العلاج بواسطة الرواية - حوار فن توازن للحياة-

clip_image002_79088.jpg

د. عبد الرحمن خوجا

القدس: 1 نوفمبر 2018، حاضر الدّكتور عبد الرحمن خوجا أخصائي علم النفس في ندوة اليوم السّابع حول موضوع "العلاج بواسطة الرواية - حوار فن توازن للحياة-"

أسهب الدّكتور عبد الرحمن خوجا في الحديث عن موضوع القراءة مركّزا على الرّواية، ودعّم آراءه بالأمثلة، كما استمع إلى مداخلات الحضور ومناقشاتهم، وأجاب على أسئلتهم.

وممّا قاله الأستاذ سامي قرّة:

اتصلت بي إحدى النساء وأصرّت بحزم أنها تريد الاستمرار في حضور لقاءات نادي الكتاب بعد غياب دام أكثر من شهرين؛ لأنها تمّر بأزمة نفسية نتيجة مشكلات عائلية واجهتها مؤخرا. قالت بصوت مبحوح يعتريه الحزن والقلق: "آسفة لغيابي المتكرر عن حضور نادي الكتاب، لكنني أريد المشاركة مرة أخرى لأنني أشعر براحة كبيرة مع زميلاتي ونحن نتحدث عمّا نقرأ. وخاصة في الوقت الراهن أواجة أزمة نفسية حادة وأريد الخروج من القوقعة التي أعيش في داخلها. أريد أن أتخلص من الضغوطات التي تنغّص عليّ حياتي".

كانت القراءة وما تزال أحد الأساليب الناجعة للهروب من الواقع الأليم الذي يحياه الإنسان، والكتاب هو الدواء الذي يساهم كثيرا في التخفيف من حدّة متطلبات حياتنا اليومية، ويساعد على تخطي التجارب القاسية التي نواجهها وما تتركه من أثار نفسية علينا قد نعاني منها لمدة طويلة. وقد أثبتت الدراسات والأبحاث الحديثة أن للكلمة المطبوعة قوّة علاجية، يمكن استخدامها للتغلب على صعوبات الحياة. تقول الدكتورة هالة الأبلم في كتابها بعنوان تجربتي مع العلاج بالقراءة (دار الهدهد للنشر والتوزيع، 2016): "قدّم العلاج بالقراءة خدمات جليلة للناس كافّة خلال الحرب العالمية الأولى، وقد قام الأفراد والمؤسسات، يتقدّمهم الصليب الأحمر واتحاد المكتبات الأمريكية بإنشاء المكتبات وتعزيز دورها، ثم قامت شعبة مكتبات المستشفيات في اتحاد المكتبات الأمريكية عام 1939 باستحداث لجنة الببليوثيرابيا، وذلك بهدف توظيف إمكانات استخدام الكتب كعلاج في تغيير النوازع النفسية لدى الناس". وفي مقالة صدرت في مجلة Journal of School Psychology المجلد 7 العدد 2 (1968-1969) تتحدث الأستاذة باربرا ليندمن وهي باحثة متخصصة في علم النفس التربوي عن استخدام العلاج بالقراءة في مستشفيات الأمراض النفسية مع الأفراد الإنطوائيين، وأيضا في الصفوف المدرسية مع الطلاب الموهوبين والمتوسطين ابتداءا من الصفوف الابتدائية حتى الجامعة. ومن الجدير ذكره في هذا الصدد أن مراكز الإصلاح والتأهيل تحتوي على مكتبات كجزء من البرامج التأهيلية للنزلاء؛ من أجل مساعدتهم على القراءة، ومن خلالها على التثقيف الذاتي واكتساب سلوكيات تساعدهم على التأقلم والاندماج في المجتمع عند الإفراج عنهم. 

لا تعتبر قراءة الكتب من روايات وشعر وقصص قصيرة وحكايات على مختلف أنواعها لأغراض العلاج من الأنشطة التي عرفها التاريخ الحديث فقط. فقد عرف الفراعنة في مصر القديمة أهمية القراءة ومدى تأثير الكلمة على القارئ. فكثيرا من المقالات التي قرأتها في هذا الموضوع تشير إلى أن رمسيس الثاني (1303 ق.م. - 1213 ق.م.) أشهر فراعنة مصر، كان يملك غرفة خاصة مليئة بالكتب المكتوبة على ورق البردى، وفي أعلى مدخل الغرفة كانت محفورة على الجدار الكلمات التالية: "هذا البيت لشفاء النفس". وبحسب الكثيرين كان هذا الشعار أقدم شعار لأقدم مكتبة في العالم. وكان الفيلسوف الإغريقي أرسطو من أوائل المفكرين الذين تحدثوا عن الأثر العلاجي للدراما في كتابه فن الشعر. يقول أرسطو في تعريفه للتراجيديا أنها تقوم بتطهير الإنسان من انفعالاته؛ لأنها تثير فيه الشفقة والخوف، أي الشفقة على الشخصية التراجيدية بسبب سقوطه الحتمي ومعاناته (ونتعلم بذلك الشعور مع الآخرين)، والخوف لأنها تساعدنا على التفكير في اسلوب حياتنا؛ كي نتفادى النهاية المأساوية التي تتعرض إليها الشخصية التراجيدية. 

