقِ- عُلْوِيِّهِ، وَسُفْلِيِّهِ- مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَسْرَارِ، الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا وَلَا نِهَايَةَ . .............

-غَرِيزَةُ النَّاسِ فِي الْعَجَلِ وَالِاسْتِعْجَالِ : الشَّاهِدُ الثَّانِي : قَوْلُهُ - تَعَالَى - عَقِبَ ذَلِكَ : " وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ":

 يُرْشِدُنَا إِلَى سُنَّتَيْنِ مِنْ سُنَّتِهِ - تَعَالَى - فِي غَرَائِزِ الْبَشَرِ وَفِي اجْتِمَاعِهِمْ كَاللَّتَيْنِ فِيمَا قَبْلَهُ - نُرْجِئُ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْفَصْلِ الثَّالِثِ - وَنُبَيِّنُ الْأَوْلَى: بِأَنَّ مِنْ طِبَاعِهِمُ الْعَجَلَةَ، وَالِاسْتِعْجَالَ: لِمَا يَطْلُبُونَ مِنْ خَيْرٍ لِلتَّمَتُّعِ بِهِ ، وَمَا يُنْذَرُونَ مِنْ شَرٍّ يُنْكِرُونَهُ، لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى بُطْلَانِهِ...... - غَرِيزَةُ الْفَرَحِ بِالنِّعْمَةِ، وَالْيَأْسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ:

- الشَّاهِدَانِ : الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ فِي الْآيَتَيْنِ- 9 -10:

 بَيَانٌ لِغَرِيزَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ - بَيَّنَّاهُمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ- مِنَ الْبَابِ الْخَامِسِ مِنَ الْوَجْهِ الْبَشَرِيِّ وَهُمَا : فَرَحُ الْبَطَرِ بِالنِّعْمَةِ ، وَيَأْسُ الْكُفْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ . وَنُذَكِّرُ بِهِمَا- هُنَا- مِنْ وَجْهِ النِّظَامِ الْإِلَهِيِّ، وَالسُّنَنِ الْعَامَّةِ . -وَمِنْ دَقَائِقِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْآيِ: وُرُودُ هَذِهِ السُّنَنِ، مُتَعَاقِبَةً مُتَّصِلَةً- . -غَرِيزَةُ الْإِفْرَاطِ فِي تَوْجِيهِ الْقَوِيِّ إِلَى شَيْءٍ يَلْزَمُهُ ضَعُفٌ ضِدُّهُ : -الشَّاهِدُ الْخَامِسُ : قَوْلُهُ - تَعَالَى - : " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا " :

 فِيهِ شَاهِدٌ عَلَى سُنَّةِ الْعَجَلِ فِي غَرَائِزِ الْبَشَرِ، الْمُبَيَّنَةِ فِي الشَّاهِدِ الثَّانِي آنِفًا . وَشَاهِدٌ عَلَى سُنَّةٍ أُخْرَى: هِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا وَجَّهَ إِرَادَتَهُ بِكُلِّ قُوَّتِهَا إِلَى مَا فِيهِ مَتَاعٌ لَهُ، مِنَ اللَّذَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ الْعَاجِلَةِ . عَسُرَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْقِلَ مَا يُنْذَرُ بِهِ مِنَ الضَّرَرِ الْآجِلِ، الَّذِي يَعْقُبُهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمَا يُنْذَرُ بِهِ مِمَّا لَا يُؤْمِنُ بِهِ، مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ يَكُونُ فِقْهُهُ لَهُ أَعْسَرُ ، وَاقْتِنَاعُهُ بِهِ أَبْعَدُ ، إِلَّا أَنْ يَهْدِيَهُ اللهُ لِلْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ ، إِيمَانًا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعَقْلُ وَالْوِجْدَانُ . - فَقْدُ هِدَايَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ : الشَّاهِدُ السَّادِسُ : قَوْلُهُ - تَعَالَى - : " مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ":

 فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ سُنَّتِهِ - تَعَالَى - فِي تَوْجِيهِ الْإِنْسَانِ كُلَّ إِرَادَتِهِ إِلَى شَيْءٍ يُضْعِفُ فِيهِ غَرِيزَةَ الْإِرَادَةِ لِمَا يُخَالِفُهُ ، وَنُزِيدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَضْعِفُ هِدَايَةَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، حَتَّى يَفْقِدَ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِهِمَا وَالِانْتِفَاعِ بِدَلَائِلِهِمَا،  فَهِيَ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ سُنَّةٌ أُخْرَى . -الْإِيمَانُ بِالْإِقْنَاعِ دُونَ الْإِكْرَاهِ، وَاسْتِعْدَادُ الْبَشَرِ لِلْإِضْلَالِ : الشَّاهِدُ السَّابِعُ : الْآيَةُ 28 حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي شَأْنِ مَا آتَاهُ اللهُ مِنَ الْبَيِّنَةِ، عَلَى صِحَّةِ دَعْوَتِهِ لَهُمْ، إِذَا عُمِّيَتْ عَلَيْهِمْ ، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ إِيَّاهَا وَهُمْ كَارِهُونَ لَهَا ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ:

 سُنَّتَهُ -فِي الْبَشَرِ-: أَنَّ الْإِيمَانَ، لَا يَكُونُ بِالْإِلْزَامِ ..........

-سُنَنُهُ فِي ضَلَالِ النَّاسِ وَغَوَايَتِهِمْ : -الشَّاهِدُ الثَّامِنُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي حِكَايَةٍ عَنْهُ، فِي مُجَادَلَةِ قَوْمِهِ :

" وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ":

 وَفِيهِ بَيَانٌ لِسُنَّتِهِ - تَعَالَى - فِي غَوَايَةِ الْغَاوِينَ، وَكُفْرِ الْكَافِرِينَ، وَضَلَالِ الضَّالِّينَ .......

وخُلَاصَتُهُا: أَنَّ الْإِغْوَاءَ، وَالْإِضْلَالَ: عِبَارَةٌ عَنْ وُقُوعِ الْغَوَايَةِ، وَالضَّلَالِ بِسُنَّةِ اللهِ، فِي تَأْثِيرِ ارْتِكَابِ أَسْبَابِهِمَا، مِنَ الْأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ، وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، إِلَى أَنْ تَتَمَكَّنَ مِنْ صَاحِبِهَا، وَتُحِيطَ بِهِ خَطِيئَتُهُ، حَتَّى يَفْقِدَ الِاسْتِعْدَادَ لِلرَّشَادِ وَالْهُدَى.

