فضائيات الشرعية التي تزعج الإنقلاب العسكري على فقرها

قيل لجحا: «عد غنمك»، فقال مستخفاً بالطلب: «واحدة نائمة، وواحدة قائمة». وعندما تسمع بفزع الإنقلاب في مصر من فضائيات الشرعية ورفض الإنقلاب، ستظن أن هناك ترسانة إعلامية ستقتلع السيسي من فوق عرشه، وتلقيه في اليم، لكن الحقيقة، أنها أربع محطات تلفزيونية هي: «مكملين»، و»مصر الآن»، و»الثورة»، و»الشرق»، فقط لا غير!

بيانات سلطة الإنقلاب تؤكد أن هذه الفضائيات خمس محطات تلفزيونية، وفي لقاء أيمن نور مع مقدم البرامج بـ «مصر الآن» محمد ناصر، تعرضا لتقرير حكومي يقول إنها خمس، فقاما بعد القنوات على أصابعهما فوصلا في كل مرة إلى السبابة، وفشلا في التوصل للعدد الذي تعلنه تقارير جماعة الإنقلاب. وقد قلبت الأمر على كافة الوجوه، إلى أن توصلت إلى الفضائية التائهة، إنها «العربي»، التي قال القوم إن الإخوان من يقفون وراءها ويقومون بتمويلها!

«العربي»، لا تزال في مرحلة البث التجريبي، حيث تبث إرسالها من العاصمة البريطانية لندن، وهي تابعة للمؤسسة التي تصدر جريدة «العربي الجديد»، وقد سبق لعبد الفتاح السيسي نفسه، أن أعلن قبل عدة شهور أنها فضائية إخوانية، ومن الواضح أن تصريحه غاب عن ذاكرة ناصر ونور، وهما يقومان بعملية العد والإحصاء!

حينئذ، وعندما قال السيسي ذلك، أيقنت أن مصر فعلاً ليست محمية بأجهزتها الأمنية، وإنما هي كما يقول دراويش المتصوفة: «محمية ببركة أولياء الله الصالحين»، فالمذكور الذي كان يترأس واحداً من الأجهزة الأمنية المهمة، وهو الجهاز الحاكم الآن، لا يمكنه الوقوف على المعلومة الصحيحة، فلو كانت لدينا أجهزة أمنية جادة لوقفت على أن قناة «العربي» لا علاقة لها بالإخوان من قريب أو بعيد، وربما تقف هذه المحطة منه نفس المسافة التي تقفها من الإخوان، فالقائمون عليها يرفضون إنقلابه، كما يرفضون حكم الجماعة المذكورة!

طالت فترة «البث التجريبي» لتلفزيون «العربي»، لكن ما يبث على الشاشة لا يمكن أن يجعل أي جهاز أمني يعتقد أنها محطة إخوانية بأي درجة من درجات الملكية والولاء، لكن من الواضح أن الدولة المصرية في عهد الإنقلاب العسكري فقدت قدرتها على التوصل للمعلومات، فصرنا أمام حكم للهواة، يستقي المعلومات من المخبرين «السريحة»، على وزن الباعة «السريحة»، أي الجائلين!

لقد سبق للميس الحديدي أن صرخت عبر الأثير، صرخة مدوية، وهي تعلن أنها تعرف ماذا يفعل عملاء قطر الآن من الصحافيين المصريين الذين يقيمون في فندق «الشيراتون»، وأن هناك متابعة لهم في غرفهم بالصوت والصورة، في وقت كان فيه هذا الفندق قد أخلى النزلاء قبل عدة شهور على هذه الصرخة، وتتم إعادة تجهيزه وترميمه، وهو أمر يمكن أن يبعث على الخوف على مستقبل الدولة المصرية، التي تفتقد إلى المعلومات البسيطة، لولا شعورنا بالأمن لأننا ندرك أن المحروسة محمية ببركة أولياء الله الصالحين.

