دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة 19-20

دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة

د. أبو بكر الشامي

في الطريق إلى الحيرة ( 19 )

لما فرغ خالد ( رض ) من أُلَّيس ، أراد ألا يمنح العجم فرصة لالتقاط أنفاسهم وتجميع قواتهم ، ذلك أن من أهم مباديء الحرب ( خفّة الحركة ، والمرونة والمطاردة واستثمار الفوز ) ، وكان من أهم ما يتميّز به خالد ( رض ) : خفة حركته ، وسرعة بديهته ، ومبادأته الأعداء ، ومباغتته لهم دوماً ...

وهذه تشكّل اليوم روح وجوهر حرب العصابات في العالم ...

فنهض من أُلَّيس وأتى أمغيشيا ، وهي مدينة كبيرة في طريقه إلى الحيرة ، فلما دخلها وجد أهلها قد هجروها وتفرّقوا في السواد من شدّة الخوف والرعب الذي أحدثته انتصارات خالد السابقة ، والتي كانت أخبارها قد ملأت الآفاق ، فاستولى عليها المسلمون بدون قتال ، وغنموا كلّ ما فيها حتى بلغ سهم الفارس فيها ( 1500 درهم ) ، هذا عدا الأنفال التي نفّلها خالد لأهل البأس والبلاء .!!!

ولما بلغت أخبار أمغيشيا إلى المدينة المنوّرة ، جمع الخليفة الناس كعادته ، وصعد المنبر ، وقال : ( يا معشر قريش ، لقد عدا أسدُكم ( ويعني خالداً ) على الأسد ( ويعني فارس ) فغلبه على خراذيله ( أشلائه ) ، أعَجَزتِ النساءُ أن يلدْنَ مثل خالد .!؟ ) ...

وأما خالد ( رض ) ، فبعد أن فرغ من توزيع الغنائم أراد أن يواصل سيره في خطّته المرسومة باتجاه الحيرة ، لكنه وجد صعوبة في السير على الأرض بسبب كثرة الفيضانات ، حيث كان الفصل ربيعاً ، والأرض مليئة بالمسطحات المائية ، فقرر أن يحمل قواته على السفن في النهر ، وبينما المسلمون يتسامرون على ظهر السفن ، إذْ راعهم جفاف مياه النهر ، وجنوح السفن إلى الأرض ، ففزعوا ، ولم يكن للمسلمين خبرة بركوب السفن .!!!

فلما سأل خالد ( رض ) أهل المنطقة عن السبب ، تبين له أن مرزبان الحيرة كان قد قطع مياه النهر وحوّل مجراه ، فنهض خالدٌ ( رض ) في مجموعة من الفرسان يقودها بنفسه ، وتوجّه مسرعاً باتجاه الحيرة حتى بلغ المقر عند فم العتيق ، فوجد خيلاً من طلائع جيش الحيرة عليه ابن آزاذبه ، مرزبان الحيرة ، وكان طلوع خالد ( رض ) عليهم مفاجأة غير متوقعة ، فدهمهم وهم آمنون حتى أبادهم ، وسدّ خالد فروع الأنهار ، وأعاد المياه إلى مجراها في الفرات ، ثم أرسل إلى بقية جيشه أن يلحق به بعد أن عادت المياه إلى مجاريها ، وعادت السفن إلى المسير ، واستمر هو بمن معه من الفرسان السريعة قاصداً الحيرة …

أما آزاذبه مرزبان الحيرة ، فقد فجع بخبرين مزعجين ، مقتل ابنه الذي كان يقود طليعة جيشه على يد خالد ، وموت أردشير في المدائن ، ولم يكن هناك من ينجده ويرسل إليه بالجيوش ، فما كان منه إلا أن انسحب بأهل بيته والبقية الباقية من عسكره إلى ما وراء الفرات ، تاركاً إقليم الحيرة يواجه مع خالد مصيره المحتوم.!  وفي أمثال هذه المواقع الجهادية المشرّفة يحلو الشعر ، وتطيب ليالي الشعراء ، ومما قاله أبو مفزر الأسود بن قطبة :

              لقينا يومَ أُلَّيسٍ وأمغى             ويومَ المَقْرِ آناء النهار

  ولم أرَ مثلها فضلات حربٍ          أشدَّ على الجحاجحة الكبار

قتلنا منهمُ سبعين ألفاً               بقيّةَ حربهم نخبَ الأسار

سوى من ليس يُحصى من قتيلٍ      ومن قد غال جولانُ الغبار

*************

فتح الحيــرة ( 20 )

الحيرة بلدة عربية قديمة ، تقع على نهر الفرات ، وتبعد حوالي ستة كيلومترات إلى الجنوب من الكوفة الحالية ، التي لم تكن موجودة يوم دخل المسلمون العراق ، على الحدود الفاصلة بين صحراء العرب وسواد العراق .

لحق جيش المسلمين بخالد ، فتقدّم بهم من الخورنق باتجاه الحيرة ، فتحصّن أهلها في حصونهم ، فأمر خالد جنوده أن يدعوهم إلى الإسلام وأن يمهلوهم يوماً ، ولكنّهم أبوا الإسلام أو دفع الجزية ، فلما انتهت المهلة نشب القتال وضغط المسلمون على الحصون فأكثروا القتل بأهلها ، وأدرك أهل الحصون أن لا جدوى من المقاومة فنادوا بالأمان على أن يصالحوا المسلمين وينزلوا على حكم خالد ( رض ) ، فقبل منهم خالد ( رض ) وأعطاهم بذلك كتاباً ، وتم له ذلك في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة للهجرة النبوية الشريفة ، الموافق لشهر أيار سنة 633 ميلادية .

