"بي بي سي" تفقد إذاعتها وشرفها المهني في أسبوع واحد

لا أعرف كيف لـ «أصولي» مثلي، حسب المفهوم المهني، أن يتجاوب مع الاتهام البشع لـ «بي بي سي» بأنها فقدت شرفها المهني، ليس لأن مناقشة الاتهام تتجاوز باب اللياقة، ولكن لأنه حكم ترتب على اتهام أفظع بأنها تحاول رسم صورة ذهنية خبيثة للسيسي، فيكون مطلوباً مني توضيح ما هي الصورة؟ ولا يجوز لـ «الصحافي الأصولي» أن يتنابز بالألقاب، وقد وضعنا المغفور له، بإذن الله تعالى، المذيع في قناة «تن» نشأت الديهي في «حيص بيص»، حيث ترك الأمر بدون توضيح، مع أنه السبب في اتهام مؤسسة إعلامية عريقة بأنها فقدت أعز ما تملك، لتفقد أمرين في أسبوع واحد؛ شرفها المهني وراديو» بي بي سي» العربي، الذي أغلق حديثا!

ما نقله المذكور عن «بي بي سي» هو خبر بعنوان: «عبد الفتاح السيسي يعلن استعداد مصر لاستضافة الأولمبياد في 2036»، والخبر بصورة الزعيم، وقد أحاط النخيل به، ولم أشاهده في «بي بي سي»، ولا أعتقد أن من شاهدوا خبرها، لفت انتباههم هذا النخيل، أو مثل لهم أي معنى، لكن الديهي شمر عن ساعديه، وجعل من لم يشتر يتفرج، ومن لم يشاهد القناة البريطانية، فقد شاهد «تن» ، ومن لم ينتبه للنخيل، فقد وقف عليه من المذيع الباسل، الذي اتهم القناة بأنها تحاول رسم صورة ذهنية للسيسي، وليست فقط كذلك، لكنه يصف هذه الصورة الذهنية بأنها «خبيثة»، فما هي هذه الصورة «الذهنية الخبيثة»، التي تحاول رسمها للجنرال؟ لم يوضح الأمر، ربما لأنه يدرك أنه معروف، والمعروف لا يُعرف، والمعنى في بطن الشاعر، فماذا لو أن أحداً من غير المتابعين استوقفه الهجوم الحاد، والاتهام الجريمة للقناة بأنها فقدت شرفها المهني، وأراد أن يعرف ماذا في الصورة المنشورة، وما هي الصورة الذهنية الخبيثة، بل كيف لمثلي وأنا «الصحافي الأصولي» أن يوضح الأمر، ويحافظ على وقاره المهني؟!

الدبة التي قتلت صاحبها

لا نعرف ما إذا كان الديهي مسيراً أم مخيرا، وإذا كان هو من أهل الأعذار، باعتبار أن قدراته المهنية متواضعة، فكان كالدبة التي قتلت صاحبها، عندما يكون بما فعل قد حول الموضوع إلى مسخرة، لأن العامة يعرفون دلالة ما يتحدث عنه، وكان يمكن المرور عليها مرور الكرام، فضلا عن أنها ستفتح المجال للسؤال عندما يطالع الناس هذا الهجوم، وهذه الإيحاءات التي يقصدها الديهي عن الصورة؟ وسيكون الألم مضاعفاً لو أن الذين يقومون على أمر الإعلام الذين قاموا بتوجيهه قد وضعوا صاحبهم في هذا الحرج، وانتقلوا بالأوصاف السلبية من أن تكون موضوعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يكثر العامة والدهماء، لتكون نقاشاً يهم الخاصة عندما يُناقش عبر الشاشات!

وماذا لو أن الإدارة البريطانية للشبكة وصل الى علمها أن (مستر ديهي) المذيع المقرب من السلطة في مصر، والمعين بقرار رئاسي عضواً في المجلس الأعلى للإعلام، غاضب على الـ»بي بي سي»، حد أن قال نصاً «لقد فقدتم شرفكم المهني»؟ فأكاد أتخيل الخواجات وهم يتساءلون عن مبرر إطلاق هذا الاتهام الشنيع، فينظرون إلى الصورة المنشورة على الشاشة، وهم يتهامسون ماذا هناك؟ وماذا في الصورة يدفع لهذا الغضب وتوجيه الاتهام بأنهم يحاولون رسم صورة «ذهنية خبيثة» عن السيسي؟ وأكاد أتخيل كيف جلس بعض العرب وهم يشرحون المعنى، الذي في بطن الديهي، وبعد الشرح والتوضيح والرسم البياني ينطلق الخواجات في نوبة ضحك.