ولاينسى صاحب المنار-هنا-أن يلفت الانتباه:: إلى ماوقع فيه- علماء الكلام- من جدل، وتنازع، نتيجة غفلتهم عن سنن الغواية، والضلال ،حيث يقول:

 وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ السُّنَنِ: عُلَمَاءُ الْكَلَامِ ، فَطَفِقُوا يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ فِي خَلْقِ اللهِ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ لِلْإِنْسَانِ، حَتَّى يَكُونَ عَاجِزًا عَنِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ : هَلْ هُوَ جَائِزٌ مِنَ الْخَالِقِ عَقْلًا وَشَرْعًا وَوَاقِعٌ فِعْلًا ؟ أَمْ هُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ، وَيُنَزَّهُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ ظُلْمٌ يُنَافِي الْعَدْلَ وَالْحِكْمَةَ ؟ وَأَيُّ الْآيَاتِ فِيهِ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا ؟ وَالْحَقُّ إِنْ شَاءَ اللهُ مَا قُلْنَا. فَلَا تَأْوِيلَ . -الشَّاهِدُ التَّاسِعُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ":

 نَصٌّ فِي أَنَّ سُنَّتَهُ - تَعَالَى - فِي الْبَشَرِ: أَنْ يَتَفَرَّقُوا- بِمُقْتَضَى الْغَرِيزَةِ- إِلَى شُعُوبٍ وَقَبَائِلَ ، وَيَكُونُوا مُخْتَلِفِينَ فِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ، وَالْمَنَازِعِ ، وَفِي اللُّغَاتِ وَالْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ ، وَمُتَنَازِعِينَ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ . - لْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ، وَالْعُمْرَانِ. وَفِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ شَاهِدًا : -سُنَّةُ اللهِ فِي تَوْبَةِ الْأُمَمِ، مِنَ الذُّنُوبِ، كَالْأَفْرَادِ:

-الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ:أَمَرُ الْقُرْآنُ الْأُمَمَ، كَالْأَفْرَادِ- بِاسْتِغْفَارِ الرَّبِّ، وَالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ- مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ- فِي الْآيَاتِ: 3 -52 -90- وَجَعْلُهُمَا سَبَبًا وَشَرْطًا لِمَا وَعَدْنَا بِهِ مِنَ التَّمْتِيعِ الْمَادِّيِّ، وَالْفَضْلِ الْمَعْنَوِيِّ فِي الْأُولَى ، وَمِنْ إِدْرَارِ الْغَيْثِ، وَزِيَادَةِ الْقُوَّةِ فِي الثَّانِيَةِ، بِصَرَاحَةِ الْمَنْطُوقِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ حَفْظِ النِّعَمِ، بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فِي الثَّالِثَةِ .

 فَالْآيَاتُ الثَّلَاثُ:

- بَيَانٌ لِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ : وَهُوَ أَنَّ الصَّلَاحَ، وَالْإِصْلَاحَ: سَبَبٌ لِارْتِقَاءِ الْأَقْوَامِ، وَالْأُمَمِ وَحِفْظِهَا . كَمَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِارْتِقَاءِ الْأَفْرَادِ . وَالْخِطَابُ هُنَا لِلْأَقْوَامِ، لَا لِلْأَفْرَادِ . وَمَا كُلُّ فَرْدٍ يُعَاقَبُ عَلَى ذُنُوبِهِ فِي الدُّنْيَا . وَلَكِنْ كُلُّ أُمَّةٍ تُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِهَا فِي الدُّنْيَا .......

ثم يقول صاحب المنار تعقيبا على هذه السنة :

 وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ مَعْرُوفَةً لِلْمُهْتَدِينَ بِالْقُرْآنِ- مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِ -:

 وَمِنَ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَلَى نَفْسِهِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ لِتَذْكِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِقُرْبِهِ، وَشَبَهِهِ بِهِ فَتَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ، كَانَ مِمَّا قَالَهُ الْعَبَّاسُ فِي دُعَائِهِ : اللهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُرْفَعْ إِلَّا بِتَوْبَةٍ . إِلَخْ . أَمَّا كَوْنُ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ سَبَبًا لِانْحِطَاطِ الْأُمَمِ وَضَعْفِهَا وَهَلَاكِهَا ، فَسَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ.

...........

-ارْتِقَاءُ الْأُمَمِ بِإِحْسَانِ الْأَعْمَالِ وَإِتْقَانِهَا : - الشَّاهِدُ الثَّانِي: قُلْنَا- فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا- : إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ :

" لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ":

فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ . وَنَقُولُ هُنَا فِي بَيَانِهَا :

 إِنَّ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ: أَنَّ ارْتِقَاءَ الشُّعُوبِ فِي مَصَالِحِهَا الْقَوْمِيَّةِ، وَالْوَطَنِيَّةِ، وَفِي عِزَّتِهَا الدَّوْلِيَّةِ ، هُوَ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ لِإِحْسَانِ أَعْمَالِهَا، فِي أَسْبَابِ الْمَعَاشِ، وَالثَّرْوَةِ وَالْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ ، وَالتَّكَافُلِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمُقَوِّمَاتِ الْعَامَّةِ لَهَا ، وَلَا يَتِمُّ مَا ذُكِرَ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَالْأَمَانَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ . وَلَا تَكْمُلُ هَذِهِ: إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِاللهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . - عِقَابُ الْأُمَمِ لَهُ آجَالٌ طَبِيعِيَّةٌ : -الشَّاهِدُ الثَّالِثُ: قُلْنَا أَيْضًا : إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى - :

 " وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ":

- سُنَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ - وَنَقُولُ هُنَا فِي بَيَانِهَا- : إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ: أَنَّ هَذَا الْعَذَابَ لَهُ أَجَلٌ عِنْدَ اللهِ مَعْلُومٌ ، وَزَمَنٌ فِي كِتَابِ نِظَامِ الْخَلْقِ مَعْدُودٌ . وَهُوَ: مَا يَبْلُغُ بِهِ ذَنْبُهَا حَدَّهُ فِي الْإِفْسَادِ . .........

-أَوَّلُ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، وَالْمُصْلِحِينَ : الْفُقَرَاءُ : -الشَّاهِدُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ نُوحٍ :

" وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ":

وَهُوَ نَصٌّ فِي سُنَّةِ اللهِ- فِي السَّابِقِينَ: إِلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ - وَكَذَا غَيْرُهُمْ، مِنَ الْمُصْلِحِينَ

- كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْخُلَاصَةِ - وَتَتِمَتُّهُ فِي الشَّاهِدِ التَّالِي وَهُوَ : - فَلَاحُ الْجَمَاعَاتِ وَالْأُمَمِ، بِتَكَافُلِ الْمُصْلِحِينَ فِيهَا : -الشَّاهِدُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي جَوَابِهِ لَهُمْ :

" وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا " مَبْنِيٌّ عَلَى:

- سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ- فِي الزَّعَامَةِ، وَالْعَصَبِيَّةِ - وَتَأْلِيفِ الْجَمَاعَاتِ، الَّتِي تُحْدِثُ الِانْقِلَابَاتِ، فِي الْأُمَمِ ........

