عداوة الصين: مصيدة العرب والمسلمين الجديدة

تُدرس الخطط العسكرية والسياسية السابقة لاحتلال وتفتيت الدول والمجتمعات، فتلجأ لها الدول الكبرى عند تنفيذ مشروعاتها الجديدة. ومن تلك الأسس استخدام الدين في مواجهة الخصم؛ لاستقطاب الأتباع والجنود، ولشحذ الهمم. فالحروب الصليبة مثلاً قامت على أساس ديني، ولولا تقديس الناس للدين لما استطاع أي حاكم أن يتحمل مسؤولية شن تلك الحروب الظالمة، وتحمل تبعاتها البشرية والاقتصادية، وكذلك فنابليون أثناء حملته على مصر والشام ادعى أنه مسلم، وجاء لحرب العثمانيين والمماليك  الظالمين لأنهم خرجوا عن مبادئ الإسلام!!!

وفي العصر الحديث استخدم الدين في أثناء الحرب الباردة لمقاومة المد السوفيتي وحلف وارسو بشكل عام ، وعندما أخطأ الاتحاد السوفيتي واحتل افعانستان انبرت له الدول الغربية بالحرب بواسطة الغير، واستخدم الدين الإسلامي بكل  تراثه الجهادي  والعقائدي لتبرير مقاومة الشيوعية الملحدة ، بل إن الغرب استخدم أغلب الدول العربية  والإسلامية  لمجابهة الزحف الروسي، ولتبرير الحرب في أفغانستان أُشيع أن السوفيت الملاحدة قاب قوسين من الحرمين الشريفين، وعندئذ جندت الأقلام ، وفتحت حسابات البنوك علانية لدعم المجاهدين مادياً ، كما وشُجع الشباب المسلم المتدين على الالتحاق بالجهاد ، فقدمت كافة التسهيلات لهم. أما الغرب فأرسل المستشارين والقادة ، وفتح مستودعات الأسلحة المتطورة والحديثة، وعندما انهزم السوفيت، دب الخلاف بين المجاهدين، وأصبحوا لدى الغرب" إرهابيين"،  ولم يتدخل للصلح بين حلفاءه ؛ ولذا أضحت افغانستان مصيدة  ومحرقة للسوفيت وللشباب المسلم المتحمس، وكذلك للأموال العربية الفائضة ، ولقد تغافل الجميع على أنهم ينفذون أجندة المخابرات الغربية.

وفي خضم استغلال الدين والوهم الكاذب والحلم المخادع من الغرب ما زال بركان العالم العربي والإسلامي لم يهدأ منذ 1979 ، فالتهم جاهزة، والمبررات متوفرة؛ من محاربة الشيوعية والطائفية والحزبية ، وكأن إيران زمن الشاه لم تكن شيعية، وصدام حسين عندما حارب إيران لم يكن بعثياً، والأسد لم يكن نصيرياً. لقد استخدم الغرب الاستعماري الدين منذ بداية القرن لتقويض الحكم العثماني في نجد والحجاز وبلاد الرافدين وبلاد الشام ، حيث قدموا وعوداً معسولة لتحقيق العدل والمساوة، والوحدة والرفاه الاجتماعي، والاكتفاء الاقتصادي للمنطقة العربية، وكذلك وعدوا الأفغان، ولكن أفغانستان اليوم أسوأ مما كانت عليه أيام الغزو الروسي. ولو نظرنا لنتائج كل الحروب والفتن الداخلية المفتعلة منذ أربعين سنة ؛ لوجدنا أن العراق مثلاً تراجع علمياً واقتصاديا وسياسيا، فلم يحقق الديموقراطية  أوالسلم المجتمعي، ولم يحرر عربستان، وقس على ذلك سوريا واليمن وليبيا والسودان وغيرها.

واليوم فجأة يبدأ الشحن الإعلامي والتعبئة النفسية ،فتنتشر الأخبار والمقالات والفيديوهات والمقابلات عن تعرض المسلمين في الصين للتعذيب والانتهاكات الإنسانية، وعلى الرغم من عدم قناعتي بصحة معظم تلك المعلومات ، إلا أن هؤلاء الغيارى على الإسلام والمسلمين يغمضون أعينهم عن أعلام الصهاينة ترفرف على القدس  والمسجد الأقصى ، وكأن أهل فلسطين لا وزن ولا قيمة لهم، وأن أهل غزة المحاصرون منذ سنوات من كوكب آخر، فقد جعل الجهاد في أفغانستان أو الاشتراك بأي فتنة طائفية داخلية  مقدم على جهاد الصهاينة، وحقاً فلن  يخسر الغرب  شيئاً، فهو يحارب غيره بالشباب العربي والمسلم المتحمس وبالمال العربي.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فالغرب تنافسه الآن الصين اقتصادياً، ويتهيأ لحرب عالمية كما تتنبأ بعض مراكز البحث؛ ولذا يسعى  لفرض معركة تستنزف الصين كما حدث مع الاتحاد السوفيتي، ولكن الوقود لتلك الحرب المتوقعة  الشباب المسلم الذين  تثير عواطفهم آيات وأحاديث الجهاد، وحبهم لرفع الظلم عن إخوانهم، ويضاف على ذلك تضخيم وتهويل الأمور، واستخدام شيوخ المال والسلطان، ولا أستبعد نقل البعض من سوريا مثلاً لحدود الصين.

وأخيراً قد يكون بعض ما يعرض حقاً ولكن يراد به باطل، وكما قيل : مرمى الحصى عنكم الأقصى فلا تدوروا ألف ميل.

وإنني أحذر الشباب خاصة والجماعات والأحزاب الإسلامية عامة أن تنساق خلف هذه المصيدة الكبرى.

وسوم: العدد 857