مصر التي كانت

أسطر قليلة نعيش فيها ماورد في وصف مصر من شاهد عيان روي مشاهداته في القرن الخامس الهجري.

نقتطفها من رحلة الشاعر والفيلسوف الفارسي "ناصر خسرو" المدونة في كتابه (سَفَر نامة) ، بدأها من مدينة "مرو" في فارس إلي بلاد الشام ومصر والحجاز وغيرها واستمرت سبعة أعوام من عام (437-444هـ) وهذه الرحلة من أقدم وأهم رحلات العصور الوسطي، ويعتبر وصفه للقاهرة أقدم وصف لشاهد عيان حيث تمت بعد حوالي مئة عام من تأسيسها وكان ذلك في عهد الخليفة الفاطمي "المستنصر".

جاء في وصف عمران القاهرة ونظافتها ورُقيها:

(معظم العمارات تتألف من 5 أو 6 طوابق وبعضها يصل إلي 14 طابقا، وكانت البيوت من النظافة والبهاء بحيث تقول إنها بُنيت من الجواهر الثمينة لا من الجِص والآجُر والحجارة، وهي بعيدة عن بعضها، فلا تنمو أشجار بيت علي سور بيت آخر ... وكثير من سقوف بيوتهم حدائق أكثرها مثمر، وهم يشترون الشجر في أصُص فإما يستمر في الأُصُص أو يُنزَع منها ويُغرس في الأرض ، ولم أر هذا النظام في أي مكان آخر ، ولم أسمع به، والحق أنه نظام جميل جداً.)

وكتب عن أمانة أهلها والأمن والأمان الذي يعمهم:

(وتجار مصر يَصدقون في كل ما يبيعون ، وإذا كذب أحدهم علي مُشتَرٍ ، فإنه يوضع علي جمل ويُعطي جرسا بيده ويطوف به في المدينة وهو يدق الجرس وينادي قائلاً: قد كذبت وها أنا أُعاقب وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب.)

(بلغ أمن المصريين واطمئنانهم إلي حكومتهم إلي حد أن البَزَّازين (تجار الثياب) وتجار الجواهر والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر، ولم يكن أحد يجرؤ علي مد يده إلي شيء منها .)

ووصف رغد العيش الذي كان يعيش فيه أهل مصر:

(وكان أهل مصر في غني عظيم حيث رأيت أموالاً يملكها بعض المصريين لو ذكرتها أو وصفتها لما صدقني الناس في فارس ، فإني لا أستطيع أن أحدد أموالهم أو أحصرهم . أما الأمن الذي رأيته هناك فإني لم أره في بلد من قبل.)

وعن علاقة الحاكم بالمحكوم:

(كان الناس يثقون بالسلطان ، فلا يخشون الجواسيس ولا الغمازين (الوشاة) ، معتمدين علي أن السلطان لا يظلم أحدا ولا يطمع في مال أحد .)

وقد ذكر تعدي خير مصر لما حولها من بلاد:

(وكان لكل مسجد في جميع المدن والقري التي نزلت بها من الشام للقيروان نفقات تقدمها مصر من زيت السُرُج والحصير وسجاجيد الصلاة ورواتب القُوَّام والفراشين والمؤذنين وغيرهم هذا بخلاف كسوتين للكعبة كل عام .)

(وهاجر إلي مصر من الحجاز هذا العام 440هـ خمسة وثلاثون ألف آدمي ، فكساهم السلطان وأجري عليهم الرزق سنة كاملة وقد كانوا جميعا جائعين عرايا، ولما أمطرت السماء في بلادهم وكثر فيها الطعام كساهم السلطان صغيرهم وكبيرهم وأغدق عليهم الصِلات ثم أعادهم للحجاز.)

هذا بخلاف وصفه لبديع صنائعها من فاخر الثياب واتساع أسواقها وشوارعها ووفرة مياهها وزراعتها، وكثرة حماماتها العامة وكثير أوقافها ومنها وقف صهاريج عظيمة لحفظ الماء لتوزيعها مجانا للفقراء والغرباء.

هذا بعضاً مما ورد في وصف مصر عامة والقاهرة علي وجه الخصوص.

نستخلص من هذا الوصف ماكانت عليه مصر في ذلك الزمان، ونموذج لمدينة القاهرة كشجرة باسقة من غرس الحضارة الإسلامية منذ أسسها القائد الفاطمي "جوهر الصقلي"، ففي آثارها تجد كل خصائص الحضارة الإسلامية والتي نختصرها في عجالة بثقافة الجمال الذي رأيت أثره في وصف منازلها واهتمام أهلها بتجميل منازلهم حتي الأسطح بالزروع والنباتات، وثقافة الأخلاق الإسلامية الراقية الظاهرة في وصف خلق الأمانة وعموم الأمن والسلام ، وثقافة الأخوة الإسلامية التي جعلت يد مصر ممدودة بالخير لشقيقاتها.

ورأيت في وصفه معلما من معالم الخير في الحضارة الإسلامية وهو الوقف علي أعمال الخير، ووصفه لمعلم وجد حيث وجِدَت حضارة الإسلام دون غيرها في أوروبا والشرق الأقصي وهي الحمامات العامة .

هذه هي حضارتنا وآثارنا الدالة علي خيرية هذه الأمة .

ونستخلص أن شعوبنا تحمل إرثاً ثقافيا وحضارياً يضعها في قمة هرم الشعوب الراقية متي وجدت القيادة الصالحة التي تستثمر تلك الكنوز الثقافية الكامنة في ديننا وتاريخنا وتستخرج طاقات الخير الكامنة فيها.

وسوم: العدد 730