(أبو حامد)... وثورة الفلول!!

حسام مقلد *

[email protected]

دعا محمد أبو حامد ورفاقه (...!!) جموع المصريين إلى ما أسماه بثورة الغضب الثانية يوم 24أغسطس لإسقاط رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسى وإسقاط حكم الإخوان المسلمين والتنديد باحتكارهم للسلطة كما يزعم... وبغض النظر عن المغالطات الجسيمة والدعايات الكاذبة المضلِّلَة في خطاب (أبو حامد) وزمرته فإنه لا يختلف اثنان على أن التساهل في استخدام مصطلح "ثورة" على هذا النحو يعد ابتذالا وامتهانا لمعنى ومفهوم الثورة لاسيما لو كان الداعون لها من نوعية (أبو حامد) وفصيلته السياسية (بل وحتى البشرية...!!) التي رزئت بهم مصر مؤخرا!

وإذا كانت دعوة (أبو حامد) مضحكة وغوغائية ومثيرة للسخرية والاشمئزاز في آن معا إلا أن ما يثير القلق فعلا هو الأيدي القذرة الآثمة التي تحرك (أبو حامد) وأمثاله وأعداء مصر المتربصين بها في الداخل والخارج... وقد ذكرت بعض الصحف أن أمريكا وإسرائيل تتابعان عن كثب الحراك السياسي في مصر، وتنتظران ما ستسفر عنه أحداث يوم 24أغسطس، وأنه في حال تمكن الداعون للتظاهر في ذلك اليوم من حشد مئة ألف متظاهر فسوف يلقون دعما ومساندة كبيرة وهذا هو ما وُعِدَ به (أبو حامد) ومن معه... وفي سياق متصل قال رضا إدوارد ـ مالك ورئيس مجلس إدارة صحيفة الدستور ـ : "إن أعضاء بالكونجرس الأمريكي وشخصيات سياسية ألمانية بارزة قد اجتمعت به عقب قرار النيابة بإحالة رئيس تحرير صحيفته لمحكمة الجنايات بتهم إثارة الفتنة الطائفية واختلاق الأكاذيب للتحريض على جماعة الإخوان المسلمين ورئيس الجمهورية"... فما علاقة الأمريكان والألمان بهذا الشأن القضائي الداخلي المصري؟!!

ولا نجادل في أن من حق (أبو حامد) وغيره الدعوة للتظاهر السلمي كما يشاء شريطة الحفاظ على السلمية والالتزام بالقانون وعدم الاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة، لكن المشكلة هي أن (أبو حامد) ـ المعجب بسمير جعجع سفاح الحرب الأهلية اللبنانية ـ لا يريدها تظاهرة سلمية للتعبير عن الرأي بل يريدها فتنة هوجاء وفوضى عارمة لتخريب البلد، ومجزرة حقيقية يحدث فيها هرج ومرج ومقتلة عظيمة تنتهي بإسقاط الرئيس المنتخب، ويؤيد ذلك أن بعض رفاق (أبو حامد) كان قد أهدر دماء رئيس الدولة، ودعا إلى إحراق مقار حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين للتخلص منها.

والمثير للقلق فعلا هو البعد الطائفي في دعوة أبو حامد للثورة فقد انطلقت هذه الدعوة من الكنائس ووقف معه بعض الرهبان كـ (متياس نصر) وغيره، وأعلن محمد أبو حامد أنه يعلق آمالا كبيرة على حشد الأقباط للتظاهرة، وكثَّف هو ومن يسانده اتصالاتهم بكنائس مصر في جميع المحافظات لحشد الأقباط للمشاركة فيها... فهل يقبل الأقباط التخلي عن دورهم التاريخي في الحفاظ على وحدة الشعب المصري والتئام شمل المصريين ويمشون وراء (أبو حامد) هذا ومن معه من عصابة الحاقدين المتطرفين؟!

لقد رفضت دعوة (أبو حامد) جميع فصائل التيار الإسلامي، ومعظم الأحزاب السياسية الأكثر جماهيرية، والأغلبية الساحقة من التيارات الثورية والليبرالية، وعدد كبير من الشخصيات العامة البارزة، وسائر رموز العمل الوطني، وجمعٌ لا بأس به من مشايخ الطرق الصوفية، بل وحتى مشجعي الأندية الرياضية (الألتراس)... واقتصر تأييد التظاهرة على الداعين إليها فقط ومن معهم من كارهي الإسلام وحضارته، وفلول النظام البائد، وشيوخ الماركسية الهرمين المعزولين شعبيا الذين  لا رصيد لهم وسط جماهير الشعب المصري.

