الإسلام في أفريقيا الحلقة (16)

قاضي إفريقية وعالمها

أبو محمد خالد بن أبي عمران التجيبي

(الحمد لله الذي فتق عن أكمام الغفلة نور الإخلاص، والحمد لله الذي كشف رين القلوب بنور اليقين، والحمد لله حمداً دائماً بدوام ربوبيته، والحمد لله كما يجب له على جميع خلقه، سبحان الله وبحمده تسبيحاً يبلغ أقطار السماوات السبع ومن فيهن، وسبحان الله وبحمده من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم، رب إني إن انقطع أملي من عملي لم ينقطع أملي منك، فحقق رجائي ولا تحقق حذري، واستر عورتي، وسكّن روعتي. أنت دليلي، إليك أشكو بثي وحزني وفاقتي وفقري، فيا حزني في قلة شكري، ويا حزني إن أصبت بنفسي وأنت غير راضٍ عني، فلا تعذبني بالنار بعد إذ أسكنت توحيدك قلبي، فإنك إن عذبتني بالنار جمعت بيني وبين قوم عاديتهم فيك، اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وفي القبر وحشتي، وبين يديك ذل مقامي، اللهم إني أعوذ بك أن يُفرط عليَّ وعلى ولدي وأهلي، أو أن يطغى علينا. جل جلالك، وعز جارك، وتبارك اسمك. هذا مقام العائذ بك، الهارب إليك، يا وارث أيام الجبارين يا رحمن الدنيا والآخرة. اكفنا البلاء كله، عاجله وآجله. وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم).

كان هذا دعاء عالمنا أبي محمد الذي خطه محمود المتعبد بقصر المنستير.

كان خالد بن أبي عمران من العلماء الراسخين في العلم، والعبّاد المجتهدين. والذي اشتهرت إمامته بالمشرق والمغرب.

اشتهر أبو محمد بإجابة الدعوة، وكان أكثر إقامته بتونس، وكانت وفاته بها سنة خمس، وقيل سبع وعشرين ومئة (127هـ/744م)، والله أعلم.

وكان أهل إفريقية وجهوا به إلى يزيد بن عبد الملك، وهو الخليفة يومئذ، يخبره بقتل يزيد بن أبي مسلم عامله على إفريقية، فلما وصل إليه قربه وأدنى مجلسه واستشاره فيمن يوليه، فأشار عليه، فقبل قوله. وقال زفر بن خالد الصدفي: إن الصفرية(طائفة من الخوارج) لما خرجوا بإفريقية يوم (القرن) برز إليهم خالد بن أبي عمران.

فبرز إليه ابن عم عبد الواحد الزناتي الصفري، وهو رئيسهم، فقتله خالد بن أبي عمران. وكانت له مقامات في الدين، شهد بها مغازي كثيرة وأبلى فيها بلاء كبيرا.

فضل خالد بن أبي عمران ومناقبه

قال حيوة بن شريح: بُعث إلى خالد بن أبي عمران ليتولى القضاء فانضم إليه رجل في طريقه، قال: فقال له: يا أبا خالد، بعث إليك هؤلاء القوم؟ قال: نعم، قال: أرادوك على ماذا؟ قال: أرادوني على القضاء. قال: أما علمت أن الله تبارك وتعالى إذا لم يكن له بالعبد حاجة نبذه إليهم؟ قال: ثم التفت فلم ير أحداً.

وروى إدريس أن موسى بن نصير قال لأم ولده: اتخذي خالد بن أبي عمران ولداً. قال: فأرسلت إليه بوصائف ووصفاء، فرد هديتها. قال: فقال له الرسول: ومن يجترئ يرد على فلانة أم ولد الأمير هديتها؟ قال: فأغلق الباب في وجهه، فلما رأى ذلك الرسول رجع بالهدية إليها، فقالت للرسول: (ويحك! لعله استقلها؟ ثم أرسلت إلى ابن أبي عمران فجاء، فقالت له: لم رددت علينا هديتنا، لعلك استقللتها؟ ثم قالت له: إن سيدي أمرني أن أتخذك ولداً، لأنفعك، فقال لها: فمن أين هذا الذي بعثت به؟ فقالت له: أكلم سيدي في الرجل فيعقد له الولاية، فيرسل إلي بالرأس والرأسين. قال: فقال لها خالد: بخ! خالد بن أبي عمران يغزو فلا يدركه في سهمه إلا كذا وكذا - بشيء يسير سماه - وأنتم تأتيكم الدنيا هكذا ؟ ثم أفرغ عليها المواعظ، فوعظها. قال: فجاء موسى بن نصير فدخل عليها فلم تأخذ له أهبة. فقال لها موسى: لعل خالد بن أبي عمران دخل عليك؟ فقالت: نعم.. فقال: إن الحق ما قاله لك، فاقبليه. وكانت وفاته سنة (127هـ/744م).

رحم الله قاضي إفريقية وأسكنه فسيح جناته وتقبل منه جهاده للمارقين، وعمله في سبيل الإسلام وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسوم: العدد 669