اكتسب العلاج بالقراءة (بالإنجليزية مأخوذة عن اليونانية "الببليوثيرابيا" bibliotherapy) شهرة واسعة في القرن التاسع عشر، (لكن لسوء الحظ لا يحظى هذا النوع من العلاج بالاهتمام اللازم في العالم العربي إذ تقول الدكتورة هالة الأبلم: "قليلون في العالم العربي من المتخصصين بعلم النفس الذين يعرفون العلاج بالقراءة، ناهيك عن ممارستها في عياداتهم العامة والخاصة، على الرغم من التطور في مجال العلاج بالقراءة على المستويات العالمية".) وفي الكثير من الدول بدأت المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية النفسية والجسدية بوضع البرامج العلاجية عن طريق القراءة والفن بشكل عام. وبالفعل أثبتت الدراسات والأبحاث نجاعة القراءة في مساعدة الأفراد على التخلص من الكآبة والقلق والإدمان والعزلة وتدني احترام الذات. 

ينطوي العلاج بالقراءة على استخدام الكتب بغية مساعدة الأفراد على إيجاد الحلول للمشكلات التي يعانون منها، سواء أكانت هذه المشكلات نفسية أو اجتماعية، وهنالك نوعان من العلاج بالقراءة، يُعرف النوع الأول بالعلاج السريري الذي يستخدمه الأطباء النفسيون لمعالجة مرضاهم من الأمراض النفسية، فيصفون لهم كتبا للقراءة تناسب حالتهم النفسية. يٌقال أن الطبيب النمساوي سيجموند فرويد (1856-1939) الذي وضع نظرية التحليل النفسي كان يستخدم الأدب القصصي لمعالجة مرضاه. أمّا النوع الآخر من العلاج بالقراءة فيُسمى العلاج التطوري، الذي يُستخدم عادة لمساعدة الأفراد الأصحاء على التغلب على مشاكلهم. ويمكن أن يجري العلاج بالقراءة على المستوى الفردي أو الجماعي. 

استخدمت الكاتبة الإيرانية أزار نفيسي والمحاضرة في جامعة جون هوبكنز الأمريكية أسلوب العلاج التطوري في كتابها بعنوان قراءة لوليتا في طهران (2003). قبل اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعمل الكاتبة نفيسي في جامعة طهران محاضرة في الأدب الإنجليزي، (وهو جزء هام من الأدب الغربي) إلا أنه بعد اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 منع الخميني تدريس المواضيع التي لها صلة بالغرب، وعلى رأسها الأدب الغربي في الجامعات الإيرانية، ممّا أدى بالكاتبة إلى ترك وظيفتها الجامعية، لكنها كانت تعرف جيدا أمرين إثنين أولهما الأثر الذي تحدثه قراءة الأدب على طالباتها، وثانيهما مدى الضرر النفسي والاجتماعي التي أحدثته الثورة الإسلامية على المرأة الإيرانية، ولذلك أنشأت ناديا سريا لتعليم الأدب الغربي لسبعة من طالبتها اللواتي كنّ يلتقين مرة واحدة كل أسبوع في بيتها. وكان الغرض من جلسات النقاش اكتشاف علاقة الطالبات مع الكتب والتعامل مع الضغوطات الحياتية التي يواجهنها. وضعت الكاتبة نفيسي قائمة كتب تكون مصدر إلهام لطالباتها للتغلب على الحزن والغضب واليأس التي أحدثته الثورة الإسلامية على نفسية المرأة ومكانتها. إحتوت القائمة على روايات خيالية إبداعية، تعالج قضايا إنسانية واجتماعية وفلسفية، كتبها عظام المؤلفين والمؤلفات، منها على سبيل المثال لا الحصر رواية ديزي ميلر للكاتب الأمريكي هنري جيمس، ورواية لوليتا المثيرة للجدل للكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، وبالتالي عنوان كتابها قراءة لوليتا في طهران. 

