البحر في شوارع المدينة

يسري الغول

[email protected]

كان يبحث عن مكان حقيقي يحتفي فيه مع أصدقائه ورفاق دربه والمهتمين بالشعر والأدب بمجموعته التي صدرت عن دار رياض الريس بلبنان، فلم يجد غير المكتبة الوطنية بالكتيبة ملاذاً يطير إليه، وهناك غنى بقصائده للمدينة، وكان البحر يجوب أروقتها بحروفه الجميلة والمنتقاة جيداً. وهناك كان عازف العود أيمن أبو عبدو يلحن القصائد ويرسلها مع الريح إلى النافذة التي في قلب كل أسير.  

إياد البلعاوي أحد شبان غزة، شاعر له بصمته في مجال القصيد. كان يطمح لأن ينشر أعماله في دار نشر فلسطينية لكن الأمر غير متوفر في غزة، وكان يطمح لأن تتبنى مجموعته تلك أي من المؤسسات الرسمية أو الأهلية لتدعم مشروع النشر، ولكن كحال الجميع هنا، لا عزاء للأدب. فالأدباء آخر اهتمامات المؤثرين في السياسة الفلسطينية أو القائمين على أمر هذه البلاد مما اضطر شاعرنا أن يبعث بمجموعته إلى أحد أبرز دور النشر العربية (دار رياض الريس للكتب والنشر) ويقوم بطباعتها على أن يدفع جزءاً من المبلغ، وفعل فصدرت مجموعة (البحر في شوارع المدينة) بهية كأيقونة يتأمل جمالها العابرون على شفة الكلمات العميقة.

ولعل المعضلة أن الشاعر إياد البلعاوي، لم يستطع الحصول على عدد كبير من النسخ لتعسر احضار النسخ المحددة لاقتنائها من الدار، نظراً للتكاليف الباهظة التي سيدفعها جراء الشحن من لبنان إلى غزة المحاصرة. فاكتفى بالحصول على نسخ قلية لا تزيد عن خمسة نسخ.

وميماس التي تسعى لأن تكون بديلاً عن دور النشر العربية وصاحبها محمود ماضي، قامت بالتعاون مع الشاعر إياد البلعاوي لأن يصنعوا للقصيدة جوها وبرها في مبنى المكتبة الوطنية المدمر، نظراً لعدم توفر مكان مناسب من جهة ولأن القصائد تفوح منها رائحة الطين والدمار والعتمة أحياناً.

ولعل القارئ لا يعرف بأن ذلك المبنى المدمر مقابل الكتيبة، أو ما يتغزل به الشعراء (مبنى منصات احتفال الانطلاقة للأحزاب) هو أهم مكان فلسطيني بامتياز لأنه المكتبة الوطنية التي تمنح رقم الإيداع وحقوق الملكية الفكرية لكل كاتب وكتاب. ونظراً للانقسام والدمار الذي لحق به إبان الحرب على غزة نهاية عام 2008 فإن مبنى المكتبة الوطنية ظل متروكاً للفراغ مما حذا بالكتاب والشعراء لاستثمار المكان لأمسياتهم الشعرية والأدبية.

ولعلي في هذا الصدد أود القول بأن وزارة الثقافة الفلسطينية حاولت جلب الأموال لترميم وتشطيب أجزاء من ذلك المبنى عبر البنك الاسلامي للتنمية في جدة ولكن للأسف جميع المحاولات باءت بالفشل جراء الانقسام والحصار الذي حال دون دخول مواد البناء.

نحن بحاجة حقيقية لدور نشر، وبحاجة لمكتبة وطنية، وبحاجة لرعاية الأدباء والفنانين والمثقفين.

نحن-باختصار- بحاجة لمؤسسة ثقافية فاعلة تتبنى طموحات شباب غزة الإبداعية.