فلسطين في الشعر البنغالي

محمد صادق حسين - بنغلاديش

يحفل الأدب البنغالي بالمعاني الدينية والمشاعر الإسلامية منذ أمد بعيد، والشعب البنغالي المسلم يعتز بالتراث الإسلامي، ويتألم لآلام الأمة المسلمة، ويهمه أمر المسلمين، لذلك فهو يحب فلسطين حباً جماً لما فيها من أماكن مقدسة ومعالم تاريخية إسلامية لاسيما القدس الشريف والمسجد الأقصى، ويدل على ذلك احتجاجاتهم الصارمة ضد كل ظلم وعدوان يقع على فلسطين، كما يشهد به القصائد الجياشة للشعراء وأناشيدهم المتحمسة، فضلاً عن المقالات الأدبية والروايات والقصص وغير ذلك من فنون الإبداع الأدبي، حيث احتلت القضية الفلسطينية بملابساتها مساحة فسيحة في الأدب البنغالي الإسلامي المعاصر.

وإذا تصفحنا دواوين الشعراء البنغاليين الإسلاميين المعاصرين أمثال الشاعر الثائر نذر الإسلام، والشاعر فروخ أحمد، والشاعر إسماعيل حسين سراجي، والشاعر علاؤل، والشاعر قعقوباد، والشاعر المحمود.. وغيرهم كثير، وجدناها مليئة بحب فلسطين والشغف بالقدس الشريف، حتى نرى في قصائد بعضهم تاريخ فلسطين مجملاً بلغة منظومة شعرية رشيقة من عهد سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إلى الفاتح صلاح الدين الأيوبي، مثل "قصيدة حضرة عمر" للشاعر نذر الإسلام.

وهذه القصيدة تعد من أجمل قصائد الشاعر نذر الإسلام، إذ ألقى الضوء على سيرة سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بلغة عذبة، وخص الشاعر جزءاً كبيراً من القصيدة لحكاية سفر سيدنا عمر.. التاريخي إلى بيت المقدس، و"العهدة العمرية" التي أعطاها للبطريرك صفرانيوس.

هكذا شهد الأدب البنغالي المعاصر قصائد رائعة، يؤكد فيها الشعراء أن العرب هم السباقون في تشييد مدينة القدس وبنائها عبر القرون، وأصبحت منذ فتحها في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.. مدينة إسلامية – عربية بمعالمها التاريخية والحضارية، وظلت كذلك منذ ذلك الوقت إلى عام 1948م، إذا استثنينا مدة الحروب الصليبية ما بين 1099م-1187م، إذ استطاع المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي تحرير المدينة المقدسة في معركة حطين الخالدة يوم الجمعة 12 أكتوبر 1187م.. وما بعدها.

وقد بين الشعراء البنغاليون الإسلاميون في غضون قصائدهم عن فلسطين.. كيف خص الله عز وجل المسجد الأقصى المبارك بمعجزة الإسراء والمعراج، وجعله سبحانه قبلة الإسلام الأولى، فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وأعلى ذكره في قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير(1)" (سورة الإسراء).

وكلما هجم الأعداء على فلسطين هجوماً عنيفاً، وأسالوا دماء سكانها كباراً وصغاراً، وقامت الدولة العبرية الغاشمة بحفر الأنفاق حول الحرم الشريف وتحته، وعملت لتهويد مدينة القدس ظلماً وقهراً فصمت العالم أمام هذه الجريمة صمتاً مريباً، استفز ذلك ضمير الشعراء البنغاليين مع قرنائهم في العالم الإسلامي، فأبوا السكوت على الباطل، وحاولوا كسر ذلك الصمت بتحريض قلوب المؤمنين على الجهاد ضد هذه الاعتداءات، فأبدعوا أشعاراً نبيلة، وقصائد لا تقل روعة عن مثيلاتها في آداب الشعوب الأخرى، واستطاعوا التعبير عما يجيش في صدورهم نحو إخوانهم الفلسطينيين المظلومين.

ولضيق المساحة المتاحة أختار من روائع الشعراء البنغاليين المعاصرين نموذجين: أحدهما قصيدة "الدماء كلها تتحول إلى أحجار" للشاعر فضل شهاب الدين. وثانيهما قصيدة "فلسطين" للشاعر محمد نور الهدى. وكلتاهما طافحتان بحب فلسطين وشعبه المظلوم.

