القَبَلِيَّةُ..وَ الرَقَمِيَّةُ

د. حامد بن أحمد الرفاعي

تترددُ اليوم على ألسُن المفكرين وتخطُ أقلامهم عبارة(من القبلية إلى الرقمية) وهي عبارة جميلة وأحسب أن مقاصدها عند الغالبية منهم حسنة ونبيلة..والمتأمل للعبارة..يجد أنها رغم جمال وعذوبة جرسها اللغوي الممتع..تحمل مع طيب نسائم ونفح شذاها معاني سلبية..تتيح للبعض ممن في قلوبهم مرض أن يستغلها ليوظفها ويستخدمها استخداماً سلبياً مضاداً..فيقول فيما يكتب ويطنطن"أن نهضة الأمم تكون مع التحول بالمجتمعات من القبلية إلى الرقمية"فالقبلية عندهم تخلف والرقمية حداثة وتقدم..وهم بذلك ينتهكون قدسية القبلية بصفتها مسمى رباني جليل راشد لقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" فالقبلية هي أجلُّ وأنبلُ وأعظمُ نظامٍ عالميٍّ إنسانيٍّ..أساسه ومبناه الأسرة المؤسسة على التزاوج الشرعي بين الرجل والمرأة..فالقبلية نظام أسري قائم على وشائج المودة والرحمة والتعاون والتكامل بين مسؤوليات الحياة لقول رسول الهدى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :"أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ،وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ،وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ،وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ،أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ،وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"ومرة زارنا في جدة وفد نسائي من مجلس الأمن القومي الأمريكي برئاسة السيدة/جيبنا بروكربي مستشارة الرئيس بيل كلنتون..وسألت بروكربي عن حال المرأة في السعودية..فقلت:الجواب في جملة واحدة فإن أدت الغرض فذاك خير..وإلا فتحنا الملف الذي أعددناه لمثل هذا السؤال..قالت:دعنا نسمع الجملة..قلت:(الأسرة في الإسلام والسعودية- دستورها القرآن -هي اللبنة الأساس في بنية وصلابة جدار أمننا القومي..والمرأة هي الركن الأقوى والأهم في تكوين هذه اللبنة) قالت:بكل تأكيد إنها عبارة جميلة ودلالاتها نبيلة ولكن كيف..؟قلت:الإسلام أقامة توازنية دقيقة وعادلة بين مسؤوليات المرأة في الأسرة والمجتمع..فلم يحصر مسؤولياتها في البيت على حساب حاجات المجتمع إليها..ولم يدفع بها إلى مسؤوليات المجتمع على حساب مسؤوليات الأسرة..قالت:وهل تريدني أن أعود إلى البيت..؟قلت:وهل عملك في المجلس هو على حساب مسؤولياتك في البيت..؟فقالت:لا..قلت:إذاً أنت مع الدستور الإسلامي فيما يريد أليس كذلك..؟قالت:حجة قوية لا ترد..ثم قالت:وهل أنتم على مثل هذا التوازن بين مسؤوليات الرجل والمرأة..؟قلت:لم نصل بعد إلى الكمال ولكن حسبنا اننا ماضون إليه بعون الله..أردت بذلك التأكيد بأن المقابلة بين القبلية والرقمية قد يوحي-وقد كان من البعض -أنه مقابلة بين التخلف والتقدم وبين الجمود والارتقاء والإبداع..لذا أنصح وأقترح بأن يُعاد النظر في العبارة لتكون:(التكاملُ بين التأصيل القبلي والإبداع الرقمي) والله تعالى من وراء القصد وهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل.

وسوم: العدد 670