وهكذا يكون خالد ( رض ) قد حقّق هدفه في الوصول إلى الحيرة في أقل من ثلاثة أشهر ، وأنجز مهمّته المرسومة على أفضل وجه ، ولقد كان لفتح الحيرة آثاره البعيدة ، فقد كانت أول عاصمة من عواصم الأقاليم تسقط في أيدي المسلمين ، وكان لسقوطها أهمية ستراتيجية ومعنوية كبيرة ، هذا فضلاً عن كونها قاعدة تموينية متقدّمة تمد الجيوش العربية الإسلامية المتقدمة بما تحتاجه من العتاد والمؤن …

باختصار ، لقد كانت الحيرة ، وكما خطط لها الخليفة الراشد أبو بكر الصدّيق ( رض ) ، موطيء قدم مناسب لقفزة هجومية أخرى نحو الهدف الأكبر ، وهو المدائن عاصمة الفرس … هذا إذا سارت الأمور كما يشتهي المسلمون …

أما إن كانت الأخرى – لا سمح الله – فإن موقعها على حدود جزيرة العرب يمنحها ميزة عظيمة ، في أن تكون طريق انسحاب ، وخط رجعة آمن للمسلمين  …!!!

ما إن ضرب خالد ( رض ) فسطاطه بالحيرة حتى جاءه أهل السواد من الدهاقين يرجون عفوه ويطلبون صلحه ، فصالحهم على أن لا يغدروا ولا يخالفوا ولا يعينوا كافراً على مسلم ، وكتب لهم بذلك كتباً وقّعها بختمه ، ثم بدأ بالكتابة إلى ملوك العجم في المدائن ومرازبة فارس فيها :

كتب للملوك قائلاً : ( بسم الله الرحمن الرحيم . من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس ، أما بعد ، فالحمد لله الذي حلَّ نظامكم ، ووهَّن كيدكم ، وفرَّق كلمتكم ، ولو لم يفعل ذلك بكم لكان شرَّاً لكم ، فادخلوا في أمرنا ندَعَكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم ، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غَلَب ، فقد جئتكم بقومٍ يحبّون الموت كما تحبّون الحياة ) …! 

وكتب إلى المرازبة ورجال الدين  : ( بسم الله الرحمن الرحيم . من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس ، أما بعد ، فأسلموا ، تسلموا ، وإلا فاعتقدوا منّي الذمّة ، وأدّوا الجزية ، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبّون الموت كما تحبّون شرب الخمر ) .!!!

ثم أقام خالد في الحيرة يشرّق منها ويغرّب ، ويصعّد ويصوّب ، ويرقب الأحداث قرابة سنة ، هذا والفرس مشغولون في المدائن بخلع ملك وتولية آخر ، ذلك أن شيرويه بن كسرى كان قد قتل كلُّ من كان يناسبه إلى كسرى أنو شروان ، ثم ثار الفرس  بعده وبعد ابنه أردشير فقتلوا كل من كان بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جور ، ثم بقوا بعد ذلك في أزمة ملوك ، لا يجدون من يملّكونه عليهم من آل ساسان.!!!  

وفي الوقت الذي كان فيه الفرس يتصارعون على كرسي الحكم والملك ، كانت خيول المسلمين تجوب أعماق السواد بين دجلة والفرات ، حتى وصلت طلائعها إلى مشارف المدائن ، وفي تلك البطولات المشرّفة قال القعقاع بن عمرو التميمي :

سقى اللهُ قتلى بالفرات مقيمةً       وأخرى بأثباج النِّجاف الكوانفِ ( المناطق المحيطة بأرض النجف )

فنحن وطئنا بالكواظمِ هرمزاً        وبالثَّنيْ قرنَيْ قارنٍ بالجوارفِ  ( يقصد موقعتي كاظمة والمذار )

ويوم أحطنا بالقصور تتابعت      على الحيرةِ الرَّوحاءِ إحدى المصارفِ ( هنا يتحدّث عن فتح الحيرة )

حطَطْناهمُ منها وقد كاد عرشُهم    يميل به فعلَ الجبانِ المخالفِ

رمينا عليهم بالقبولِ وقد رأَوا     غَبوقَ المنايا حول تلك المحارِفِ

بهذا يكون العملاق خالد ( رض ) قد أنجز الشق الأول من الخطة ، وهي الوصول إلى الحيرة ، وجعلها نقطة ارتكاز للقفز إلى المدائن عاصمة الفرس ...

أما تفاصل ملاحم المسلمين في فتح المدائن وما بعدها ، فهذا ما نرجو أن يوفقنا الله إلى تقديمه في حلقات قادمة بإذن الله ...                             

 

هذا هو تاريخكم أيها السوريون والعرب والمسلمون ، وهذا هو جدّكم يا أبناء حمص النجباء ، وقد والله رفعتم الرأس ، وبيّضتم الوجه ، وكنتم خير خلف لخير سلف ...

هذا هو تاريخكم يا أسود الجيش السوري الحرّ ، تاريخاً جهادياً عظيماً مشرّفاً ...

وهؤلاء هم أجدادكم ، مجاهدون أطهار أبرار ، عاشوا فوق صهوات الخيول ، وتحت ظلال السيوف ...

 فهل نقتدي بهم ، ونسير على نهجهم ، ونتلمس خطاهم ...!؟

هذا ما نرجوه مخلصين ، ونعمل من أجله جاهدين ...

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ...