الصحوة من أين .. وإلى أين..؟

د. مجاهد بن حامد الرفاعي

الصحوة ا لإسلامية .. مصطلح نحته بعض من يسمون أنفسهم ( الإسلاميون ) ليميزوا به أنفسهم عن عموم المسلمين .. لزعمهم واعتقادهم أنهم الأكثر إحاطة بحقيقة الإسلام .. والأكثر فهماً لقيمه ومقاصد رسالته الربانية السمحة .. بل والأدق أداءً والأخلص تطبيقاً وتنفيذاً لأحكامه وتعاليمه .. وأنهم الأعلى أمانة في الحفاظ على سلامة بيضته وقدسية حرمته .

ويرتكزون في ذلك كله على اعتقادهم .. أن خيريّة الأمة المسلمة توقفت ، وغابت مع نهاية العهود الراشدة ( العهد النبوي ، وعهود أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله عنهم ) ولاعتقادهم أن دولة الإسلام اليوم غائبة لا وجود لها في الأرض؟! ولاعتقادهم .. أن غياب ما يسمونه ( الخلافة العثمانية ) كان آخر وجود للدولة الإسلامية ، وهذا مما يتناقضون به مع أصل طرحهم لمقولة (غياب دولة الإسلام مع انتهاء العهود الراشدة ) .

وبهذا الطرح .. فتحوا باباً لفتنة هوجاء ، وصراع محموم بين تيار عموم الأمة الذي يسمونه - ظلماً وعدواناً - ( تيار الغفلة بل وتيار الجاهلية ) وبين تيار ما سمونه ( تيار الصحوة الإسلامية ) الذي يمثلونه ويقودون فعاليات تحقيق أهدافه وغاياته .. وهو - بزعمهم - إحياء إقامة دولة الإسلام الراشدة الغائبة غيبة ( الامام الغائب عند فئة أخرى تعاني مثلهم بلوثة الهوس .. بأنهم التيار المنتظر لعودة الإسلام الصحيح ؟!! ) .

وبعد فإنني أحسب ما تعاني منه الأمة العربية والإسلامية اليوم  .. من أزمات فكرية وصراعات وإبادات وجرائم انهكت الأمة ودمرت دولها ومجتمعاتها .. إنما يأتي نتيجة نكدة لهوس طروحات ما يسمى ( جيل الصحوة ) الذي بحقيقته هو ( جيل الغفوة ، والجفوة ) وهذا ما أدخل أجيال الأمة العربية والإسلامية في حالة من الغربة والجفوة مع التاريخ الحضاري الوضاء لمسيرتها .. وفي حالة من الخصومة بل والعداء المفتعل بين الأجيال ودولهم ومجتمعاتهم .. وما الواقع المؤلم المدمر الذي تمر به الأمة .. إلا ثمرة مرة ونكدة لهوس طروحات ما يسمى ( تيار الصحوة ) المزعوم .

