تذكرة بين ثلاثة أجيال

أنا وطبقتي العمرية من الناس نسمى الجيل المودع. بقينا هوامش على الهوامش، كل ما يملكه من حفظ الله عليه ذاكرته منا، أن يشهد للناس على الناس.

وفي الناس جيل ثان، هو جيل الرجال بين الثلاثين والستين، وهذا الجيل هو الجيل الممارس، القائم على الأمر بالمعنى الحقيق للكلمة. وأي واقع غير هذا هو استثناء يؤيد القاعدة، ولا يخرقها.

والجيل الثالث هو جيل الطفولة المميزة حتى الثلاثين، ويقولون حتى الخامسة والثلاثين، وهو الجيل المتطلع إلى الحياة، المشرئب لعيشها طولا وعرضا وعمقا وارتفاعا بكل معانيها…

وكثيرا عندما تدور الأحاديث على خاص او عام ، يبدأ جيلنا منطلقا من طبع بشري، تحدث عنه العلماء والحكماء والشعراء والأدباء كثيرا، بتجميل الماضي وزخرفته وتمويهه، وتصويره انه كان الأجمل والأحسن..!!

نذكر الرجال، نذكر القادة نذكر الآباء والأمهات والأجداد والجدات بكثير من التعظيم والتوقير والاحترام، كذلك نذكر كثيرا من رجال الشأن العام القادة السياسيين، رجال الفكر والرأي، العلماء بالمعنيين، الديني والمدني، فنضفي عليهم الكثير من الهيبة والجلال حتى نذهب في الحديث عنهم مذهب القائلين بعصمة البشر بعد سيدنا رسول الله..

يصح ذلك على بعض أقوال الناس في أهل الدين والدنيا.

والحقيقة الصادقة - كما أعتقدها- هي انه صحيح أنه كان في الناس آحاد رجال هم مثل موضع الغرة من الفرس، ولكن ما أعايشه وأسمعه وأتابعه من سواد ابناء الجيلين اللذين نودع، يتفوق في إدراكه ووعيه وسلوكه والتزامه وتضخياته عن عموم الجيل الذي عشنا وعايشنا.

نحن في سورية أمام جيل من الناس أكثر صدقا مع النفس، وأكثر حيوية، وأكثر وعيا، وأكثر التزاما، وأكثر تضحية من عموم الجيل الذي عايشنا. وأقارن العام بالعام. واتحدث عن العام فلا يعترضنّ أحد شهادتي بحديث خاص.

جميل أن نعترف أمام أبناء الجيلين الصاعدين بأنهم الأجمل والأقدر والأحكم.. وانهم بما اختاروه لأنفسهم، ربما لن يوّرثوا أبناءهم وأحفادهم كما ورثنا ابناءنا وأحفادنا غربة وتشريدا ووطنا ممزقا يبكي عليه النعاة..

يا شباب سورية..يا صباياها..

يا رجالها.. ويا نساءها

لا يحبطنّكم ان تسمعونا نظل نردد حكايات الأجداد والجدات، وحكايات كنا وظللنا..

وأننا نظل ننقل لكم على سبيل الفخر والاعتزاز ما قرره فلان ، وكيف كان يصوم فلان..!!

أحببت ان أشهد أمامكم شهادة مودع..

انكم أنتم الأنقى والأرقى والأتقى والأجمل، و أنكم المرشحون، لتعيشوا عيشا اجمل من الذي عشنا، وأنكم ستورّثون ابناءكم وأحفادكم وطنا أجمل من الذي ورثناكم…

ثقوا بربكم واختاروا طريقكم ولا تلووا على المثرّبين.

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 1008