فَأَمَّا الرُّسُلُ- عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- فَقَدْ هَدَاهُمُ الْوَحْيُ إِلَى هَذِهِ السُّنَّةِ ،كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ سُنَّتِهِ - تَعَالَى - فِي عَدَاوَةِ كُبَرَاءِ الدُّنْيَا، مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ لَهُمْ .

 وَأَمَّا زُعَمَاءُ الْأُمَمِ - فِي الْقُرُونِ الْأَخِيرَةِ- فَقَدْ هَدَتْهُمْ إِلَيْهَا- عَبْرَ التَّارِيخِ، وَالتَّجَارِبِ- إِلَى أَنْ دَوَّنَ عُلَمَاءُ فَلْسَفَةِ التَّارِيخِ: عِلْمَ الِاجْتِمَاعِ. وَفَصَّلُوا فِيهِ سُنَّتَهُ، فَعَمِلُوا بِهِ ، وَكَانَ إِمَامُهُمْ-حَكِيمُنَا الْعَرَبِيُّ- ابْنُ خَلْدُونَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .

-تَنَازُعُ رِجَالِ الْمَالِ، وَدُعَاةِ الْإِصْلَاحِ : -الشَّاهِدُ السَّادِسُ: فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مَعَ قَوْمِهِ:

 مَسْأَلَةٌ مِنْ أَهَمِّ مَسَائِلِ الِاجْتِمَاعِ فِي الْعَالَمِ الْمَدَنِيِّ ، وَهِيَ: التَّنَازُعُ بَيْنَ رِجَالِ الْمَالِ، وَرِجَالِ الْإِصْلَاحِ، فِي حُرِّيَّةِ الْكَسْبِ الْمُطْلَقَةِ ، وَتَقْيِيدِ الْكَسْبِ بِالْحَلَالِ، وَمُرَاعَاةِ الْفَضِيلَةِ فِيهِ....

وَمَا زَالَ التَّنَازُعُ الْمَالِيُّ: أَعْقَدَ مَشَاكِلِ الِاجْتِمَاعِ . وَزَعَمَ- بَعْضُ عُلَمَاءِ الِاقْتِصَادِ- أَنَّ: الْإِصْلَاحَ الْمَالِيَّ أَعْظَمُ أُسُسِ الْإِسْلَامِ ........ - سُنَّتُهُ - تَعَالَى - فِي جَعْلِ الْعَاقِبَةِ لِلْمُتَّقِينَ : -الشَّاهِدُ السَّابِعُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى - :

" إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ":

هُوَ الْأَسَاسُ الْأَعْظَمُ: لِسُنَنِ الِاجْتِمَاعِ فِي فَوْزِ الْجَمَاعَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالشُّعُوبِ، وَالْأُمَمِ، فِي مَقَاصِدِهَا ، وَغَلْبِهَا عَلَى خُصُومِهَا وَمُنَاوَئِيهَا . كَمَا أَنَّهُ هُوَ الْأَسَاسُ الرَّاسِخُ: لِفَوْزِ الْأَفْرَادِ فِي أَعْمَالِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ مَالِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ ، ....

ولا ينسى صاحب المنار- هنا- أن يوجه نقده لعلماء الدين الذين وقفوا عند أقوال- بعض المفسرين المتقدمين- غافلين عن السنن الإلهية، حيث يقول:

وَلَئِنْ سَأَلْتَ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ الدِّينِ فِي الْأَزْهَرِ وَأَمْثَالِهِ - مِمَّنْ لَا بِضَاعَةَ لَهُمْ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ إِلَّا مِثْلَ تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ، وَمَا دُونَهُ ،كَالْجَلَالَيْنِ، وَحَوَاشِيهِ، وَكَذَا تَفْسِيرُ الْأَلُوسِيِّ- الْجَامِعِ لِخُلَاصَةِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ - فَقُلْتَ لَهُمْ :

مَا مَعْنَى كَوْنِ " الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " ؟ وَمَا التَّقْوَى الَّتِي جَعَلَهَا هَذَا النَّصُّ عِلَّةً لِكَوْنِ الْعَاقِبَةِ لَهُمْ، عَلَى قَاعِدَتِكُمْ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ ؟

لَيَقُولَنَّ أَوْسَعُهُمُ اطِّلَاعًا : إِنَّ التَّقْوَى فِعْلُ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكُ الْمَعَاصِي . أَوِ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي. وَأَنَّ اللهَ وَعَدَ هَؤُلَاءِ بِحُسْنِ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَهَذَا تَفْسِيرٌ مُجْمَلٌ مُبْهَمٌ يُمْكِنُ اخْتِصَارُهُ بِأَنْ تَقُولَ : الْمُتَّقُونَ: هُمُ الْمُسْلِمُونَ الصَّالِحُونَ .

 وَمَاذَا عَسَى أَنْ يَقُولَ- قَارِئُو هَذِهِ التَّفَاسِيرِ عَلَى قِلَّتِهِمْ- غَيْرَ هَذَا، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ. وَقَدْ قَصَّرَ كُلُّ مُؤَلِّفِيهَا فِيمَا يَجِبُ مِنَ الْبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ لَهَا، فِي تَقْوَى الْأَفْرَادِ، وَالْجَمَاعَاتِ، وَتَقْوَى الْأُمَّةِ ؟

فَإِنَّهُ لَمْ يُشِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى مَعْنَاهَا الْعَامِّ ، وَهُوَ اتِّقَاءُ كُلِّ مَا يُفْسِدُ الْعَقَائِدَ وَالْأَخْلَاقَ، وَالرَّوَابِطَ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ ، وَتَحَرِّي مَا يُصْلِحُهَا بِهَدْيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَمَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ مِنْ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي حَيَاةِ الْأُمَمِ وَمَوْتِهَا ، وَقُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا ، وَبَقَاءِ دُوَلِهَا وَزَوَالِهَا ، وَكَوْنُ هَذِهِ السُّنَنِ مُطَّرِدَةً فِي جَمِيعِ الشُّئُونِ الْعَامَّةِ، مِنْ مَنْزِلِيَّةٍ وَمَدَنِيَّةٍ وَمَالِيَّةٍ وَحَرْبِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ ، لَا تَبْدِيلَ لَهَا وَلَا تَحْوِيلَ ، وَلَا مُحَابَاةَ فِيهَا، بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ . وَبِهَذَا كُلِّهِ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ الْمَرْجُوَّةُ لَهُمْ فِي السِّيَادَةِ، وَالسَّعَادَةِ....

