تكاليف العبوديّة للطواغيت

[ من كتاب: التضمين في الكتاب المبين، للأستاذ الدكتور: محمد نديم فاضل ] 

قال تعالى: (لنُخرِجَنّكَ يا شُعيبُ والذين آمنوا مَعكَ مِن قريتنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلّتِنا. قال: أوَلَو كُنّا كَارِهين). {سورة الأعراف: 88}.

إن تكاليف الخروج، مهما عظمت، أهون بكثير من تكاليف العبودية الفاحشة للطواغيت، مهما رافقها من سلامة الأمن وتيسير الرزق، لأنهما لجام يقود بهما الطاغوت كل من يتصور أنه ناجٍ بدينه وعِرضِه تحت حكمه.

أجل.. من ظن ذلك فهو واهم أو فاقد الإحساس. ومهما كانت تكاليف الغربة باهظة فهو الرابح، حتى في ميزان الدنيا قبل ميزان الآخرة. فالجاهلية في كل عصر لا تقبل من الرسل والدعاة أن ينفصلوا بتجمعهم وقيادتهم عنها، بل تفرض عليهم أن يعودوا ليَثْبُتوا فيها، بل ليدخلوا ويذوبوا في التجمع الجاهلي ويندمجوا فيه: (وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِم: لَنُخْرِجَنَّكُم مِنْ أَرْضنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا). {سورة إبراهيم: 13}. ويقول الذين لا يدركون خطر العودة، أي خطر الثبوت فيهم والبقاء في تجمعهم، بل خطر الاندماج والذوبان في التجمع الجاهلي، وفقدان شخصيتهم الإسلامية بحجة الضرورة، يقولون: لِندخُلْ ولنثبُت في ملتهم ونزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم. هكذا يلبّس عليهم إبليس... يدخلون تحت قُبح الضرورة مع قدرتهم على الانفكاك منها.

إن تميّز المسلم بعقيدته لا بد من أن يتبعه تميّز وتحيّز في تجمعه وقيادته وولائه، وتَنْحِيته للأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطة، ولا خيارَ له في ذلك، لأن هذه المفاصلة من لوازم العمل الدعوي كما أشارت الآيات الكريمة. إن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود مُمثَّل في جماعة أو حكومة لا تدين إلا لله، ولا تعترف إلا بسلطانه، ولا تُحَكِّم إلا شرعه، لها قيادتها ومنهجها المستمد من كتاب اللَّه وسنة نبيه، وتنبذ كل قانون أرضي ولو صدر عن هيئة أمم... إن وجود مثل هذه الجماعة أو الحكومة يهدد طواغيت الأرض كافة، فتفرض عليها المعركة فرضاً، ولو آثرت ألا تخوضها معها: لنُخرجنّك... أو لَتَعُودُنّ... ليس غير.

إنه مَعْلَم من معالم هذا الدين، واضح وجليّ، ولكن أكثر الناس يضعُف عن احتماله لثقل تكاليفه: مطاردة وملاحقة، وتضييق وتهديد في كل مكان... يدع القصور ليعيش في الكهوف... ويأنس بما كان يستوحش منه... يطوي الليالي يقتات على كسرات... يستبدل القسوة باللين والشظف بالنعيم والخوف بالأمن...

وسوم: العدد 905