مائة عام بعد اتفاقية سايكس ـ بيكو، أمـا آن للعرب أن يستخلصوا الدروس ؟!

"الصحافة اليوم" – تونس

نظم مركز جامعة الدول العربية قبل أيام بمقر المركز لقاء بمناسبة مرور 100 عام عن اتفاقية سايكس  ـ بيكو بحضور عدد هام من الديبلوماسيين التونسيين والعرب والمختصين في العلاقات الدولية والعربية. الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية الدكتور عبد اللطيف عبيد عند افتتاحه لهذا اللقاء قدم الاطار العام لهذه الاتفاقية التي تستحق من الشعوب العربية التعمق باعتبار تداعياتها التي لا تزال نعيش على وقعها، شاكرا الدكتور بسام عبد القادر النعماني سفير الجمهورية اللبنانية بتونس على تفضله بقبول القاء محاضرة في المجال استنادا الى 25 خريطة تتعلق باتفاقية سايكس ـ بيكو.

المحاضرة التي القاها الدكتور النعماني جاءت تحت عنوان «الوطن العربي بعد 100 عام من اتفاقية سايكس ـ بيكو : قراءة في الخرائط» حاول من خلالها المحاضر التعرض الى الظروف التاريخية التي ساهمت في اعادة تقسيم الوطن العربي على خلفية المصالح الفرنسية والايطالية والروسية والبريطانية.

التعريف

في بداية المداخلة انطلق المحاضر بالتعريف باتفاقية سايكس ـ بيكو لسنة 1916 مشيرا الى انها عبارة عن سلسلة من الاتفاقيات والمفاهمات السرية بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الامبراطورية الروسية والهادفة الى اقتسام الامبراطورية العثمانية في منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، خاصة الى تحديد مناطق النفوذ في الدردنيل وغرب اسيا عند انتصار الحلفاء المتوقع في الحرب العالمية الاولى. وقد تم التوصل الى هذه الاتفاقية بين نوفمبر من عام 1915 الى ماي من عام 1916 من خلال مفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج ـ بيكو، والبريطاني السير مارك سايكس، ووزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف. وتوجت هذه المفاوضات بتبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبرطانيا وروسيا القيصرية، حيث كانت التسمية الرسمية انذاك هي «اتفاقية اسيا الصغرى، لكن الاسم الذي التصق بها واصبح اكثر شيوعا هو «اتفاقية سايكس ـ بيكو».

ولاحظ انه سبق توقيع هذه الاتفاقية التوصل الى اتفاقيتين سريتين اخريين هما «اتفاقية القسطنطينية» في شهر مارس 1915، و«مذكرة لندن» في افريل 1915. وعندما علمت الدبلوماسية الايطالية بشكل ما بهذه الترتيبات، طلبت الانضمام اليها بشكل سري تم تكريسه لاحقا في اتفاقية رابعة هي «معاهدة سانت جان دي موريان» في جوان 1917، مبينا ان فرنسا وبريطانيا تنصلتا لاحقا من تنفيذها. وعندما استولى البلاشفة على الحكم في روسيا في العام 1917، قاموا بالكشف عن مجمل هذه الاتفاقات السرية الاربع، مما اثار ضجة عالمية كبرى.

اثر ذلك اعلنت روسيا الشيوعية عن انسحابها وتخليها عن هذا الاتفاق الثلاثي، ليشار الى مجمل هذه الاتفاقات وعلى سبيل الاختصار بـ «اتفاقية سايكس ـ بيكو» لأنها اصبحت محصورة ثنائيا بين الطرفين الاثنين : بريطانيا وفرنسا.

رد الفعل العربي

بخصوص ردود الفعل الشعبية ـ الرسمية العربية المباشرة انذاك، افاد المحاضر انها كانت تعكس حالة من خيبة الأمل العميقة من الوعود البريطانية المخالفة التي وردت في مراسلات حسين ـ مكماهون والتي تبنت الاعتراف بدولة عربية مستقلة واحدة في حال ثار العرب على الاتراك، لا سيما وان الكشف عن هذه الاتفاقات السرية قد جاء بعد اسابيع قليلة من صدور اعلان بلفور الذي تعهدت فيه بريطانيا بتسهيل اقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.

وكانت روسيا قد حصلت في الاتفاق الثلاثي على القسطنطينية (اسطنبول) وضمنت سيطرتها على ضفتي البوسفور ومساحات كبيرة في شرق الأناضول في المناطق المحاذية للحدود الروسية التركية، أما منطقة الهلال الخصيب فقد تم تقسيمها وتحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة أي كل المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت ادارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا، على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.

