الحاجة ملحة لمنهج نقدي لدى الجميع ..

الحاجة ملحة لمنهج نقدي لدى الجميع ...

عقاب يحيى

استمعت اليوم للحلقة الرابعة من " شاهد على العصر" مع الشيخ عبد الفتاح مورو، نائب رئيس حركة النهضة التونسية ...

لفت انتباهي كثير في اقوال الشيخ، وتصريحاته العميقة، وأهم شيء ذلك العقل الجدلي، الحداثي الذي يفكر بطريقة مختلفة عن مألوف معظم رجالات الحركات الإسلامية.. وكأنه شيء آخر..يُمسك بزمام المنطق، والعقل الجدلي، ويوجّه انتقادات في الصميم للسائد من الفكر التقليدي وأخطائه، وكيف عملوا بجدّ ووعي على تجاوزه، والتأسيس لحالة" تونسية" منفتحة على معطيات العصر، ومتطلبات الوضع التونسي، وحاجات الناس العملية، وبما يتجاوز الاستقفاص في الشكليات، والاقتصار على الفقه، والعبادات.. إلى السياسة، والاقتصاد، والعمل النقابي، وبناء الإنسان الجديد وفق الواقع، وليس بطريقة ماضوية يجترّ فيها الانحباس، والركود لإنتاج كاركاتوراتها ..

ـ الحالة التونسية لحركة النهضة التي تترك تأثيرها المهم في عديد الحركات الإسلامية الصاعدة.. جديرة بالدراسة والاهتمام، وأكثر جدارة في دورها لصياغة مشروع نهضوي، حداثي .. خاصة وأن التطورات التونسية تشجّع على ذلك، وموقع" حزب العدالة والتنمية " في تركيا يمكن أن يشكل أنموذجاً..

ـ وكما كتبنا مراراً عن أسباب ذلك الانقطاع المضرّ الذي حدث لحركة النهوض والإصلاح الديني، وما تركه من آثار سلبية على الحركات السياسية الإسلامية ـ التقليدية ـ التي لم تنجح في مواصلة ذلك النهج وما قدّم، وعلى النظرة للإسلام بين اهله، وفي العالم، فإن الحاجة أمسّ الآن لبلورة حركات فكرية وسياسية معتدلة، ومتطورة، تمسك بزمام مشروع أصيل للأمة، اساسه افيمان بالتعددية، والحريات العامة والفردية، والتداول السلمي على السلطة، والاعتراف بالآخرين من اصحاب العقائد والأفكار، والاتجاهات المختلفة، وبحقوقهم الكاملة بعيداً عن روحية الاحتكار الاستبدادية، وادّعاء امتلاك الحقيقة، وتوظيف القدسي من قبل البشر لفرض منظومات يقودها بشر، وساسة، ومنح المرأة حقوقها الكاملة التي تتجاوز الشكلي، والترقيعي، والعموميات التي تجترّ التاريخ ولا تقونن وضعها في منظومات صريحة، وفي دستور البلاد على قاعدة المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، شأنها شأن جميع المواطنين على اختلاف أصولهم الإثنية والعرقية، ودينهم، ومذهبهم، واتجاههم الفكري والسياسي...

                                                   ***

الحالة التونسية، وعديد الإرهاصات المنتشرة في بعض البلدان العربية، لحركات إسلامية تعمل على التجديد، والإصلاح، والتطوير، وممارسة السياسة بما لها وعليها بعيداً عن المصادرة، واستخدام الدين، والله كملكية خاصة.... هي حالات مهمة يجب أن يستقبلها المختلفون معهم، وأخصّ بالذات الحركات العلمانية، واليسارية، والقومية، والوطنية.. وغيرها.. بمزيد التشجيع، والتفاعل، وبمزيد الحوار وصولاً إلى توافقات عامة حول المشتركات، وحول هوية، وحيثيات الدولة المدنية الديمقراطية، ومفاصلها، ودستورها، وقوانينها الناظمة.. بديلاً للأحادية، والاستبداد والفئوية .

ـ إن المنهج النقدي الواضح لدى الشيخ عبد الفتاح مورو مطلوب تعميمه لدى الجميع، وعهدم اقتصاره على الحركات الإسلامية فقط، بل إن الاتجاهات العلمانية وأشباهها، وبنات عمها، والقومية، واليسارية.. مطالبة، أيضاً، باعتماد ذلك المنهج : مدخلاً، وسبيلاً لمراجعات شاملة لخطابها وموروثها.. ولتأسيس خطاب ديمقراطي ينبت من هذه الأرض، ويستجيب لمكونات بناها، وجذورها، وحاجات الناس.. ومستقبلهم .