ففي قصيدة "الدماء كلها تتحول إلى أحجار" يستنكر الشاعر صمت العالم على ظلم اليهود الذين يلعبون بدماء شعب فلسطين، ويتجاوزون كل حدود في العدوان، فيقول معبراً عما في ضمائرهم بأسلوب السخرية والاستهزاء من صنيعهم:

"هذا وقت اللعب،

هيا بنا نمارس لعبة القتل والفتك،

في فلسطين ولبنان،

وفي مناطق مجاورة حتى القاهرة،

وتلك الجهة حيث تقع غزة، أرض الظلال الوارفة،

في بلاد "حماس" المنتخب،

أما العلم الفلسطيني فنمزقه كله،

في مرح لا يتخيله المتخيلون،

حيث نقتل أناشيد الإسلام قاطبة

(نقتل) الأغاني الجميلة والألفاظ الجياشة،

نجري الدماء في كل جهة – دماء طازجة.. دماء فقط."

ثم يكشف الشاعر عن حقيقة اليهود الغاشمين وعاقبتهم الوخيمة، ويندد بانشغال المسلمين بأنفسهم عن واجبهم في إنقاذ فلسطين ومدينة القدس الشريف من براثن اليهود الظالمين، متوعداً بأن كل ظلم تعقبه الهزيمة العاجلة، وسوف يواجه اليهود هزيمة وخيبة.. فيقول:

"اليهودي في مستوطنته غاضب شرس يلعب بالدماء ونحن مشغولون بأنفسنا أيضاً،

آه! لا يعلمون ولا يدركون

ولن يدركوا أبداً، لأنهم لا يريدون الإدراك،

إنما الدماء دماء الخلود.. لن تضيع أبداً،

مهما سالت تتحول إلى أحجار، ولا غير!

على مر الأيام تتحول إلى أحجار حتماً،

ومن تلك الأحجار تصنع الأسلحة بعدد لا يحصى،

وهم لا يعلمون أن كل ظلم واعتداء يورث

هزيمة نكراء في نهاية المطاف،

آه! إنهم لا يعلمون.. آه! ولن يعلموا أبداً".

أما قصيدة "فلسطين" فهي تنم على حقيقة مسماها، حيث يحلم الشاعر محمد نور الهدى بمستقبل زاهر لفلسطين، فيشهد بكل ثقة وإيمان بأنها سوف تحرز حريتها المنشودة، كما يكشف عن أعداء أرض فلسطين وشعبها ومن يحالفونهم في الظلم والاحتلال، فيطمئن الشاعر الفلسطينيين بأن السعادة سوف تطرق الأبواب، وسينقضي عن طريقهم كل ضباب، ثم يتقدمون إلى الأمام، وإلى الأمام فقط. يقول الشاعر:

"فلسطين! فلسطين لا تقهر، ستحرر

ستنتهي أيام اليهودية الغاشمة،

فلسطين! فلسطين ستكون مطلقة ومحررة

وتعود السعادة إلى كل بيت من بيوتكم

ستعود الأيام السعيدة، ستعود الأيام السعيدة

الذين حولوا غزة إلى وادي الموت

هما "بوش" و"أولمرت" حاكمان قاتلان

سيحكم عقلاء العالم بالنكال عليهما

وفي الحقيقة هما مختلان عقلياً دائماً

فلسطين.. فلسطين..!

والذين يضحكون مكراً ومؤامرة هم أحلاف القتلة

وهم ثرثارون أتباع الغاشمين

سيحفر الزمان لهم قبوراً

وستطمس عاصفة صحراوية مساكنهم

فلسطين.. فلسطين..!

كأن الأمم والشعوب صارت خرساء، لا يشعرون بمن ينشر الأحقاد في الأرض المقدسة،

وبذلك تفور الدماء في شرايينكم

الاستشهاد سلاح النصر، ستكونون أحراراً إلى الأبد

فلسطين.. فلسطين..!".

وفي الأخير يثير الشاعر حماسة كل الناس الذين يحبون الإنسانية والسلام، فيحثهم رجالاً ونساء، حتى يهبوا من غفوتهم ويقوموا لإقرار الأمن السلام في الأرض المقدسة، فيقول:

"قوموا، واستيقظوا، يا سكان العالم، قوموا رجالاً ونساء

للحرب دفاعاً عن السلام متقلدين بسيوف العدالة في ضفة البحر المتوسط، بين صفوف أشجار الزيتون واعلموا أن الإنسانية حية لا تموت، كالأعراب يتجولون دائماً.

فلسطين.. فلسطين، ستكون مفتوحة ومحررة

وستعود السعادة إلى كل بيت من بيوتكم

ستعود الأيام السعيدة، ستعود الأيام السعيدة!.