من قيمة الإنسان.. أن يكون ثائراً متمرداً

إن كل من يقرأ تاريخ البشرية، منذ ولادتها وإلى يومنا هذا.. سيجد أن الطواغيت هم الذين كانوا يتحكمون في رقاب البشرية، في معظم عهودها وإلى الآن.  

وهذا ليس؛ إلا للابتلاء، والامتحان، والاختبار، حتى يظهر معدن الناس، ويتميز الخَيِّرون من الشِّريرين، وينكشف أولو العزم والقوة، من الخانعين، والمستخذين، والمستذلين. 

وأن الرسلَ الكرامَ، الذين أرسلهم اللهُ تعالى إلى البشرية، بدءاً من نوحٍ، وانتهاءً بمحمدٍ عليهم الصلاة والسلام. ما كانت مهمتهم؛ إلا دعوة الناس للثورة على الطواغيت؛ والتحرر من العبودية لهم - التي كانت تتمثل بطاعة أوامرهم، واتباع قوانينهم وشرائعهم – والفرار إلى العبودية لله رب العالمين.  

ولقد واجه الرسلُ أثناء دعوتهم الناس إلى الحرية، والعزة، والكرامة، كثيراً من العنت، والأذى، والاضطهاد، والآلام المبرحة، والعذاب الشديد من قومهم، الذين ألفوا العبودية، وركنوا إلى الذل، واعتادوا الخنوع، والانبطاح للطواغيت. وتأقلموا مع هوى الطواغيت، وتكيفوا مع أوامرهم، وتعليماتهم، ورضوا أن يكونوا عبيداً لهم، يطيعونهم طاعة عمياء، ويرفضون رفضاً قاطعاً، أن ينتشلهم الرسلُ من المستنقع الآسن، الذي كانوا يعيشون فيه، ويرفعوهم من السفح إلى القمة. 

وكانوا يقولون لرسلهم بكل صفاقة، ووقاحة، وغباء، وإصرار على البقاء في الواقع المزري، الذي يحيونه (قَالوا: أجِئتنا لِتَلفِتَنا عَما وَجَدْنا عَليه آباءنا، وتَكونَ لكما الكِبرياءُ في الأرضِ.. وما نحنُ لكما بمؤمنينَ) يونس 78.  

وبقدر ما كان إصرارُ العبيد، على البقاء في الزواريب المظلمة، وفي الجحور العفنة، وفي الحفر المنتنة، وفي إسار العبودية المُذلة المَهينة.. كان إصرارُ الرسل على تحريرهم من عبودية العبيد، إلى عبودية رب العالمين. 

حتى أن بعضَ الأقوام، هددوا رسولَهم والذين معه، بإخراجهم من أرضهم؛ لأن ذنبهم كان عظيماً؛ وهو: التطهرُ، والتعففُ، والبراءةُ من الشرك (وما كانَ جَوابَ قَومِهِ إلا أن قَالوا: أخْرِجُوهم من قَريَتِكُم ، إنَّهم أناسٌ يَتَطَهَرونَ). 

 

استمرار الرسل في الثورة والتمرد على النظام الطاغوتي  

  

ولكن الرسلَ عليهم السلام، لم يستسلموا للتهديد، والوعيد. بل بقوا ثائرين، ومتمردين على النظام الطاغوتي، ومتحدين إياه، ومصرين على دعوة الناس إلى عبادة الله وحده. بالرغم من أن العبيدَ – إلا قليلاً منهم - كانوا يصرون على اتباع ما كان عليه آباؤهم (وإذا قيلَ لَهُم اتَّبعوا ما أنَزلَ اللهُ، قَالوا: بَلْ نتبعُ ما ألفينا عليه آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُم لا يَعقلونَ شَيئاً ولا يَهتدونَ) البقرة 170.   

وها هو إبراهيمُ أبو الأنبياء عليه السلام.. يتحدى النمرودَ الذي هو أحدُ ملوك الأرض الكفرة؛ بأن يأتي بالشمس من المغرب، أثناء حواره معه عن دلائل عظمة الله تعالى (ألَمْ تَرَ إلى الذي حَاجَّ إبراهيمَ في رَبِه أنْ آتاه اللهُ الملكَ إذ قالَ إبراهيمُ: رَبيَّ الذي يُحيِّ ويُميتُ قالَ: أنا أُحيِّ وأُمِيتُ، قالَ إبراهيمُ: فإنَّ اللهَ يأتي بالشمسِ منَ المشرقِ فأتِ بها من المغربِ فبُهِتَ الذي كَفَرَ) البقرة 258.  