 -نَهْيُ- أُولِي الْأَحْلَامِ- عَنِ الْفَسَادِ: يَحْفَظُ الْأُمَّةَ، مِنَ الْهَلَاكِ : -الشَّاهِدُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى - :

 "فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ":

 جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- بَعْدَ بَيَانِ إِهْلَاكِ الْأُمَمِ، بِظُلْمِهِمْ، وَإِفْسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ - لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِمْ جَمَاعَاتٌ، وَأَحْزَابٌ، أُولُو بَقِيَّةٍ مِنَ الْأَحْلَامِ، وَالْفَضَائِلِ، وَالْقُوَّةِ فِي الْحَقِّ، يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، لَمَا فَشَا فِيهِمْ ، وَأَفْسَدَهُمْ. وَإِذَنْ لَمَا هَلَكُوا .

 فَإِنَّ الصَّالِحِينَ الْمُصْلِحِينَ فِي الْأَرْضِ: هُمُ الَّذِينَ يَحْفَظُ اللهُ بِهِمُ الْأُمَمَ مِنَ الْهَلَاكِ، مَا دَامُوا يُطَاعُونَ فِيهَا بِحَسْبِ سُنَّةِ اللهِ . كَمَا أَنَّ الْأَطِبَّاءَ: هُمُ الَّذِينَ يَحْفَظُ اللهُ بِهِمُ الْأُمَمَ، مِنْ فُشُوِّ الْأَمْرَاضِ، وَالْأَوْبِئَةِ فِيهَا . مَا دَامَتِ الْجَمَاهِيرُ تُطِيعُهُمْ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ، مِنْ أَسْبَابِ الْوِقَايَةِ، قَبْلَ حُدُوثِ الْمَرَضِ . وَمِنْ وَسَائِلِ الْعِلَاجِ، وَالتَّدَاوِي بَعْدَهُ .

فَإِذَا لَمْ يَمْتَثِلِ الْجُمْهُورُ- لِأَمْرِهِمْ، وَنَهْيِهِمْ- فَعَلَ الْفَسَادُ فِعْلَهُ فِيهِمْ .

وهنا يشن صاحب المنار حملة شديدة على الوعاظ والفقهاء-من الخلف الجاهل-فيقول:

 وَقَدْ فَهِمَ الْوُعَّاظُ، وَالْفُقَهَاءُ مِنْ خَلَفِنَا الْجَاهِلِ - مَا كَانَ يَفْهَمُهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ بَرَكَةِ الصَّالِحِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَحَفِظِ اللهِ الْأُمَمَ بِهِمْ – فَظَنُّوا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ: الَّذِينَ يُكْثِرُونَ مِنَ الصِّيَامِ، وَالْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ الْأَوْرَادِ، وَالْأَحْزَابِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ - وَضَرَبَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الْمَثَلَ بِقَوْلِهِ فِي الزَّوَاجِرِ- : لَوْلَا أُنَاسٌ لَهُمْ وِرْدٌ يَقُومُونَا ... وَآخَرُونَ لَهُمْ سَرْدٌ يَصُومُونَا لَدَكْدَكَتْ أَرْضُكُمْ مِنْ تَحْتِكُمْ سِحْرًا ... فَإِنَّكُمْ قَوْمُ سَوْءٍ لَا تُطِيعُونَا

كَلَّا . إِنَّ مِنْ أَصْحَابِ الْأَوْرَادِ: مَنْ يَقُومُ لَيْلَهُ بِوِرْدٍ، مِنْ تَشْرِيعٍ مُبْتَدَعٍ، هُوَ بِهِ عَاصٍ لِلَّهِ - تَعَالَى - لِعِبَادَتِهِ بِغَيْرِ مَا شَرَعَهُ ، فَكَانَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ :

 "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ "

 أَيْ: بِهَلَاكِهِمْ . وَفِي الْحَدِيثِ :

 " رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ".

كَمْ مِنْ مُصَلٍّ هُوَ مِصْدَاقٌ لِحَدِيثِ : "مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صِلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعْدًا".

وَكَذَلِكَ كَانَ دَرَاوِيشُ مَهْدِيِّ السُّودَانِ ، وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْجَاهِلِينَ لِهِدَايَةِ الْقُرْآنِ ، فَنَكَّلَ بِهِمُ الْإِفْرِنْجُ بِمُسَاعَدَةِ الْفَاسِقِينَ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادِهِمْ . وَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ أَخْبَارِ هَذَا الْمَهْدِيِّ: أَنَّهُ كَانَ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ فِي صَلَاحِهِ ، وَلَكِنَّ قُوَّادَهُ لَمْ يَكُونُوا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَصَلَاحُ دَرَاوِيشِهِ: لَا بَصِيرَةَ فِيهِ، وَلَا عِلْمَ . كَلَّا إِنَّ الْمُرَادَ بِالصَّالِحِينَ- الَّذِينَ يَحْفَظُ اللهُ بِهِمُ الْأُمَمَ- هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ :

"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ":

وَهُمُ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ :

"إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ". وَقَالَ :

 "وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفْنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " :

- وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِمْ قَرِيبًا -.

 وَإِنَّ اللهَ لَا يَحْفَظُ الْأُمَمَ بِذَوَاتِهِمْ، وَبَرَكَةِ أَجْسَادِهِمْ ، وَلَا بِعِبَادَاتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ الْقَاصِرِ نَفْعُهَا عَلَيْهِمْ ، بَلْ بِأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَطَاعَةِ الْأُمَّةِ لَهُمْ . نَعَمْ إِنَّ اللهَ لَا يُهْلِكُ الْأُمَّةَ كُلَّهَا- بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ- مَادَامَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَلَكِنَّهُ يُعَذِّبُهَا بِذُنُوبِهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ- مِمَّا فَصَّلْنَاهُ فِي عِلَاوَةِ قِصَّةِ الطُّوفَانِ الرَّابِعَةِ- . -الطُّغْيَانُ وَالرُّكُونُ إِلَى الظَّالِمِينَ سَبَبُ الْحِرْمَانِ مِنَ النَّصْرِ : -الشَّاهِدُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى - :

"فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ". وَقَوْلُهُ بَعْدَهَا :

" وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ":

 فِيهِمَا مِنْ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الِاجْتِمَاعِ: أَنَّ الطُّغْيَانَ وَالرُّكُونَ إِلَى الظَّالِمِينَ: مِنْ أَسْبَابِ هَلَاكِ الْأُمَمِ وَحِرْمَانِهِمْ مِنَ النَّصْرِ، عَلَى أَعْدَائِهِمْ . وَهَذَا يَشْتَرِكُ مَعَ الظُّلْمِ، فِي شَوَاهِدِهِ الْآتِيَةِ : -الشَّوَاهِدُ : الْعَاشِرُ - الْخَامِسَ عَشَرَ- عَلَى إِهْلَاكِ الْأُمَمِ بِالظُّلْمِ: -فِي الْآيَاتِ 100 - 102 و112 و113 و116 و117- : -أَوَّلُهَا فِي هَذَا السِّيَاقِ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِرَسُولِهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ :

 "ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ "

- وَالثَّانِيَةُ :" وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ":

 أَيْ بِإِهْلَاكِهِمْ . بَلْ أَنْذَرْنَاهُمْ عَاقِبَةَ ظُلْمِهِمْ. وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ظُلْمًا عَامًّا، فَكَانَ هَلَاكُهُمْ عَامًّا . وَكَانَ أَكْبَرَ ظُلْمِهِمُ: الشِّرْكُ ، فَكَانُوا يَدْعُونَ آلِهَتَهُمْ أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ ، فَاتَّكَلُوا عَلَيْهَا فِي دَفْعِ مَا أَنْذَرَهُمُ الرُّسُلُ

 "فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ " . هَذَا مَعْنًى لَا يُكَابِرُ فِيهِ أَحَدٌ، يَدَّعِي التَّوْحِيدَ، وَالْإِيمَانَ بِالْقُرْآنِ .

وهنا أيضا نجد- صاحب المنار- يوجه نقدا لاذعا للجاهلين بعقائد القرآن، حيث يقول:

 وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْجَاهِلِينَ بِعَقَائِدِ الْقُرْآنِ إِذَا بَيَّنْتَ لَهُمْ مَا يُخَالِفُ تَقَالِيدَهُمْ مِنْهَا أَنْكَرُوهُ ، وَأَوَّلُ مَا يُنْكِرُونَهُ أَسَاسُهَا الْأَعْظَمُ: وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ، وَمَعْنَى الشِّرْكِ بِهِ مِنْهَا ، إِذْ هُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ شِرْكَ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ عِبَارَةٌ عَنْ عِبَادَةِ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ مِنَ الْجَمَادِ- يَتَّكِلُونَ عَلَيْهَا- لِذَاتِهَا .

 فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ أَصْلَهُ- الْغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ، وَلَا سِيَّمَا الْمَيِّتِينَ مِنْهُمْ - وَاعْتِقَادُ تَصَرُّفِهِمْ فِي الْكَوْنِ ، وَدُعَاؤُهُمْ فِي طَلَبِ النَّفْعِ، وَدَفْعِ الضُّرِّ ، وَأَنَّ مِثْلَهُ، أَوْ مِنْهُ- مَا كَانَ يُحْكَى عَنْ مُسْلِمِي بُخَارَى- أَنَّ شَاهْ نَقْشَبَنْدَ: هُوَ

 الْحَامِي لَهَا ، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ الدَّوْلَةُ الرُّوسِيَّةُ، الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا .

كذلك لاينسى- صاحب المنار- أن يشير إلى مسلمي المغرب الأقصى، بهذه الإشارة:

 وَمَا كَانَ يُحْكَى عَنْ مُسْلِمِي الْمَغْرِبِ الْأَقْصَى- مِنْ حِمَايَةِ مَوْلَايَ إِدْرِيسَ لِفَاسَ، وَسَائِرِ الْمَغْرِبِ- أَنْ تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا فَرَنْسَةُ . أَنْكَرُوا عَلَى الْقَائِلِ : إِنَّ هَذَا، كَذَاكَ . وَقَالُوا : إِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِجَاهِ الْأَوْلِيَاءِ عِنْدَ اللهِ ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُنْكَرِ أَنْ يَدْفَعُوهَا بِكَرَامَتِهِمْ . فَكَرَامَةُ الْأَمْوَاتِ: ثَابِتَةٌ كَالْأَحْيَاءِ .

 وَقَدْ بَيَّنَّا لَهُمْ- جَهْلَهُمْ هَذَا بِتَبَدُّلِ الْأَسْمَاءِ - وَمُخَالَفَتِهِ لِكِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَسِيرَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الْأُمَّةِ، فِي فُتُوحَاتِهِمْ وَتَأْسِيسِ مُلْكِهِمْ وَحِفْظِهِ . وَخَصَّصْنَا إِخْوَانَنَا أَهْلَ الْمَغْرِبِ الْأَقْصَى، بِالْإِنْذَارِ مُنْذُ أُنْشِئَ الْمَنَارُ ، وَأَرْشَدْنَاهُمْ إِلَى تَنْظِيمِ قُوَّاتِهِمُ الدِّفَاعِيَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ ، وَطَلَبِ الضُّبَّاطِ لَهُ مِنَ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ ، وَإِلَى الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ الْمُرْشِدَةِ، إِلَى الْقُوَّةِ وَالثَّرْوَةِ وَالنِّظَامِ ، وَإِلَّا ذَهَبَتْ بِلَادُهُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ قَطْعًا .

 فَقَالَ الْمُغْوُونَ لَهُمْ- مِنْ أَهْلِ الطَّرَائِقِ الْقِدَدِ- بِلِسَانِ حَالِهِمْ، أَوْ مَقَالِهِمْ : إِنَّ صَاحِبَ الْمَنَارِ مُعْتَزِلِيٌّ مُنْكِرٌ لِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ - وَمَا هُوَ بِمُعْتَزِلِيٍّ، وَلَا أَشْعَرِيٍّ- . بَلْ هُوَ قُرْآنِيٌّ، سُنِّيٌّ .