ولو أن محمد ناصر في قناة «مكملين»، وضع على الشاشة خبر «بي بي سي»، وقال نفس تعليقات السيسي عليه، بدون زيادة أو نقصان، لكان في ذلك كمن يحط من قدر السيسي ويتعمد اهانته، ولكان مقطعه هذا هو الأكثر انتشاراً على «يوتيوب» باعتباره يمثل السخرية اللاذعة من رأس النظام المصري، وإن كان ناصر ليس أصولياً مثلي، فقد يقول ما لا أستطيع قوله، لكن أكثر المواقف الساخرة، هي تلك التي لا تصرح، وقد أدى الديهي الغرض وزيادة، ولو أنه جاء بعد انتهاء دولة السيسي وقال إن ما قاله كان ضرباً تحت الحزام، لجأ اليه بسبب الاستبداد، لما أمكن لأحد أن يزايد عليه!

قناة مصرية أم إماراتية»

لقد نفى الديهي في برنامجه وفي حلقة سابقة، أن تكون» تن» قناة إماراتية، وقال إنها قناة مصرية، وإذا سلمنا بذلك فلك أن تعلم عزيزي القارئ أن الطعنة هذه المرة جاءت من قناة مصرية تبث من الداخل المصري، وليس قناة «مكملين» التي تبث من خارج الحدود، ومن بلاد الله الواسعة، وما رميت إذ رميت، وأنا من كتبت أكثر من مرة أنها قناة إماراتية، ولم أكن أقرأ الطالع، أو أضرب الودع، فعندما تقرر اغلاقها، كان الطلب من دولة الإمارات أن تبقي عليها من أجل الثكالى وأبناء السبيل، لا سيما وقد توفى أحد العاملين فيها بحسرته بمجرد علمه بخبر الإغلاق!

والقول إنها قناة مصرية، سيدفعنا للسؤال عن أصحابها؟ فهل يعقل أن تكون مملوكة للشركة المتحدة المندوب عن الحاكم في ملكية وسائل الاعلام؟ وهو أمر لم يعلن ضمن اقطاعيات الشركة، ومواقعها وقنواتها وصحفها معروفة على سبيل الحصر؟

وإذا كنا نعرف أن «صدى البلد» مملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العينين، تماماً كما كانت «دريم» مملوكة لأحمد بهجت، و»أون تي في» مملوكة لنجيب ساويرس، فمن هو رجال الأعمال المصري الذي يملك «تن»؟ ولماذا يحاط اسمه بالستر، كما لو كنا لسنا أمام قناة تلفزيونية، ولكنها تبدو تنظيماً سرياً يعمل على خلاف القانون، وتجلت مخالفته في هذه الإشارات الخاصة بإعادة نشر خبر «بي بي سي»، وصورة السيسي وتحيط به جنات من نخيل، والقول إنها تحاول رسم صورة «ذهنية خبيثة» للسيسي. فما هي يا هل تُرى هذه الصورة الذهنية الخبيثة؟!

ما علينا، ففي الأسبوع الذي فقدت فيه شبكة «بي بي سي» شرفها المهني، بحسب الديهي، فقدت أيضاً الراديو الناطق باللغة العربية، بعد 84 عاماً من الانطلاق، وهو خبر أحزن كثيرين، وقد ارتبطت في أذهانهم بالزمن الجميل، وبزمن الطفولة والصبا، وكم من ليال قضيتها مستمعاً لها حتى صرت أعرف أصوات المذيعين العاملين فيها، وكانت أصواتهم تتسم بالقوة والجمال، وكأنها نغم خالص، فهل لا تزال كذلك؟!

إن الحزن مضاعف عندما نفقد منصة إعلامية، بغض النظر عن توجهاتها، وقد حزنت لإغلاق صحيفة «الحياة» مع الاختلاف معها. وهو إغلاق لا يعني انحسار دور الراديو، ولكن بسبب التمويل، فبعيداً عن العاطفة وهي مقدرة، فمن من الذين نعوها كان يحرص على متابعتها، فهل لا تزال «بي بي سي» الآن، كما كانت في السابق؟!

المزعج أن تمتد اليد مستقبلاً للقناة الناطقة باللغة العربية، والمجال متاح أمامها للمنافسة والحضور الآن أكثر من أي وقت مضى، لكن تبدو في حالة استسلام للمجهول في انتظار شيء ما، والأمر لا يحتاج الى معجزة، وذلك قبل أن تقع الفأس في الرأس، لتخسر الشبكة الراديو والقناة بعد أن خسرت «الشرف المهني»، ويغني نشأت الديهي فرحاً مع الفنان سعد الصغير: «النهارده فرحي يا جدعان»، قبل أن يعرج لأغنية «البلح، البلح، البلح، أحمر وطعمه خطير.. صغير يا ناس وكبير.. البلح، البلح، البلح، وفكهاني وبحب الفاكهة، وأموت في الموز والمانجا»!

واللهم، لا تشمت نشأت الديهي في «بي بي سي»، فيغني أغنية البلح مع سعد الصغير!

ملاحظة: الشعب المصري يسمي السيسي : بلحة.! مما يغيظه جدا !

وسوم: العدد 1000