تعدد المراسلات والمذكرات

لاحظ المحاضر أنه في 18 مارس 1915، بعد ان تم تبادل عدة مذكرات ومفكرات رسمية بين وزراء خارجية روسيا وانقلترا وفرنسا وبين سفرائهم المعتمدين في عواصم الدول الثلاث، منحت فرنسا وبريطانيا بموجبها ضمانات بالموافقة على سيطرة روسيا القيصرية على القسطنطينية والمضائق بعد انتهاء الحرب، مع ابقاء القسطنطينية مدينة حرة، ولهذه الاسباب جمعاء سميت هذه الاتفاقية الأولية بـ «إتفاقية القسطنطينية».

واضاف انه عندما علمت الدبلوماسية الايطالية بتوقيع «اتفاقية القسطنطينية»، طلب وزير الخارجية الايطالي البارون سيدني سونينو الانضمام اليها كثمن للتخلي عن التحالف مع المانيا والانضمام الى الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، على ان تحصل ايطاليا في مقابل ذلك على اراض في الاناضول وفي البحر الادرياتيكي. عقب ذلك التوقيع على معاهدة سرية ثانية اكثر تفصيلا بين الدول الاربع في 25 افريل 1915، سميت بـ «مذكرة لندن»، نصّت على حق روسيا في الاستيلاء على المضائق التركية والمناطق المجاورة لها، وهي بحرا مرمرة والدردنيل، وجزء من شاطئ اسيا الصغرى، مقابل أن تصبح القسطنطينية مدينة حرة، وضمان حرية الملاحة في منطقة المضايق، وان تعترف روسيا بحقوق بريطانيا وفرنسا الخاصة في اقاليم تركيا الآسيوية، على ان تحدد هذه الحقوق فيما بينهما بمقتضى اتفاق خاص، وكذلك ان تخضع الأماكن المقدسة وشبه الجزيرة العربية لحكم اسلامي مستقل، وان يضم جزء من ايران الى منطقة النفوذ البريطانية. وحيث ان روسيا كانت توجه معظم قواتها العسكرية الى الجبهة الشرقية ضد المانيا، فهي كانت حريصة على ان تضمن حقوقها في الدردنيل قبل ان يقوم الحلفاء بشن حملاتهم العسكرية ضد الأتراك.

الا ان بريطانيا كانت تواجه موقفا عصيبا منذ بداية عام 1915، بعد ان فشلت حملتها العسكرية في العراق واستسلم جيشها المحاصر الى العثمانيين، وزاد ضغط القوات التركية على منطقة قناة السويس، كما فشلت حملة البريطانيين ودول الكومنولث ضد منطقة المضايق التركية. فأصبحت مقتنعة بان تعاون العرب مع القوات البريطانية هو أمر حيوي. لذا عملت بريطانيا على استمالة الشريف حسين حاكم الحجاز اليها، حيث بدأت بينه وبين المعتمد البريطاني في مصر هنري مكماهوت مكاتبات ومراسلات عرفت باسم «مراسلات حسين ـ مكماهون». كانت بريطانيا تهدف من ورائها الى دفع العرب للثورة على الأتراك، مما سيؤدي الى التقليص من مصداقية اعلان السلطنة العثمانية «الجهاد» ضد قوات الحلفاء. في هذا السياق لاحظ المحاضر ان الحسين، لم يكن يهدف الى استقلال محدود له في الحجاز كما كان يتوقع منه البريطانيون، بل اعلن انه يهدف الى اقامة دولة عربية تشمل العراق والشام والحجاز. وقد وعد مكماهون في النهاية في رسالته بتاريخ 24 اكتوبر 1915، وباسم الحكومة البريطانية، بان بريطانيا ستعترف باسيا العربية كاملة دولة عربية مستقلة اذا شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية.

دخول بيكو على الخط

من جهة اخرى افاد المحاضر انه في هذا السياق الزمني، كانت المفاوضات الفرنسية ـ البريطانية ـ الروسية مستمرة على وتيرتها، فعينت الحكومة الفرنسية في نوفمبر 1915، فرانسوا جورج ـ بيكو، قنصلها العام السابق في بيروت، مندوبا ساميا لمتابعة شؤون الشرق الأدنى ومفاوضة الحكومة البريطانية في مستقبل البلاد العربية. وما لبث ان سافر الى القاهرة، واجتمع بالسير مارك سايكس المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى، وتوصل الاثنان، باشراف مندوب روسيا، لشبه اتفاقية رسمت الخطوط الاولية لتقسيم المنطقة العربية في سوريا وبلاد الرافدين. ثم انتقل الدبلوماسيان الى مدينة سانت بطرسبورغ في جانفي 1916، من اجل التفاوض مع وزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف، واسفرت هذه المفاوضات بعد عدة اشهر عن اتفاقية ثلاثية في 16-9 ماي 1916، تتلخص في مذكرات ثنائية متبادلة بين وزراء خارجية الدول الثلاثة وسفرائهم المعتمدين لتحديد مناطق نفوذ كل دولة استنادا الى خرائط جغرافية تضبط التالي :

ـ استيلاء فرنسا على غرب سوريا ولبنان وولاية اضنة في منطقة جرى تلوينها على الخريطة باللون الأزرق وسميت بـ«المنطقة الزرقاء» من دون تحديد ماهيتها في الاتفاقية.

