بحث تأصيلي في موشح...اسق العطاش

(اسق العطاش):

قال خير الدين الأسدي في (موسوعة حلب المقارنة) 1/138: منظومة ملحنة على غرار التواشيح 

تغنى على ضرب معين من الرقص، أبدعتها حلب،وكتب عنها شيئًا الموسيقار أحمد الأبري، 

واعتنى بتعليم لحنها الشيخ عمر البطش، وسجلها بالنوطة الموسيقية توفيق الصباغ. 

   أقول: يتابع الأسدي حديثه عن هذا الفاصل، فينقل عن صبحي القسطلي أن ناظمه هو الشيخ محمد الوراق، منشد الزاوية الهلالية، وهو نفسه الذي قام بتلحينه على نغم الحجاز، وذلك قبل 300 عام 

حين تعرضت حلب لموجة من الجفاف ونضوب الينابيع... وهذا بعض مقاطيعه: 

                      اسـق العطـاش تكرمــا ** فالعقلُ طاش من الظما 

                              أغــثِ اللهفــانْ  ** واروِ العطشانْ...

   ثم أدخلت عليه قدود حلبية، وغدا للغناء أكثر منه للابتهال.

   ثم ينقل عن توفيق الصباغ أن ذلك كان سنة 1190هـ وأن ملحنه هو الشيخ محمد المنبجي.

   ويتوقف الأسدي عند هذا الحد، بينما يرى الشيخ علي الدرويش أن هذا الدعاء يعود إلى 

الشيخ عبد الغني النابلسي، وأن لحنه منسوب إلى الشيخ محمد الصيداوي. 

   ولكن الدكتور جوزيف زيتون يذهب في موقع إلكتروني إلى أن الكلمات واللحن تعود إلى 

الشيخ أمين الجندي الحمصي. 

   وهكذا نرى أن هذا (الموشح) في المصادر الحلبية نسبته غير ثابتة ولا موثقة، وكذلك لحنه.

   ويعترف الموسيقار الحلبي أحمد الأبري بذلك في قوله: " ليس بين أيدينا من الوثائق والمراجع 

ما يوضح  لنا الغاية التي من أجلها سمي هذا الفصل باسم اسق العطاش، فالكتب المبعثرة هنا وهناك 

والمخطوطات الحلبية في المكاتب حتى القديمة منها لا تذكر شيئًا عن هذا الفصل ".

   وقد عرض لي مصادفة أنه كان معروفًا شائعًا في القرن التاسع الهجري، أي قبل ظهوره في حلب

بمئتي عام كما زعموا، وذلك أن علي بن سُودون (ت: 868هـ) يصرح بأنه كان قد صنع موشحًا 

هزليًا على قافية (اسق العطاش تكرما) نجده في كتابه (نزهة النفوس ومضحك العبوس) 

في الورقة 51 من المخطوط، إذ يقول:

                      في البحر نارْ، بدر السما ** والنـار نـارْ، تُطفـى بمـا 

   على أنه جعل قافية الميم المفتوحة لازمة تتكرر بين مقاطع موشحه.

   ثم جاءت المفاجأة الثانية حين كنت أطلع على ترجمة العارف بالله سيدي محمد وفا السكندري المغربي 

التونسي الأصل، الشاذلي، وعلى ترجمة ابنه العارف علي بن محمد وفا  في عدد من المصادر، منها:

    شذرات الذهب لابن العماد

والطبقات والأنوار القدسية للشعراني

والضوء اللامع للسخاوي      

وبدائع الزهور لابن إياس

وإنباء الغمر والدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني .

   وخلاصة ما جاء في هذه المصادر أنه لما توفي سيدي محمد وفا سنة 765هـ خلفه ابنه 

سيدي علي وفا، وكان عمره أربع سنوات، والسند بذلك ينقطع، وأن بين الأب وابنه شيخًا ثالثًا 

هو سيدي محمد الزيلعي، فقد أوصى له  سيدي محمد وفا بتربية ابنه علي، حتى شب وصار 

عمره سبع عشرة سنة، فجلس مكان أبيه. 

   فهو الشيخ أبو الحسن، علي بن محمد وفا، القرشي الأنصاري، الشاذلي المالكي، مولده سنة

761هـ ووفاته سنة 807هـ.

ويروون أنه في عام 764هـ نقص النيل، ولما توقف عن الزيادة توجه الناس إلى أبيه محمد وفا 

وسألوه أن يرجو  الله تعالى أن يفي النيل، وأن يمن عليهم بالزيادة عن قريب، فدخل إلى خلوته، 

وخرج إلى الناس في اليوم الثاني وهو يقول: وفا وفا، فلذلك سمي سيدي محمد وفا.