 وَهَا هِيَ ذِي فَرَنْسَةُ اسْتَوْلَتْ عَلَى بِلَادِهِمْ كَمَا أَنْذَرَهُمْ ، وَظَهَرَ أَنَّ أَكْبَرَ مَشَايِخِ الطَّرِيقِ نُفُوذًا، وَدَعْوَى لِلْكَرَامَاتِ بِالْبَاطِلِ –كَالتِّيجَانِيَّةِ- كَانُوا وَمَا زَالُوا مِنْ خِدْمَةِ فَرَنْسَةَ، وَمُسَاعِدِيهَا عَلَى فَتْحِ الْبِلَادِ ، وَاسْتِعْبَادِ أَهْلِهَا، أَوْ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، إِلَى الْإِلْحَادِ، أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ حَيْثُ يَدْرُونَ أَوْ لَا يَدْرُونَ . يَجْهَلُ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ الشِّرْكَ بِاللهِ - تَعَالَى - خَاصٌّ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ ، أَنَّ أَصْلَ هَذَا الشِّرْكِ هُوَ الْغُلُوُّ فِي تَعْظِيمِ الصَّالِحِينَ ، وَالتَّبَرُّكِ أَوِ التَّوَسُّلِ بِأَشْخَاصِهِمْ، لِإِبْطَالِ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - وَأَوَّلُهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ، فَقَدْ كَانَتْ آلِهَتُهُمْ (وَدٌّ وَسُوَاعٌ وَيَغُوثُ وَيَعُوقُ وَنَسْرٌ) رِجَالًا صَالِحِينَ غَلَوْا فِي تَعْظِيمِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ، وَوَضَعُوا لَهُمُ الصُّوَرَ وَالتَّمَاثِيلَ لِلتَّذْكِيرِ بِهِمْ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أُولَئِكَ الصَّالِحِينَ هُمُ الَّذِينَ يَنْفَعُونَ وَيَضُرُّونَ ، وَيَدْفَعُونَ الْعَذَابَ بِكَرَامَاتِهِمْ أَوْ بِشَفَاعَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ لَا تَمَاثِيلُهُمْ . بَلْ نَرَى هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالَهُمْ مِنَ الَّذِينَ يَلْجَئُونَ إِلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ ؛ لِدُعَائِهِمْ أَوْ مَا يُسَمُّونَهُ التَّوَسُّلَ بِهِمْ، فِي مِثْلِ ذَلِكَ،  يَجْهَلُونَ جَمِيعَ عَقَائِدِ الْقُرْآنِ وَسُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِيهِ الَّتِي أَجْمَلْنَاهَا فِي خُلَاصَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ، مِنَ التَّوْحِيدِ وَوَظَائِفِ الرُّسُلِ ، إِلَى هَذِهِ السُّنَنِ فِي إِهْلَاكِ الظَّالِمِينَ ، وَأَمْثَالِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ . وَأَكْبَرُ مَصَائِبِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ افْتِتَانَ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّالِحِينَ، الَّذِي اتَّبَعُوا فِيهِ سَنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ - شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ -كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ سَبَبًا لِإِلْحَادِ فَرِيقٍ كَبِيرٍ، مِنَ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ عُلُومَ الْعَصْرِ. وَمِنْهَا سُنَنُ الْخَلْقِ، وَالِاجْتِمَاعِ ، وَمُرُوقِهِمْ مِنَ الدِّينِ، بِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ خُرَافِيٌّ، هُوَ الَّذِي أَضَاعَ مُلْكَ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى إِنَّ حُكُومَةَ التُّرْكِ الْحَاضِرَةِ، تَرَكَتِ الْإِسْلَامَ الْحَقَّ الْمُنَزَّهَ عَنِ الْخُرَافَاتِ ، وَعَادَى رَئِيسُهَا وَمُؤَسِّسُهَا- الْقُرْآنَ، وَالسُّنَّةَ، وَلُغَتَهُمَا، وَحُرُوفَهُمَا- بِمَا لَمْ يُسْبَقْ لَهُ نَظِيرٌ، فِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالصَّلِيبِيِّينَ. .......................................

ثم ينتقل لبيان أن هذه السنن كانت معلومة –عند الصحابة والتابعين- فيقول في ذلك: إِنَّ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةَ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ وَرِثُوا لُغَةَ الْقُرْآنِ بِالسَّلِيقَةِ، وَسُنَّةَ النَّبِيِّ وَبَيَانَهُ لَهُ بِالِاتِّبَاعِ ، كَانُوا يَفْهَمُونَ هَذِهِ السُّنَنَ الْإِلَهِيَّةَ فِي الْخَلْقِ وَيَهْتَدُونَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَضَعُوا لَهَا قَوَاعِدَ عِلْمِيَّةً وَفَنِّيَّةً لِتَفْقِيهِ مَنْ بَعْدِهِمْ فِيهَا .

 ثُمَّ زَالَتْ سَلِيقَةُ اللُّغَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُوَلِّدِينَ ، فَصَارُوا يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِقَوَاعِدِ الْفُنُونِ الَّتِي وَضَعُوهَا لِلُّغَةِ وَلِلدِّينِ، بِقَدْرِ مَعَارِفِهِمُ الْمَمْزُوجَةِ بِمَا وَرِثُوا وَمَا كَسَبُوا مِنَ الشُّعُوبِ الَّتِي اهْتَدَتْ بِالْإِسْلَامِ .

 وَلَمْ يَكُنْ عِلْمُ الِاجْتِمَاعِ مِمَّا دَوَّنَهُ أَحَدٌ . فَلِهَذَا لَا نَرَى فِي تَفَاسِيرِهِمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ الْخَاصَّةِ بِسِيَاسَةِ الْأُمَمِ ، بَلْ تَنَكَّبُوا هِدَايَةَ الْقُرْآنِ فِيهَا، فَكَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ مَا نَشْكُو مِنْهُ وَنُحَاوِلُ تَلَافِيَهُ . -لشَّاهِدُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ : تَرَى فِي الْآيَتَيْنِ-118 و119-:

- بَيَانَ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي اخْتِلَافِ الْأُمَمِ فِي الدِّينِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي التَّكْوِينِ وَالْعُقُولِ وَالْفُهُومِ ، وَحِكْمَةُ جَعْلِهَا فِي خَاتِمَةِ السُّورَةِ : أَنَّهَا أَهَمُّ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْقُرْآنِ ، وَهُوَ أَكْمَلُ هِدَايَةً وَهَبَهَا اللهُ لِلْإِنْسَانِ ، لِتَكُونَ كَافِلَةً كَافِيَةً لَهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ ، ذَلِكَ بِأَنَّ مَا قَبْلَهَا كُلُّهُ مِنْ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ الْمُبَيِّنَةِ- لِأَسْبَابِ فَسَادِ الْأَفْرَادِ، وَالْأُمَمِ- وَقَدْ أَرْشَدَهُمُ الْقُرْآنُ لِاتِّقَائِهَا ، فَهُوَ جَامِعٌ لِوَصْفِ أَمْرَاضِ الْبَشَرِ كُلِّهَا وَلِوَصْفِ عِلَاجِهَا .

 فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَتَدَبَّرَهُ مِنَ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ الصُّغْرَى -الْبُيُوتِ وَالْفَصَائِلِ وَالْعَشَائِرِ-، وَالْكُبْرَى -الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ- عَمِلَ بِهِ . وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَلِمَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْهَلَاكِ ، وَالْهَلَاكُ حَتْمًا............................. .................................................... وَإِنَّمَا الْبَلَاءُ الْأَكْبَرُ، وَالْمَوْتُ الْأَحْمَر،ُ وَالْخَطَرُ الْأَسْوَدُ الْمُظْلِمُ، فَهُوَ: اخْتِلَافُ الشِّيَعِ، وَالْأَحْزَابِ فِي الدِّينِ ، وَالزَّيْغُ عَنِ الْقُرْآنِ بِاتِّبَاعِ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ .

 فَهَذَا الَّذِي أُشِيرُ إِلَيْهِ- فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ- بِحِرْمَانِ أَهْلِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ فِي قَوْلِهِ :

" وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ- 118" و119-

وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ فِي الدُّنْيَا: مَا وَعَدَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَاخْتَصَّهُمْ بِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ :

 مِنْهَا: مَا هُوَ فِي رَحْمَتِهِ الْمُطْلَقَةِ كَقَوْلِهِ :" إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" 9 : 117" وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا" 33 : 43 وَمِنْهَا: مَا هُوَ خَاصٌّ بِرَحْمَتِهِ بِكِتَابِهِ الْأَخِيرِ، الَّذِي أَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ، وَأَتَمَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَتَهُ ، كَقَوْلِهِ فِيهِ :

" وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ" 10 :57

 وَمِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِرَحْمَتِهِ بِرَسُولِهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ، وَهُوَ وَصْفُهُ - تَعَالَى - إِيَّاهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي قَوْلِهِ : "بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" 9 : .128-

 فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الْخَاصَّةُ بِالْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ الْأَوَّلِ الْآخَرِ ، وَبِكِتَابِهِ الْأَخِيرِ وَبِنَبِيِّهِ الْخَاتَمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَتِمُّ لِأَفْرَادِهِمْ إِلَّا بِتَمَامِ الِاهْتِدَاءِ وَالِاتِّبَاعِ لِمَا كَلَّفُوهُ بِقَدْرِ الِاستِطَاعَةِ الشَّخْصِيَّةِ ، وَلَا تَكُونُ لِجَمَاعَتِهِمْ - وَهِيَ الْأُمَّةُ - إِلَّا بِاعْتِصَامِهَا بِحَبْلِ اللهِ وَعُرْوَةِ الْوَحْدَةِ الْوُثْقَى ، بِاجْتِنَابِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ مِنْهَا لِمَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْأُصُولِ الْقَطْعِيَّةِ مِنَ النُّصُوصِ وَالسُّنَّةِ الْعَمَلِيَّةِ ، وَرَدِّ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ فِي غَيْرِ الْقَطْعِيِّ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ إِلَى تَرْجِيحِ أُولِي الْأَمْرِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مِنَ السِّيَاسَةِ وَالْقَضَاءِ ، وَتَرْجِيحِ الْأَفْرَادِ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْخَاصَّةِ .- وَقَدْ فَصَّلْنَا هَذَا فِي مَوَاضِعِهِ- .فَالْحَقُّ فِيهِ ظَاهِرٌ .

 وَلَكِنَّ تَنْفِيذَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَمَرَنَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِهَا وَعَدَمِ مُفَارَقَتِهَا قِيدَ شَعْرَةٍ ، وَهِيَ جَمَاعَةُ -أُولِي الْأَمْر،ِ وَأَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ - وَهُمُ الَّذِينَ يَثِقُ بِهِمُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْأُمَّةِ ، وَيَنُوطُ بِهِمُ الشَّرْعُ نَصْبَ الْأَئِمَّةِ (الْخُلَفَاءِ) وَالسَّلَاطِينِ عَلَيْهَا وَعَزْلَهُمْ - وَقَدْ فُقِدُوا مَنْ أُمَّتِنَا بِاسْتِبْدَادِ الظَّالِمِينَ، مِنْ مُلُوكِ الْعَصَبِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ- بَعْدَ أَنْ قَضَى عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، وَتَبَرَّأَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَمِمَّنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ .

 فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُصْلِحِينَ وَضْعُ نِظَامٍ لِإِعَادَةِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي كِتَابِ (الْخِلَافَةِ أَوِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى) ........

سيد قطب يتحفظ على العلوم الإنسانية المقتبسة من الغرب:

     تردد كثيرا فيما سبق –عند صاحب المنار- ذكره للعلوم الاجتماعية خصوصا، والعلوم الإنسانية عموما ،

-والتي قطع الغرب فيها شوطا بعيدا- وكأنها مسلمات علمية، يمكن الاطمئنان إلى كل ماجاء فيها.

ومن ثم نرى سيد قطب- رحمه الله-يتحفظ على استنتاجات هذه العلوم حيث يقول:

إن اتجاهات " الفلسفة " بجملتها ، واتجاهات " تفسير التاريخ الإنساني " بجملتها ، واتجاهات " علم النفس " بجملتها - عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة لها - ومباحث " الأخلاق " بجملتها ، واتجاهات دراسة " الأديان المقارنة " بجملتها ، واتجاهات " التفسيرات والمذاهب الاجتماعية " بجملتها - فيما عدا المشاهدات والإحصائيات والمعلومات المباشرة ، لا النتائج العامة المستخلصة منها، ولا التوجيهات الكلية الناشئة عنها -. .. إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي - أي غير الإسلامي - قديماً وحديثاً ، متأثرة تأثراً مباشراً بتصورات اعتقادية جاهلية ، وقائمة على هذه التصورات ، ومعظمها - إن لم يكن كلها - يتضمن في أصوله المنهجية عداءً ظاهراً أو خفياً للتصور الديني جملة ، وللتصور الإسلامي على وجه خاص ! ..........................

ثم يضيف إلى ذلك قائلا:

ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي ، الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة ، لم ينشأ ابتداء في أوروبا ، وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق ، مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته ، إلى الكون وطبيعته الواقعية ، ومدخراته وأقواته .. ثُم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج،  واستمرت تنميه وترقيه ، بينما رُكِن وترك نهائياً في العالم الإسلامي، بسبب بُعْد هذا العالم تدريجياً عن الإسلام ، بفعل عوامل بعضها كامن في تركيب المجتمع، وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني …

 ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته، وبين أصوله الاعتقادية الإسلامية ، وشردت به نهائياً بعيداً عن الله ، في أثناء شرودها عن الكنيسة ، التي كانت تستطيل على الناس - بغياً وعدواً - باسم الله ! ([2].

