مقارنات لا تسوغ ... علماؤنا المحليون ومشروع ريادة الأمة وقيادتها !!

منذ أيام وأنا أتابع " ترددات الوعي " بين بعض المتحاورين، أقدم أحدهم على مقارنة عالم "محلّة" محدود، برجل فكر صاحب مشروع على مستوى الأمة ، وفضل لأمر رآه ، مفتي الحي على المفتي المكي، أي الأول على الثاني!!

ومن وقتها يتردد في قلبي وفي عقلي صدى تلك المقارنة " الضيزى" التي لا أجد لها مساغا في شرع ولا في عقل ..وأريد أن أرد وأخشى أن أسيء لرجلين يقال في كل منهما في دارته هو الرجل ، وهم القوم ..

ولعلنا حين نذكر بعض علماء أحيائنا في مدننا وقرانا، بخير ، ونثني عليهم ، وندعو لهم ، لا ننسى أن هذه الطبقة من العلماء الثقات، كانوا كذلك في الإطار الذي تحركوا وعملوا فيه، ولم يكونوا، لا على مستوى الرؤية، ولا على مستوى الحركة " أصحاب مشروع عام " لتغيير حال الأمة ولصلاحها. وللخروج منها مما تعانيه. وإذا كان نجد في المدينة الكبرى من مدننا أكثر من ألف خطيب وإمام ، وإن أقررنا أن جميعهم صالح عالم عامل، فكلهم ينطبق عليهم قول الرسول الكريم : الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة. وكان في أصحاب رسول الله أبو ذر " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة منه " قالها له سيدنا رسول الله ، وقال له أيضا : إني أراك ضعيفا ...بمعنى أن أبا ذر لم يكن يصلح لإدارة دولة ، ولا لولاية مدينة ...فلنتعرف هذا الفرق فإنه نفيس.

وسادت لدى كثير من شيوخنا وعلمائنا، وأنا أنقل عن خيارهم، ولا أنسب إليهم ، نظرية مفادها أن العصر الذي نحن فيه هو "عصر فساد" . وأن " أكثر الناس اعرف تقله " وأن أجمل شيء يفعله الداعية المسلم والعالم المسلم، هو " أن يقول كلمته ويمشي" و كان الاهتمام الأول عندهم " تصحيح عبادات الناس" و " أنماط سلوكهم الفردية والأسرية " وجلهم يحفظ لامية "عمر بن الوردي " ويركز على الجميل فيها برأيه :

جانب السلطان واحذر بطشه ..لا تعاند من إذا قال فعل..

والخيار من هؤلاء كانوا يديرون جمعيات ومعاهد ومدارس شرعية ، ولعلك لو رجعت إلى مناهج هذه المدارس والمعاهد أدركت الكثير من أسرار ما أقول ..

ولا أهدف من كل هذا التقليل من قيمة هؤلاء الأخيار، وكيف وأنا قد غذوتُ من علمهم، وارتويت من أكفهم الطاهرة ، ولكنني أظن أنه من الظلم لأي واحد من هم أن يقارن بمجاهد كان شيخَ كتاب اسمه عمر المختار، أو بآخر اسمه البشير الإبراهيمي ، وبثالث اسمه ...واسمه ...وأمتنع عن ذكر الأسماء لئلا أدخل في اللجاجة والجدل ..

اختلف " شيخ الإسلام " ابن تيمية رحمه الله تعالى مع العديد من " علماء الإسلام" في عصره وأفتى العديد منهم بحبسه، وبما هو أكثر من حبسه، وسأقتنع أن اختلافهم كان علميا محضا ،ليس وراءه نفوس، و سؤالي لماذا حفظت الأجيال اسمه ونسيتهم ؟؟

وأنا اليوم في الالتزام أقرب إليهم، وفي الرؤية والمشروع أقرب إليه رحمهم الله تعالى جميعا ..

ثم أمر آخر يجب أن نتوقف عند حدود الله، فيه حين نقوّم العالم المفكر صاحب المشروع، علينا أن نتوقف عند كليات المشروع وتفاصيله ؛ على أي شيء بنى الرجل؟ من أي شيء استمد؟ إلى أي شيء دعا ؟؟ نتأمل المشروع وننقد ما فيه، نستفيد من خيره وندعو إليه، وننبذ ما دون ذلك ونستغفر لكاتبه .. ولا يضر الرجل أن يصيب ويخطئ، بل كل الرجال يصيبون ويخطئون إلا من نظل نصلي ونسلم عليه ..

وهكذا ندرس محمد بن عبد الوهاب " كله " " نمطا " فقها وفكرا وسلوكا ، ونعزله عن تطبيقات متابعيه، والذين يجب أن يدرس كل واحد منهم بالطريقة نفسها. وندرس " عمر المختار" و"عبد الكريم الخطابي" و" عبد القادر الجزائري" والذي جمع في شخصه ثلاثة أنماط : "المجاهد والسياسي والصوفي " ولا نسمح لنمط أن يشو ش على نمط. وندرس " جمال الدين الأفغاني" و" محمد عبدة " و " رشيد رضا " وأثرهم العام في جيل عايشهم أكثر من إغراقنا في البحث في تفاصيل قد لا ندرك أبعادها ..

 و بالمثل ندرس "حسن البنا " و" سيد قطب " و" أبو الأعلى المودودي " و"مالك بن نبي" وكذا مع كل صاحب مشروع . جميل عنوان " الأعمال الكاملة". وأجمل منه أن نرتبها حسب ظروف صدورها التاريخية ...

ما أزال أعجب من موقف علماء الإسلام من تراث " الإمام أبي حامد الغزالي" قبل المنقذ من الضلال وبعد المنقذ من الضلال، وهو الذي يقول بعد المنقذ " وعدت ولكنني ما عدت - يقصد إلى نشر العلم - كنتُ أنشر العلم للشهرة والجاه، وعدت لأنشره ...."

التطور الفكري والعلمي للرجل محطة هامة في تاريخ الأفكار ، وتاريخ الرجال" وتاريخ المشروعات" لماذا يقفز الكثيرون عن عبارة الإمام الشهيد حسن البنا في الذين اغتالوا النقراشي : " ليسوا إخوانا ..وليسوا مسلمين" ؟؟

وعلينا ونحن نقوّم الرجل أنه كان من قبل : الرجل برجل، والرجل بعشرة ، والرجل بمائة، والرجل بألف رجل، وكان فيهم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) ...

وحين يذهب أحدنا إلى مقارنة "شيخ كتّابه" أو واعظ مسجده ، أو خطيب منبره ، أو مرشد حيّه ؛ برجل من غير طبقته فإنه؛ لا يسيء إلى الأعلى وإنما يظلم من أقحمه في غير مضمار ...!!

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 950