في الأدب قوة، وعن طريق قراءة الأدب نستمد قوة لأنفسنا. وعامة ينخرط القارئ في عملية العلاج بالقراءة عند قراءة الرواية (أو أي نص أدبي آخر)؛ لأنه في الواقع أثناء عملية القراءة يكتسب القارئ معلومات وأفكارا تساعده على إدراك تجاربه الحياتية بحُلوها ومُرّها. فلنأخذ مثلا رواية الكاتب الأمريكي الشاب جون غرين بعنوان ما تخبئه لنا النجوم (2012). تتحدث الرواية عن قصة حب تنشأ بين شاب وشابة يعانيان من مرض السرطان، يلتقيان في مركز لتقديم الدعم النفسي والارشاد لمرضى السرطان. يحاول كل التخفيف من آلام الآخر، فيتقاسمان الألم بالتساوي، ويتعاونان على تجاوز مأساتهما المشتركة. وبكلمات تعبّر عن عزيمة قوية وإرادة صلبة لمواجهة المرض، يقول الفتى واسمه أوغسطس ووترز إلى حبيبته واسمها هيزل غريس لانكستر: "أنا أقرر إن كنت سأمرض، وأنا أقرر إن كنت سأشفى مهما يكون المرض خطيرا وعضالا ولا شفاء منه، وصراعي مع المرض أشبه بحرب أهلية .. حينما يخرج الإنسان من خوفه نهائيا، لا تعود هناك نهايات في نظره، عندها فقط يتحدث عن الرحيل والوداع، وكأنه يتحدث عن نزهة على شاطئ بحيرة". يكافح الحبيبان للتعايش مع مرضهما، فلا ييأسان أو يفقدان الأمل، بل يتجرعان من نبع حبهما الصبر والقوة والإصرار والمثابرة. تصورّوا مدى الأثر الذي تحدثه هذه الرواية على القارئ المصاب بمرض السرطان، حتما سيقول هذا القارئ: "أريد أن اقرأ الرواية مرة تلو الأخرى؛ كي أكتسب شجاعة لمواجهة المرض الذي أعاني منه". وتصورّوا ايضا تاثير قراءة السيرة الذاتية لهيلين كيلر أو ستيفن هوكينغ أو جون ناش على القارئ الذي يعاني من مرض نفسي أو إعاقة جسدية.

عندما نتعاطف مع شخصية ما في الرواية مثلا، فهذا يعني أننا نتأثر بها عاطفيا ونضع أنفسنا في مكانها، أي بمعنى آخر أننا نستجيب للطريقة التي ترتبط بها فينا تلك الشخصية، وإلى الحالة الوجدانية التي نكون فيها. وهذا يعني أنه إذا وجدت الشخصية السعادة في نهاية الرواية، فهذا يدفعنا إلى الاعتقاد بل التصديق أننا نحن أيضا سنجد السعادة في حياتنا. فأية امرأة لا تسعد وتتقوى بعد قراءة السيرة الذاتية للشاعرة فدوى طوقان " رحلة جبلية، رحلة صعبة؟ فبعد سنين طويلة من الاضطهاد الاجتماعي وبإرادتها الحديدية استطاعت الشاعرة طوقان أن تحقق ذاتها، وأن تصبح ما تريد أن تكون. أليس في حياة الشاعرة الفلسطينية الكثير مما يُلهم المرأة العربية ويُقوّيها على تحمل الظلم التي تتعرض له ومقاومته بثبات ورباطة جأش؟ ويمكن للمرأة العربية أن تتعلم الكثير عن التحدي وقوّة التحمل من خلال قراءة مذكرات الكاتبة الإيرانية الأصل مارينا نعمت في كتابها بعنوان سجينة طهران (2007). تتحدث الرواية عن فتاة ترعرعت في أحلك الظروف، ورغم الرعب البغيض التي تتعرض له إلا أنها تحافظ على إيمانها وتنتصر على الظام والقهر. إضافة إلى ذلك، يتعلم القارئ عن طريق تعاطفه مع شخصية الرواية التعاطف مع الآخرين وبناء علاقات أفضل معهم. وتشير العديد من الدراسات بأن الأفراد الذي يقرأون كثيرا من الروايات يكتسبون ميولا قوية للتعاطف مع الآخرين والشعور معهم. كما أثبتت الدراسات أن القراءة في مجموعات تساعد الأفراد على بناء العلاقات فيما بينهم ومشاركة أفراحهم وأحزانهم. 

كانت المرأة التي اتصلت بي من أجل حضور لقاء نادي الكتاب تشعر بالوحدة والحزن، وكانت تسعى من خلال القراءة والنقاش أن تتغلب على حزنها، وأن تكسب عطف الافراد الآخرين في نادي الكتاب. ففي القراءة ومناقشة ما نقرأ جرعات مؤثرة من الدواء، توفر لنا الراحة النفسية والطمأنينة. عندما فقدت الروائية البريطانية جورج إليوت (ماري آن إيفانس) شريك حياتها حزنت كثيرا، ومن أجل التغلب على حزنها وضعت لنفسها برنامجا للقراءة مع شاب كانت تعرفه وكان يقرآن معا، وفي النهاية تزوجا! كانت إليوت تؤمن بأن الفن هو أقرب شيء للحياة، وهو السبيل الذي يوصلنا مع الآخرين، وبه نتعدى حدود ذواتنا.

وفي النهاية وعلى الرغم من فعالية العلاج بالقراءة إلا أن هناك تحفظا يجب أخذه بعين الاعتبار، وهو أنه لا يصلح استخدام العلاج بالقراءة مع الجميع دون تمييز. ولذلك قبل استخدامه يتوجب تقييم مستوى الاستيعاب والاستجابة والتفاعل لدى الفرد، وأيضا تقييم قدراته وصحته العقلية. فمثلا ممارسة العلاج بالقراءة مع أفراد يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية معقدة هي خطوة محفوفة بالمخاطر؛ لأن مثل هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون التفريق بين الواقع والخيال.

وسوم: العدد 797