الفهلوة

ومن الواضح أن مجال جمع المعلومات في عهد الإنقلاب يغلب عليه «الفهلوة»، وإذ كنت قد شاركت قبل سنة ونيف في ندوة مصغرة في ماليزيا فقد أفزعني أن يتم النشر في القاهرة على نطاق واسع أن خالد مشعل قائد حركة حماس كان من بين المشاركين فيها، ولم يكن هذا صحيحاً البتة، وقيل إنها بتمويل من جماعة الإخوان المسلمين في وقت كان الإخوان ينظرون إليها على أنها عقدت بهدف بعث كيان جديد يهدد تحالف دعم الشرعية، ويعمل على إحداث انقسام في صف الثوار ولم يكن هذا صحيحاً أيضاً!

«الفهلوة» كانت وراء القول المتواتر بأن الإخوان هم من يمولون القنوات الخمس: «مكملين»، و «مصر الآن»، و»الشرق»، و»الثورة»، و»العربي»، وإذا استبعدنا الأخيرة التي ليست مشغولة بمبدأ عودة الشرعية، فإن الجنين في بطن أمه يعلم أن للإخوان المسلمين فضائية واحدة يتيمة هي «مصر الآن»، والبرنامج المهم فيها الذي يقدمه «محمد ناصر» يدار بشكل ليبرالي، ويستضيف من تنازل عن قضية الشرعية، بل وأحيانا يستضيف من يمثلون عبئاً على قضية رفض الإنقلاب، وأحد الضيوف الذي يعامل بتقدير بالغ، يمشي بين الناس بالنميمة، ولو تم توقيع الكشف الطبي عليه ولم يجدوا له مكاناً في مستشفى العباسية للأمراض النفسية، فإن من المؤكد أنه سيحصل رسمياً على شهادة «معاملة أطفال»!

هذا فضلاً عن أن قناة «مكملين»، تحرص على أن تكون بديلاً لقناة «الجزيرة مباشر مصر» فتقدم «الرأي والرأي الآخر» في برامجها. كما أن «الثورة» إذا استبعدنا منها برنامج صديقنا «محمد القدوسي»، لوقفنا على أنها قناة «سلفية»، صحيح أنها معول مهم في حملة هدم الإنقلاب، لكن لا يمكن أن يحسب رموزها على الإخوان، ولو سارت الأمور بشكل طبيعي، ولم يحدث الإستقطاب الذي جرى بعد نجاح الرئيس محمد مرسي في الإنتخابات الرئاسية، فلن تكون التيارات الدينية الأخرى التي يجري تقديمها عبر «الثورة» إلا منافساً للإخوان وفق قواعد الديمقراطية.

ويلاحظ أنه بعد الثورة مباشرة، فإن الإخوان استخفوا بهذا التيارات الدينية الأخرى، وفي الوقت الذي اتسعت فيه قوائمهم لوحيد عبد المجيد المنحاز للإنقلاب الآن، ولمرشحي حزب حمدين صباحي، وأخلوا الدوائر التي ترشح فيها زياد العليمي، ومصطفى النجار، ومصطفى بكري، وعمرو حمزاوي، فإن قوائمهم لم تتسع للشيخ محمد الصغير أحد نجوم قناة «الثورة» وأحد الركائز المهمة لرفض الإنقلاب، بل لم يخلوا له الدائرة عندما كان من المقرر أن يترشح على المقعد الفردي!

مقامات الأولياء

«الشرق» التي تعاني من ضائقة مالية، لازمتها منذ مرحلة النشأة والتكوين، وعادت للبث بعد توقف لأكثر من مرة بأموال المساهمين، هي مشروع لصاحبها الذي يرفض الإنقلاب ولكنه يعتبرها وسيلة لتحقيق هدفه في أن يكون مرشحاً رئيسياً في المستقبل، وهو بينه وبين الإخوان خلاف مكتوم يعرفه من يقترب من أطرافه، وقد عاصرت جانباً منه. وعندما تكون المعلومات التي سهرت على جمعها الأجهزة الأمنية تقول إن «الشرق» بتمويل إخواني، فلا يلام مثلي عندما يستقر في وجدانه «أن مصر محروسة بأولياء الله الصالحين».