وبعد فإن من واجب كل الفعاليات الفكرية والثقافية .. أن تتصدى لتصحيح هذه الظاهرة المتشنجة المأزومة الغريبة كل الغربة عن منهجية الإسلام الراشدة .. في مواجهة كل أسباب التخلف والضعف التي تمر بها الأمم .. وأمتنا ليست استثناء من سنن الأداء البشري .. وواقعنا التاريخي مع تعاقب الزمان وتبدل الأحوال يشهد بذلك ويؤكده .. فالأمة مرة بأحوال من الضعف والقوة .. والتقدم والتقهقر شأننا شأن كل الأمم .. إلا أننا أمة لا تزول ولا تندثر- بعون الله تعالى- لأنها تحمل سر بقائها واستمرار وجودها وعطائها بصحة إيمانها واعتقادها وتمسكها بقيم دينها ومقاصد رسالته الربانيّة السامية السمحة الخالدة .. ومن النتائج المدمرة التي أفرزتها طروحات الهوس الفكري لأتباع ما يسمى (تيار الصحوة ) وهم يجلدون الأمة ويسفهون حالها بحقد وغضب أرعن .. انبهار أجيالنا بالحضارة الغربية ومنجزاتها المادية .. والتعلق بطروحاتها الفكرية والسياسية على ما فيها من اضطراب ودخن وألغام مدمرة لأمن واستقرار المسيرة البشرية .. وكذلك صرف اهتمام أجيالنا عن تأمل صروح المنجزات الحضارية الرائعة لمسيرة أمتنا في ماضيها وحاضرها .. وتشجيعهم على التأسي بما أنجزه الآباء والأجداد وليفعلوا فوق ما فعلوا .. وليحصنوها من كل أسباب الغثائية .. وليمدوا مسيرتها بكل عوامل النهضة والارتقاء والإبداع .. ولتمضي في استئناف مسيرتها  الحضارية الراشدة .. المتميزة في عدلها واعتدالها ، والمتميزة في شموليتها وتكامل نهجها بين ( عالم الغيب ، وعالم الشهادة ) والتكامل بين (عالم القيم والمبادئ والأخلاق ، وعالم الماديات والوسائل والمهارات ) والمتميزة في شمولية نفعها الإنساني .. لا تحتكر الخير ولا تحجبه عن الناس .. تتعاون مع الآخر ولا تتصادم معه .. وتتنافس وتتسابق مع الآخر في فعل الخير ، ولا تبخسه أشياءه .

وختاما .. أستشهد بالرسالة التي كتبها منذ أيام سيدي الوالد الحبيب المفكر الكبير فضيلة البروفيسور الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي .. تحت عنوان ( الأداء المشترك ) وإليكم نصها :                             

ما هي معاييرُ وضوابطُ الأداءِ المشتركِ معَ الآخرِ ..؟

هُناكَ - بفهمي- مِعياران رئيسان للسيرِ الحضاريِّ المشترك الراشدِ معَ الآخرِ وهي : مِعيارٌ عقديٌّ دينيُّ ومِعيارٌ عِلميٌّ دنيويٌّ .. ما يتعلقُ بالمعيارِ العَقديِّ الدينيِّ .. فقد حسمَ الإسلامُ أمرَ الجدلِ بشأنِه فقالَ جلَّ شأنُه : "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِين" وأمَّا ما يتعلقُ بالمعيارِ العلميِّ الدنيويِّ .. فقد وضَّحَه اللهُ تعالى بنصوصٍ قُرآنيِّةٍ عَديدةٍ منْها قُولُه تعالى : "قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" و قُولُه سُبحانَه "مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُون" .

 

ومنْ جهةٍ أخرى فهُناكَ نوعان من العبادةِ في الإسْلامِ : ( عِبادةٌ روحيِّةٌ وعِبادةٌ عِمرانيِّةٌ ) فالعبادةُ الروحيِّةُ تُمثِّلُ خُصوصيِّةَ علاقة الإنسانِ بربِه وفِقَ دينهِ ومُعتقدهِ .. وهذا مِمَّا هو موضعُ اختلافٍ وجدل بينَ أتباعِ الأديانِ .. والإسلامُ حسمَ الجدلَ فيه بقولِه تعالى : "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" أما العِبادةُ العِمرانيِّةٌ فهي : الانصياعُ لإرادةِ اللهِ سُبحانَه بالنهوضِ بأمانةِ الاستخّلافِ في الأرضِ وعِمارتِها وفق ما يُحققُ : معاييرَ قدسية حياةِ الإنسانِ وكرامتهِ وحريّته ومصالحهِ وسلامةِ البيئةِ ( بشقيها المادي والاجتماعي ) وعدمِ إفسادِها .. وهذه العبادةُ هي الميدانُ المشتركُ معَ الآخرِ في الحياةِ الدُنيا لِقولِه تعالى : "لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون" وهذا يُؤكِدُ أنَّ معيارَ الأداءِ الراشدِ معَ الآخرِ هو التنافسُ والتسابُقُ في عَملِ الخيرِ .. منْ أجلِ إقامةِ الحياةِ الكريمةِ للإنسانِ في هذه الدُنيا .. أمَّا الآخرة فأمرُها إلى اللهِ جلَّ شأنُه.

وسوم: العدد 745