ورغم انطلاق دعوة أبو حامد من الكنائس وتركيزه الكبير على حشد الأقباط، ورغم الدعم المالي السخي الذي ينهمر عليه من رجل الأعمال (نجيب ساويرس) وغيره إلا أنه على ما يبدو قد أصيب أبو حامد ورهطه بخيبة أمل كبيرة بعدما رفضت قيادات كنسية كثيرة المشاركة في هذه المظاهرات، فقد أعلنت الكنائس: الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية عدم المشاركة، وقال مستشار الكنيسة الأرثوذكسية رمسيس النجار: "إن الكنيسة دار للعبادة وليس لها علاقة بالسياسة"، كما أكد عادل دانيال ـ رئيس حزب الاستقامة ـ أن الكنيسة دار للعبادة، وليست مكانا للمعارك السياسية"... وأنا شخصيا لا أشك في أن جموع الأقباط الشرفاء لا يقلون وطنية عن إخوانهم المسلمين، وسيرفضون رفضا قاطعا المشاركة في ثورة (أبو حامد) الداعية لإثارة الفوضى والاضطراب والدمار والخراب في مصر!!

والعجب كل العجب أن يندفع أبو حامد وعصابته بكل هذه الجرأة والقوة لشق مصر والعبث بها وزعزعة الأمن والاستقرار في أرجائها دون وازع من خلق أو ضمير أو دين أو قانون، خاصة وأنه لم تكد تهدأ أحوالنا بعد فترة انتقالية عاصفة، وكان الأجدر والأولى به وبزمرته لو كانوا يحبون مصر ويخافون على أمنها ومصالحها العليا أن يعطوا رئيس الجمهورية المنتخب وحكومته فرصة كافية لإدارة شئون البلاد والخروج بها من حالة التردي الشامل التي تعاني منها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وخدَميًّا على مستوى رغيف الخبز وكوب الماء... وهذه الأوضاع الكارثية يحتاج إصلاحها لسنوات من العمل الجاد المضني في كافة المجالات وليس عدة أسابيع فقط هي كل عمر مرسي في الحكم...!!

لكن ما دام محمد أبو حامد قد أبى هو ومن معه ومن خلفهم إلا إشعال نيران الفتنة وإثارة القلاقل في وجه الرئيس المنتخب وحكومته، فيجب التعامل معهم بكل حزم وتطبيق القانون عليهم بكل جدية، فلا توجد دولة في العالم مهما كانت ديمقراطية تسمح بالعبث بأمنها واستقرارها، وفرق كبير بين حرية التعبير عن الرأي وبين الدعوة إلى الفوضى والتخريب، وإظهار الفساد في الأرض، وإثارة الفتن بين الناس، والرأي عندي إسراع الجهات القضائية المختصة إلى إعمال القانون تنفيذه بإصدار أمر فوري عاجل باعتقال كل دعاة الفتنة المتآمرين على البلد وإحالتهم للتحقيق، وحتى لا تُتَّهم السلطات بإعاقة التظاهرات السلمية والتضييق على حريات المواطنين فلا بأس من السماح لمن يشاء بالتظاهر السلمي مع مراعاة الإجراءات التالية لحماية الدولة والمواطنين، وتفويت الفرصة على أعداء مصر المتربصين بها في الداخل والخارج:

1.    تحديد أماكن معينة ومعروفة للتظاهر، وهذا هو المعمول به في كل الدول الديمقراطية.

2.    إعلان قائمة بأسماء منظمي المظاهرة وإلزامهم بأن يكونوا مسئولين عن سيرها وامتناع المتظاهرين عن العنف بكل أشكاله. 

3.    كتابة تعهدات خطية بالالتزام بسلمية المظاهرة والبعد التام عن أي مظهر من مظاهر العنف والفوضى.

4.    أن تتولى الشرطة وأجهزة الأمن المختصة تأمين وحماية المظاهرة، وتوفر كل وسائل السلامة لها، وفي نفس الوقت تقوم بتأمين مقار الأحزاب والجماعات السياسية والمتاحف والأندية الرياضية ودور العبادة، وغيرها من المواقع الحيوية في البلاد.

5.    إنهاء ملف البلطجية في أسرع وقت، ووضعهم جميعا تحت السيطرة ومراقبتهم بكل دقة وحزم؛ تفاديا لاستئجارهم للإخلال بالأمن، أو الاعتداء على المتظاهرين، ومنعهم من القيام بأية أعمال عنف تروِّع المجتمع.

6.    منع التظاهر السلمي لأية تيارات أو توجهات سياسية أخرى مناهضة لتوجهات الداعين لمظاهرات 24أغسطس منعا للاحتكاك بين الطرفين، وإن كان ولا بد فالإبعاد بين مكاني مظاهرات الطرفين بعدا كبيرا لمسافات طويلة جدا يستحيل معها التقاء أنصارهما.

وأخيرا أقول للعملاء والخونة والفلول ليس هكذا تكون الخصومة الشريفة، وليس هكذا تكون المنافسة السياسية النظيفة، وليس هكذا نبني مصر ونصون أمنها ونحفظ ترابها الطاهر، ونحقق مصالح شعبها الطيب الصبور... كما أقول للمنتظرين والمتآمرين الذين يعوِّلون على (أبو حامد) خاب فألُكم وفشل سعيُكم، ومُنِيتُم بالهزيمة والبوار والخسران المبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون!!

               

 * كاتب إسلامي مصري