فإن كنت موقنا بأن الله تعالى: هو المتصرف في العالم ، وملائكته ينفذون كلماته. وكل شئ من الخلق يجري حسب أوامره- على سنن حكمته- كنت أهلا للنظر، والتأمل، في آيات الله، لتزداد خشية وحكمة .

فاعلم أن لهذه- واقعة الفيل- نظائر في القرآن، والصحف....

الأول: ما وقع في غزوة بدر. فإن رسول الله e أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشا ، ثم قال :

"شاهت الوجوه" ثم نفحهم بها وقال لأصحابه : "شدوا"[4]:

 ذكر الله عذاب قوم لوط ، فقال تعالى : ) إنا أرسلنا عليهم حاصبا ( [سورة القمر/34] .

وقال المفسرون فيه : أي ريحا تقلع الحصباء لقوتها. وفي حديث على t قال للخوارج : "أصابكم حاصب" [6]

ثم إنهم نسبوه إلى "ساف".- ومحال أن يحمل هذا اللفظ على الطير-. فإن السافي: يستعمل للريح، التي تذرى الغبار، والورق اليابس[8]. وأما الشعراء فكثيرا ما يكتفون بالكناية عن التصريح . وبالإجمال عن التفصيل .

وقد ذكر بعضهم أنه رأى طيرا. ومعلوم عند العرب- أن سباع الطير كانت تجتمع على مصارع القتلى-. وربما استدلوا بذلك على وقوع القتل ، كما استدل عمرو بن أمية على قتل أصحاب الرجيع [10]- فاجتمعن عليهم محلقة فوقهم .

فإن قيل : فهذا أمر وقع حسب العادة ، فلم يكن حريا بالذكر. قلنا : قد ذكر الله تعالى: إهلاك قوم نوح، ولوط، وعاد، وثمود، بأسباب عادية. ولا شك إن في ذلك لآيات على رحمته ونقمته .

وقد أكثر في القرآن من ذكر آياته في اختلاف الليل والنهار ، وتصريف الرياح والسحب ، وتقدير الشمس والقمر. ولا شك أنها أمور تجري حسب العادة. فكما ذكر هذه الأمور: ذكر إهلاكه أصحاب الفيل، وأنه جعلهم طعمة لطير أبابيل، وإن في ذلك لآية ظاهرة. فإنه تعالى منع بلده المحرم، وأهل البلد، بما صب على أعدائه من الحصباء، والتراب ، وطهر جوار مكة- من جيف الصرعى- بما أرسل عليهم من طير أبابيل تأكلهم .

ثم فيه آية عظيمة على مولد النبي الذي بشرت به الكتب الأولى.

أسباب صارفة عن التأويل الراجح :

لا يخفى أن التفصيل الذي اشتهر من قصة أصحاب الفيل صار سدا دون التأويل الراجح . فبعد ما دللنا على خطأ ما اشتهر نذكر بعض أسباب هذه الشهرة ، وأيضا ما انضم إليها من أمور أخر مما صرف عن التأويل الصحيح. فإن لكل شئ سببا ، ولابد من ذكر هذه الأسباب ، ليتضح وهنها ، وهي ستة.

أما الأول- فإنهم ظنوا أن الخطاب في السورة إلى النبي e، فلم يمكنهم تأويل كلمة : )ترميهم( إلى الخطاب، فإن النبي e لم يكن يرميهم. ولكنا بينا في الفصل الثاني أن الخطاب ههنا إلى أفراد أهل مكة . وكلمة "ترميهم" حال عن المجرور في "عليهم" ، أو جملة مستأنقة. والمعنى على الحالية يكون : ألم تر أيها المخاطب كيف أرسل ربك عليهم طيرا أبابيل حال أنت ترميهم بالحجارة. وعلى الاستئناف يكون : كنت ترميهم بحجارة ، فجعلهم الرب كعصف مأكول. والمآل واحد مع فرق لطيف بين الأسلوبين. فإن الحال تشير إلى إسراع الطير الخاطفة وسرعة هلاكهم برمي الحجارة. والاستئناف يدل على كبر الأثر. فإن حجارة من طين لا يتوقع منها صيرورتهم كعصف مأكول. ولعل من لم يمارس كلام العرب يستبعد هذين التركيبين من جهة النحو. فنذكر ما سيقال على كلا التركيبين في ذكر السبب الثاني والثالث .

أما الثاني- فعسى أن يتوهم أن الحال إنما تبين هيئة الفاعل أو المفعول، والضمير في "عليهم" إنما هو مجرور ، لا فاعل ولا مفعول. فنقول : إنما مراد النحويين أن الحال يبين هيئة الشئ عند حدوث أمر، والحدوث يعبر عنه بالفعل. فإذا وجدوا الحال عن غير الفاعل أو المفعول فزعوا إلى تقديرات شتى. وحقيقة الأمر أن مجئ الحال عن المجرور ذائع شائع ، كما دل عليه القرآن وكلام العرب. قال تعالى : ) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ( [سورة ق/44]، فـ سراعا حال عن الضمير المجرور في "عنهم".

.......................

  وأما الثالث - فعلى تأويل "ترميهم" إلى الاستئناف- عسى أن يتوهم أن مقتضى المعنى-: أن يؤتى بالماضي ، و"ترميهم" مضارع. فنقول : نعم . ولكن "ترميهم": أصله : كنت ترميهم .

-وحذف الأفعال الناقصة قبل المضارع- أسلوب عام ، وله مواقع ، لا يحسن فيها إلا الحذف ، - كما بيناه في كتاب الأساليب-.

وأما ههنا فنقتصر على بعض الأمثلة، من القرآن، وكلام العرب:

قال تعالى : )سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية( [سورة الحاقة/7]. أي فلو كنت هناك- أيها المخاطب- لظللت ترى القوم الخ. وقال متمم بن نويرة :

تقول ابنة العمرى: مالك بعدما            أراك قديما ناعم الوجه أفرعا

([2] وهو مطبوع .

[4] انظر لسان العرب (حصب) .

[6] لسان العرب (حصب).

[8] انظر الطبري 30 : 192 .

[10] انظر الطبري 30 : 192، وابن كثير 4 : 555 .

[11] جمهرة أشعار العرب : 753 .

وسوم: العدد 837