حسني مبارك وعسكر مصر: غاب الرجل وبقي النموذج

لعل في طليعة مفارقات حياة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك (1928ـ 2020) أنه عاش ليشهد بأم عينيه انتكاسة الانتفاضة الشعبية العارمة التي أجبرته على التنحي، يوم 11 شباط/ فبراير 2011، وتسليم مقاليد السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. مفارقة ثانية ليست أقل مغزى أنه شهد كذلك عودة العسكر إلى السلطة عبر بوابة انقلاب قاده الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع في عهد الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، والذي لم يمهله العسكر إتمام سنة واحدة في سدة الرئاسة.

ومن سخرية الأقدار أن الرئيس الذي حكم مصر قرابة 30 سنة، معتمداً على الاستبداد والقمع وهيمنة الأجهزة الأمنية وشبكات الفساد والولاء والمحسوبية، خرج بريئاً من غالبية الدعاوى التي رُفعت ضده أمام القضاء المصري، وقد لا تحول دون تشييعه في جنازة عسكرية مهيبة سوى قضية القصور الرئاسية، وهي الوحيدة التي بقيت معلقة أمام محكمة النقض. وليس من المستبعد أنه أغمض عينيه للمرة الأخيرة وهو يدرك أن استبداد نظام السيسي وفساد بطانته وبطش أجهزته الأمنية تفوقت في ميادين كثيرة، وخلال أقل من سبع سنوات، على ثلاثة عقود من طغيان نظام مبارك. ولعل بعض الذين ثاروا ضده، ثم ساندوا انقلاب السيسي من منطلق أن العسكر أهون شراً من أخطاء مرسي، هم أكثر من يستذكر هذه الحقيقة المريرة.

كذلك فإن مبارك، وهو الذي تسابقت أجهزته إلى نفخ شخصه وتجميل شخصيته من بوابة تسميته «بطل التحرير» في حرب 1973، يرحل وقد أبصر ما شارك في زراعته مع سلفه الرئيس المصري أنور السادات، من خيارات التفريط الوطني واتفاقيات كامب دافيد و«سلام الشجعان» الزائف، تؤتي ثمارها على يد عسكري آخر تلميذ له هو السيسي. الفارق أن الأخير لم يكتف بمزيد من الخضوع والتبعية والتعاون مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل زاد على السادات ومبارك في بيع أراضي مصر وتسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية.

وأما صفة «الاعتدال» التي ألصقتها به الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي فلم تكن سوى واحد من أقنعة كثيرة تعلّل بها أصدقاء نظام مبارك للتغطية على الطابع الحقيقي البشع لنظامه، سواء من حيث التبعية السياسية والاقتصادية وخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، أو من حيث مواصلة نهج الاستبداد والتنكيل بالشعب المصري على أصعدة داخلية. وكانت هذه الرعاية الأمريكية الخاصة هي سبيل النظام إلى إعادة العلاقات مع غالبية الأنظمة العربية بعد قطيعة 1978، وإلى استعادة مقر الجامعة العربية، وأداء دور الوسيط «المحايد» بين الفلسطينيين والإسرائيليين في غزّة والضفة الغربية، وإدارة علاقات التطبيع العلنية والسرية بين الأنظمة العربية ودولة الاحتلال.

وفي كل حال فإن رحيل مبارك لا يطوي تماماً حقبة في حياة الأنظمة العربية انطوت على صعود العسكر إلى مصاف عليا في السلطة عبر انقلابات عسكرية غالباً، أقامت أنظمة استبدادية دكتاتورية فاسدة، وتبنت برامج سياسية واجتماعية واقتصادية أفقرت المجتمعات وانتهكت الحقوق المدنية وخنقت الحريات العامة، وزعمت تنظيم انتخابات وبرلمانات وأحزاب حاكمة ولكنها أورثت الحكم للأبناء والأقرباء والأعوان. وبهذا المعنى فإن رحيل مبارك اليوم يقتصر على غياب الرجل ضمن إرث طويل من حكم العسكر، وأما النموذج فإنه باق ومقيم ويتمدد على نحو أشد شراسة وأبعد إيغالاً في الطغيان والمفاسد والتبعية.

وسوم: العدد 865