تهافت الإرهاب المتسلّط على الوطن السوري

تهافت الإرهاب المتسلّط على الوطن السوري

ملاحظات عابرة على الفلسفة الإرهابية في الخطبة الأسدية

نبيل شبيب

لا يستحق الأمر كتابة تحليل قصير أو طويل، فالكلمة التي ألقاها بشار الأسد أمام مجلسه يوم 3/6/2012م لا ترقى مضمونا ولا أسلوبا إلى مستوى كلماته هو نفسه قبل 12 سنة كبيسة، ويبدو أنّ ما واجهه خلالها كان أكبر حتى من طاقته القديمة على الكلام، أو كأنّه يعتبر الوطن الذي يتحدّث عنه لعبة يملكها هو بحكم وراثتها عن أبيه، وقد استلمها معطوبة، فزادها عطبا، ويأبى أن يسلّمها ولو كلّفه الأمر حياته.

هي إذن مجرّد ملاحظات عابرة على الفلسفة الإرهابية في الخطبة الأسدية، التي لا تغيّر شيئا من حقيقة أن الثورة الشعبية البطولية ماضية على طريقها.. حتى النصر.

. . .

الملاحظة الأولى عن جانب شكلي لفت الأنظار، أنّ أعضاء مجلس بشار الأسد لم يصفقوا ويهتفوا له كما كانوا يصنعون من قبل، رغم أن "الجدد" فيهم -لا سيما من الشبيحة الإعلاميين- أشدّ انغماسا من "القدماء" في طريق التسلّط الدموي المفروض بقوة السلاح والمخابرات على سورية منذ أكثر من أربعة عقود.. فهل يعني ذلك أنّ أعضاء مجلس الأسد أصبحوا "نوابا" في "مجلس شعب" على مستوى المسؤولية؟.. الواقع أنّه جرى تعليمهم أنّ التصفيق والهتاف بأسلوب التهريج يضرّ بموقع سيدهم التسلّطي ولا يدعمه، فأظهروا دليلا آخر على مدى طاعتهم المطلقة له، فهم إن قيل لهم: صفّقوا، صفّقوا، وإن قيل: لا تفعلوا، لم يفعلوا.

الملاحظة الثانية عن نغمة قديمة جديدة، فحديثه عن مسيرة الإصلاح الأسدي، أنّها منفصلة عن التعامل مع "الإرهاب" وأنها انطلقت وفق وعوده عام 2005م، حديث تضليلي محض، كالمعتاد، ليس فقط بصدد أنّ وعوده المزعومة بدأت قمع "خطاب العرش الأول" قبل 12 سنة، أي قبل التاريخ الذي ذكره، بل بصدد عملية الفصل هذه أيضا، التي جعلها محور كلمته كلّها. علام إذن لم تتحقق خطوة إصلاحية "مزعومة" واحدة، من قبيل تغيير الدستور ومادته الثامنة الشهيرة، أو من قبيل تعدّد الأحزاب وإيجاد أحزاب كرتونية جديدة، أو من قبيل تفصيل قوانين انتخاب وإعلام جديدة أشدّ تثبيتا للاستبداد من سابقتها، ناهيك عن إلغاء حالة الطوائ وإرسال الاسلحة الثقيلة الفتاكة لتمارس القتل والتدمير.. علام لم يبدأ "الإصلاح الأسدي" بأي خطوة من هذه الخطوات إلا بعد أن بدأ "الإرهابيون" في عام 2011م بممارسة إرهابهم، مثل حمزة الخطيب وأقرانه، وغياث مطر وأقرانه، وإبراهيم قاشوش وأقرانه، ومشعل تمّو وأقرانه، وجميع شهداء المعتقلات تعذيبا همجيا والتفجيرات مكرا مفضوحا والاجتياحات "تطهيرا عرقيا ودينيا" لأحياء سكنية كبرى دمّرت عن آخرها قصفا إجراميا متواصلا؟..