ثم يتحدى قومَه الذين يعبدون أصناماً من حجر.. فيذهبُ إليهم؛ ويُكَسِّرُهم، ويُحطمُهم، ويُفتتُهم (فراغَ إلى آلِهَتِهم فقالَ: ألا تأكلونَ * ما لَكُم لا تَنطِقُونَ * فراغَ عليهم ضَرباَ باليمينِ) الصافات 91-93.  

إبراهيمُ يضربُ المثلَ الأولَ في الثورة والتمرد على الطاغوت  

 

ويستمر إبراهيمُ عليه السلام، في ثورته، وتمرده على موروثات قومه، وعاداتهم، وتقاليدهم، وعبادتهم البلهاء، لأصنامٍ وتماثيل لا تضر ولا تنفع.. فيجري بينه وبينهم الحوار العقلاني المنطقي التالي: (إذ قالَ لأبيهِ وقَومهِ: ما هذه التماثيلُ التي أنْتُم عَليها عَاكِفونَ؟). الأنبياء 52. 

 فيجيبونه بكل بلادة، وغباء منقطع النظير، مع خنوعٍ، وخضوعٍ للعادات الموروثة، بدون تفكير، ولا تدبر، ولا استخدام العقل (قَالوا: وَجَدْنا آباءَنا لها عَابدينَ). 

 ودون أن يسألوا أنفسهم، ويُحَّكِموا عقولهم، لماذا يعبدونها وهي أحجارٌ لا تنطقُ ولا تعقلُ (قَالَ: لَقدْ كُنتُم أنتُم وآباؤكُمْ في ضَلالٍ مُبينِ). الأنبياء 54. 

 هكذا يخاطبهم بكل قوةٍ، وعنفوانٍ، وتمردٍ على هذه العبادة الضالة، الفاسدة، ويصفهم بالضلال المبين، دون خوفٍ، ولا وجلٍ منهم، ودون مبالاةٍ لما يترتبُ على جرأته هذه، من أذى وضررٍ له.. نتيجة وصفهم بصفة مَهينةٍ، مرذولةٍ، قميئةٍ. 

 ثم يتحداهم، ويهددُهم، ويتوعدُ آلهتهم الصماءَ، العمياءَ، البكماءَ، بالويل والثبور (وَتَالله لأكِّيدنَّ أصنامَكُمْ بعدَ أن تُوَلُّوا مُدبِرين * فَجَعَلَهُم جُذاذاً إلا كَبيراً لَهُم لَعَلَهم إليه يَرجِعُون). الأنبياء 57. 

ويثورُ قومُه، ويغضبون، ويتشنجون، ويتوترون، وتنتفخُ أوداجُهم، ويتساءلون من فعل هذا بآلهتهم؟. 

 فيأتيهم الجوابُ الصاعقُ: إنه مجرد فتى، غلام، حدث السن، اسمه إبراهيم.. فيأتوا به إلى مجلس المحاكمة العلنية أمام الناس كلهم، فيسألونه سؤالاً في منتهى الغرابة، والبلاهة، والحماقة.. أأنت يا إبراهيمُ الذي حطمتَ ودمرت آلهتنا؟  

فيردُ عليهم بكل سخريةٍ، واستهزاءٍ، واحتقارٍ – وهذه هي شمائلُ المؤمن الثائر، المتمرد على الجاهلية – (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كبيرُهُم هذَا، فاسألوهُم إنْ كانوا يَنْطِقُون؟). الأنبياء 63. 

فيعترفون اعتراف المذنب الذليل؛ بأنهم فعلاً لا ينطقون (لقدْ عَلِمتَ ما هَؤلاءِ يَنْطِقُون!) الأنبياء 65. فيستغل إبراهيمُ – الفتى الواعي، العاقلُ، المؤمنُ، الثائرُ نصرة لله – اعترافَهم.. فيجبهُهم بالجواب الصاعق، المزلزل (أفٍ لَكُم ولما تَعبدونَ مِنْ دُون اللهِ، أفَلا تَعْقِلونَ؟). الأنبياء 67.    

وبالرغم من أنهم اعترفوا بأن آلهتهم الحجرية، الصماء، لا تعقل، ولا تملك شيئاً.. إلا أن الاستكبارَ، والغطرسةَ، والغرورَ، ونكران الحقائق العلمية، التي جُبِلَ عليها الطغاة في الأرض كلها على ممر العصور.. تدفعهم إلى الحمية الجاهلية، وتأخذهم العزة بالإثم؛ فيقررون الثأر لآلهتهم المُهانة، بالحرق بالنار (قالوا: حَرِّقُوه وانْصُروا آلهتَكُم إنْ كُنْتُم فاعلينَ). الأنبياء 68.  