ويقول عوام المتصوفة إنها محروسة بمقامات الأولياء، وهو ما لا نريد ذكره، حتى لا نستفز الخلايا السلفية النائمة، التي ترى أن الحديث عن المقامات والأضرحة فيه شبهة شرك بالله!

وإذا كان عبد الفتاح السيسي قد حل بعبقريته المعملية الفذة الإشكال فيما يختص بالملحدين، وقال إنهم لم يخرجوا من الإسلام، إلا أنه لم يفكر بعد في حل الإشكالات القديمة بين الصوفية والسلفيين!

ما علينا، فالإخوان المسلمون، لا يزال موقفهم من الإعلام «على قديمه»، فلم يؤمنوا بأهميته قبل الإنقلاب، فكانت لهم فضائية وحيدة متواضعة بعد الثورة هي «مصر 25»، لم ينتبه لها كثيرون إلا من خلال سخرية باسم يوسف من بعض مقدمي البرامج فيها. ورغم أن الإعلام هو من مهد الأرض للثورة المضادة، فإنهم إلى الآن لا يؤمنون بأهميته. مع أن إعلام الإنقلاب العسكري هو الذي جعل أنصار السيسي يؤمنون بأن استمرار حكم الرئيس محمد مرسي مما يهدد مستقبل مصر، وعندما تسأل أحدهم الآن: ماذا فعل السيسي الفاشل في البر والبحر؟ سيقول لك: يكفي أنه أسقط حكم الإخوان. وعندما تسأله عن الخطورة التي كان يمثلها حكم الإخوان على مصر بل وعلى المتحدث شخصياً؟ عندها يقع في «حيص بيص»، فقد كره الإخوان بسبب الإلحاح الإعلامي فتعامل هو على أن خطرهم بديهي يفاجأ عندما يبادر بسؤال عن هذا الخطر فيكتشف أنه لا يملك إجابة!

وربما تغيرت نظرة الإخوان إلى الإعلام بعض الشيء، لكن إدراكهم بأنه صناعة ضخمة لا تقدر عليه جماعة مهما كانت إمكانياتها، جعلهم يبدون في حالة استخفاف به، واعتمدوا نظرية «الشاطرة تغزل برجل حمار»!

في الواقع أن هذه النظرية هي الحاكمة في الفضائيات الأربع، على نحو جعل قوى الشرعية تشعر باليتم بعد إغلاق قناة «الجزيرة مباشر مصر»، والتي تركت فراغاً لم تملأه هذه الفضائيات الأربع، والتي تقوم كل قناة فيها على برنامج واحد رئيس، وباقي الوقت حشو، لكن المفاجأة في استشعار الإنقلاب العسكري في مصر القلق من هذه الفضائيات الفقيرة، التي لا تكفي ميزانياتها مجتمعة راتباً لمذيع واحد في فضائيات الإنقلاب.

واللافت أن الخوف من تأثير هذه القنوات، يأتي في وقت يملك فيه عبد الفتاح السيسي ترسانة من الفضائيات، هي الأكثر إنفاقاً، والأكثر استقراراً، ولهذا فإنه فعل كل ما في وسعه من أجل حصارها. فقد تآمر مع أهل الحكم في فرنسا فتم وقف بث قناة «رابعة» قبل أن تعود باسم جديد هو «الثورة»، وتم التشويش على الباقة، التي تبث «مصر الآن» ضمنها، فتوقفت لعدة أسابيع عن البث، وتمارس سلطة الإنقلاب التشويش كثيراً على قناة «مكملين»، وقد أوقفت بثها على مدار القمر «نايل سات» لساعات في الأسبوع الماضي!

كل هذا الفزع من أربع فضائيات فقيرة ومتواضعة على المستويات كافة، ومع ذلك فإن هناك من يقول إن حكم الإنقلاب في مصر مستقر!

إنه حكم تهدده فضائية، ويقلقه أحمد منصور، ويفزعه برنامج تلفزيوني، ويحتشد لمواجهة طالبة تحمل مسطرة عليها علامة رابعة. فيا له من إنقلاب أساء للإنقلابات العسكرية على مر التاريخ بضعفه.

وسوم: العدد 627