الملاحظة الثالثة عن معضلة لا تفارق الاستبداد حتى يفارق المستبدّ حياته، فجوهر الاستبداد ليس في مضامين الدستور أو القوانين أو المراسيم أو الخطب أو المخططات فقط.. بل هو أيضا في حقيقة بسيطة أنّ من يضع صياغتها، ويتسلّط بالباطل على صلاحية هذه الصياغة، هو مجرّد فرد أو حزب أو مجموعة عسكرية، وهذا بالذات ما يسري على ما يسمّيه الأسد إصلاحات، فهي إصلاحات أسدية استبدادية، وعدا بها، وتحديدا لمواعيدها، وتنفيذا لإصدارها، وكذلك من حيث تفصيل مضامينها بحيث تبقى هذه الصلاحية بالذات في يد المستبدّ وحده، سيّان كيف تتقلّب الأمور، وسيّان من يشغل هذا المنصب الفرعي أو ذاك، ومن يدلي بصوت أو لا يدلي في أي اقتراع لا يوجد ضامن لنزاهته سوى المستبدّ "النزيه"!.

الملاحظة الرابعة عن فلسفة عتيقة، لم يأت كلام الأسد عنها بجديد، فتعريف الوطن والمواطنة والشعب والدولة والحكم والمعارضة وكذلك الخيانة والعمالة والإرهاب، جميع ذلك يضعه المستبدّ، وهنا يصبح الوطن هم الحكم الاستبدادي، والمواطنة هي الخضوع له، والشعب مجموع الخاضعين، والدولة أداة يملكها الاستبداد، والحكم موهبة موروثة مستبدّا عن مستبدّ، والمعارضة جوقة منفذين إن أمر وسامعين إن تكلّم وفاهمين إن علّم وسائلين عن "حكمته" إن سكت، أمّا الخيانة والعمالة والإرهاب فمنحة من جانب المستبدّ يطلقها ألقابا على كلّ من يخرج عن هذه الدائرة، فجزاؤه هو الجزاء الذي يقرّره هو، اعتقالا وتعذيبا وتشريدا وقتلا.

الملاحظة الخامسة عمّا لا تحتويه الكلمة الأسدية، ولا يمكن أن تحتويه، وهي رفض الانصياع للإرادة الشعبية رغم تقتيل بضعة عشر ألفا على الأقل، وتشريد عشرات الألوف خارج الوطن ومئات الألوف داخل حدوده، واعتقال مائة ألف أو يزيدون، وتعذيب ما لا يمكن إحصاؤه عددا من البشر (الإرهابين)، وتدمير طاقات الوطن، والاستعانة على ذلك كلّه (هذا ليس خيانة.. ولا عمالة.. ولا تآمرا!) بشياطين الجريمة تسليحا وخبرة وتدريبا ومشاركة في الإجرام، ممّا يستورد من خارج حدود الوطن!..

. . .

كان كاتب هذه السطور يتذكّر -وهو يتابع هذه الكلمة- أنّه ذات يوم سعى للحصول على ما عرف بالكتاب الأخضر بقلم زعيم عصره القذافي، وحاول كتابة نقد موضوعي للكتاب بمنظور ما تقول به العلوم السياسية والقانون الدولي له، فلم يستطع، إذ لم يجد شيئا ينقده، وبتعبير أصح: لم يجد مضامين على الإطلاق بل كلاما مصفوفا (دمّر بتطبيقه البلاد وقتّل العباد)، ومصير القذافي معروف، ولكن لن يكون مصير هذا الأسد الثاني بعد أربعين سنة أخرى، فقد مضت أربعينيته مع أبيه، ودنت نهايتها.. ليبدأ بالفعل إصلاح ما أفسداه، وقد أثبتت الثورة الشعبية البطولية في سورية ما كان معروفا، من قبل ولادة الأسد وأبيه، أنّ في هذا الوطن طاقات كبرى، يحملها جيل الثورة، بعد جيل الاستقلال، وأجيال سبقت، وسيحوّل من خلال طاقاته الكبرى حقبة أربعين سنة وزيادة من تسلّط استبداد قمعي همجي أثرا بعد عين في مسيرة ثمانية آلاف عام من التاريخ الحضاري لهذا الوطن وشعبه.