وهذا هو حال كل الطغاة: الاستكبار، واستخدام أقصى ما لديهم من قوة، للانتقام ممن أذلهم، وأهانهم ولو بالطريق العقلاني، المنطقي.. فيبحثون عن أي شيء ليردَ الاعتبار لهيبتهم، التي مُرِّغت في الوحل. 

ولقد ضربنا هذا المثل الزاكي، الرائع، المُشرق، المُضيء، المُفعم بالحيوية، والقوة، والعظمة.. ليكون عبرةً لنا، ولكل الأجيال الثائرة المتمردة على الطغيان، والتي ترنو إلى الحياة الكريمة العزيزة، كما قال تعالى: (لقدْ كانَ في قَصَصِهم عبرةٌ لأولي الألبابِ) يوسف 111. 

وعليه يُعدُّ إبراهيمُ عليه السلام، المشعلَ الوقادَ، والمصباحَ المنيرَ الهادي للبشرية جميعاً، لمن يريدُ أن يسيرَ على طريقه، ويستنَ بسنته، ويقتفيَ أثره، وينعمَ بالعزة والكرامة، التي لا يمكن أن تتحقق، إلا للثائرين، والمتمردين على القوانين، والعادات، والموروثات البشرية، الهزيلة، السخيفة، التافهة، المُغرقة في الجهالة، والعِماية، والضلال المبين. 

وهكذا نرى أن أبا الأنبياء إبراهيمَ عليه السلام، يُعدُّ الثائرَ، والمتمردَ الأولَ في تاريخ الرسل، وفي تاريخ البشرية.. على العقلية الجاهلية البليدة، المستكبرة، الطاغية. 

ومن السنن الكونية الثابتة، التي لا تتبدل والتي قررها اللهُ في كتابه (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) فاطر 43. 

 أن الصراعَ بين الحق والباطل، بل الصراعَ بين مكونات البشرية، مستمرٌ منذ خلق آدم، وإلى قيام الساعة.  

وقد أشار اللهُ تعالى إلى هذا الصراع المتجدد المستمر فقال: (ولَولا دَفْعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ، لفَسَدتِ الأرضُ) البقرة 251.  

إن المياهَ الراكدةَ المتوقفة.. تأسن، وتُنتن، وتَخمج، ولكن حينما تتدفق، وتتحرك.. تصبح عذبة، نقية، صافية.  

وهكذا الحياة البشرية! فلو كانت كلها على وتيرة واحدة، وعلى منوال واحد، وعلى شكل واحد.. لفسدت، وخربت.  

ولذلك أوجد الله تعالى، قانون التدافع، والصراع بين بني البشر - سواءً كان بين المؤمنين والكافرين، أو كان بين المؤمنين والمؤمنين، أو بين الكافرين والكافرين – لتستمر الحركة، ويتواصل النشاط ، وتتوسع الآفاق الفكرية والعقلية.. لاستنباط كلُ فريقٍ، طرقاً جديدةً، للتغلب على الفريق الآخر.     

النتيجة المنطقية 

 

وهكذا نخرج بنتيجة علمية، وعقلانية، ومنطقية.. أن الإنسانَ الذي يريدُ أن يحيا حياة كريمة، عزيزة، وأن يكون مُهابَ الجانب، وصُلبَ المكسر.. عليه أن يكون في كل أموره الحياتية؛ ثائراً؛ ومتمرداً على أي قوانين، أو أنظمة، أو تعليمات، لا تتوافق مع نظام الله، ولا تتوافق مع العقل، ومع المنطق. 

 وعليه أن يرفضَ التذلل، والاستكانة، والرضوخ، والخنوع، لأي طاغوت كان! وألا يهابَ، وألا يخافَ من مظاهر قوته الشكلية، المنتفخة.. وأن يُفضلَ الموتَ في سبيل الله، على الخنوع، والرضوخ له.  

وأما الذي لا يكون ثائراَ متمرداَ، ولا يفكر بأن يكون كذلك.. فمكانُه بين القطيع في حظائر الأغنام، والخرفان.. يرعى الكلأ’ ويشرب الماء الآسن، وهذا أقصى أحلامه وأمنياته. 

وسوم: العدد 962