ـ استيلاء بريطانيا على منطقة جنوب واواسط العراق بما فيها مدينة بغداد، وكذلك ميناء عكا وحيفا في فلسطين جرى تلوينها على الخريطة باللون الاحمر وسميت بـ «المنطقة الحمراء».

ـ استيلاء روسيا على الولايات الارمنية في تركيا وشمال كردستان (جرى تلوينها بشكل لاحق على الخريطة باللون الأصفر). واعترفت المعاهدة كذلك بحق روسيا في الدفاع عن مصالح الارثوذكس في الأماكن المقدسة في فلسطين.

ـ المنطقة المحصورة بين الأقاليم التي تحصل عليها فرنسا، وتلك التي تحصل عليها بريطانيا تكون اتحاد دول عربية او دول عربية موحدة برئاسة حاكم عربي، ومع ذلك فان هذه الدولة تقسم الى مناطق نفوذ بريطانية تم تحديدها في الخريطة بحرف «B»، وفرنسية تم تحديدها بحرف «A». ويشمل النفوذ الفرنسي شرق سوريا وولاية الموصل، بينما النفوذ البريطاني يمتد الى شرق الاردن والجزء الشمالي من ولاية بغداد وحتى الحدود الايرانية.

ـ يخضع الجزء الباقي من فلسطين لادارة دولية وجرى تلوينها باللون الأسمر.

ـ يصبح ميناء الاسكندرونة حرا.

‎وحيث ان «معاهدة لندن» في أفريل 1915 لم تكن شديدة الوضوح في تحديد مناطق النفوذ الايطالية فقد طلب وزير الخارجية الايطالي توقيع اتفاقية جديدة مع فرنسا وبريطانيا (كانت روسيا قد بدأت تمر بمخاض الثورة التي أطاحت بالقيصر في سنة 1917) سميت بـ«اتفاقية سانت جان دي موريان» بتاريخ 26 أفريل 1917 وفيها تم تعويض ايطاليا بمنطقة أضنة في الآناضول التركية وبهذه الاتفاقية الرابعة اكتمل عقد الاتفاقيات السرية حول تقسيم الدولة العثمانية.

في ختام تدخله لاحظ المحاضر أن اتفاقية سايكس بيكو (أي نصوص المواد الـ12 التي حوتها المذكرات الثنائية بتاريخ 9 ـ 16 ماي 1916 مضافا اليها الخريطة التي ارفقت بالمذكرات وهي التي وقعها سايكس وبيكو تمت في سرية تامة وبمعزل عن الشريف حسين الذي لم يكن يعلم عن الاتفاقية او الخريطة شيئا، رغم ان سايكس وبيكو اجتمعا بالشريف حسين بعدها بأيام وطلبا منه ضرورة مساعدة العرب للحلفاء في الحرب وكانت مراسلات حسين ـ مكماهون قد تطرقت الى «مصالح فرنسا» ومصالح بريطانيا في بعض المناطق ولكنها لم تعلن جهارا بأنه هنالك مشروع لوضع اليد ولتقسيم المنطقة بين الدولتين دون اغفال المناطق الاخرى التي كانت ستخضع لروسيا وايطاليا ولم يعلم الشريف بالاتفاقية الا بعد قيام الثورة البلشيفية في روسيا في 1917 واعلان الشيوعيين عن المعاهدات السرية التي وقعتها روسيا القيصرية ومن بينها اتفاقية «سايكس ـ بيكو» وقد سارع الشريف حسين بتقديم احتجاج الى السلطات البريطانية لكنها طمأنته بأنها ملتزمة بالعهود التي قطعتها معه، فمضى في تأييدها ومساندتها واستمر في ثورته ضد الاتراك على الرغم من ان وعد بلفور بتسهيل اقامة وطن قومي يهودي في فلسطين كان قد صدر في ذات الوقت أي في نوفمبر 1917.

النقاش

اثر المداخلة فتح باب النقاش حيث علق الحاضرون على هذه الاتفاقيات والمعاهدات التي تمت في ظروف تاريخية تم التمهديد لها منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر وعلق بعض المتدخلين على ضرورة الاتعاظ بالدروس التاريخية التي يمكن استخلاصها من المباحثات التي أفرزت تقسيما جديدا للمنطقة العربية واستشهد البعض الاخر بما حدث في العراق وسوريا في حين عرج البعض الآخر الى التهديد الداعشي في المنطقة وضرورة التصدي له.

وسوم: العدد 659