ثم إن ابنه سيدي علي (بعد أن شب وحدث النقص مرة ثانية في النيل) نظم موشحًا مطلعه:

                            اسـق العطـاش تكرمــا ** فالعقل طاش من الظما

   وخرج إلى الناس وهو يترنم بهذا الموشح، فأوفى النيل المبارك بعد أن قطع رجاء الناس، 

فكثر أتباعه وأتباع أبيه، فرتب لهم أذكارًا بألحان يستميل بها قلوب العوام. وهذا يعني أن الموشح 

يعود إلى القرن الثامن الهجري.

   وكان علي هذا غاية في الظرف والجمال، لم ير أجمل منه وجهًا ولا ثيابًا، وكان يرقص في 

السماع بالدفوف  والشبابة.

وله كتب في التصوف، ونظم شائع، وموشحات رقيقة فيها أسرار أهل الطريق.

فما قصة هذا الموشح الذي أجمعت الأذواق على سمو فنه وقوة تأثيره، واختلفت الآراء على أصله ومنشئه!! 

ولست أزعم أنني من الباحثين في شؤون الموسيقا والطرب، ولا أملك العدة الكافية للخوض في 

هذا الميدان، ولكن العثور على مطلعه لا يكفي للبت والحسم، إذ لابد من التنقيب عن نصه كاملًا 

حتى تكتمل الصورة ويتبدد الوهم، وقد اهتديت دون عناء إلى أن ديوان الشاعر العارف علي وفا 

قد طبع مرتين اثنتين، أولاهما صدرت في القاهرة عام 2002م عن دار الغد الجديد بتحقيق

أنس عطية الفقي،وثانيتهما نشرتها دار الكتب العلمية ببيروت عام 2015م بتحقيق الدكتور عاصم

إبراهيم الكيالي.

وبحثت في مكتبات الرياض عن هذه الطبعة الثانية فما وجدتها ولم أوفق إلى الوصول إليها، 

فانتظرت وانتظرت .

   وعلى البعد، حدثت بذلك الصديقة الأستاذة سها شعبان، وشكوت إليها الأمر، فما كادت تمضي 

ثلاثة أسابيع  حتى بادرتني بأن الديوان قد صار في حوزتها وأنه في طريقه إلي.

   وما إن استلمته حتى أقبلت عليه أتصفحه، فوجدته يقع في 286 صفحة، ويضم قرابة 500 قصيدة 

أو موشح  مرتبة على حروف المعجم، ومن بينها مقطوعات لا تتجاوز البيتين الاثنين.

وفي الصفحة 228 منه عثرت على الموشح، وهذه هي المقاطع الأولى منه التي تتوافق مع الفاصل الحلبي:

                  اسـقِ العطـاشَ تكرُّمــا ** فالعقلُ طاش من الظما

                            أغثِ اللهفانْ  ** واروِ الظمآنْ 

                   واسـقِ يارحمـان  **  من منهلِ الإحسانْ

                                       غُرَبا الأوطانْ

                              ياصاحبَ الوِردِ الذي أحيا الحمى

                      امـلا لـي الكاسـاتْ  ** ياساقـــي الأجــوادْ

                      وانعشْ مَنْ قد ماتْ  ** ظمــــــآنَ الأكبـــادْ 

مضنـاكَ المأسورْ ** العبــدُ المكســـورْ ** العانـي المهجـورْ

كئيبُ الفؤادِ فتــى ** غريبٌ إليـكَ أتـى ** يريـدُ الوفـا فمتـى 

تنظـرْ بعيـن اللطفِ صبًّـا مُغرمـا

   ولقد أعدت توزيع وحدات الفاصل كما ذهب إليه علمي، لأن المحقق الذي اعتمد مخطوطة الأزهر الشريف  لم يلتزم بقواعد التحقيق ولم يعط الديوان ما يستحقه من العناية المطلوبة، فكثر فيه التصحيف وأخطاء التشكيل  واختلال الوزن... حتى تبهَّم المعنى في كثير من الأبيات.

   وقد اكتشفت في الديوان نصين آخرين للشاعر تتداولهما الأسماع في جلسات الإنشاد أو الطرب 

في حلب، أولهما  في الصفحة 87 قصيدة تقع في أربعة عشر بيتًا كان أحد المنشدين من ذوي 

الأصوات الرخيمة يفرِّد بها في الموالد  أو الاحتفالات الدينية، ومطلعها: 

سكـنَ الفـؤادَ فعش هنيئَــــا يا جسـدْ 

ذاك النعيــمُ هو المقيـمُ إلـــى الأبـــدْ

                           أصبحتَ في كنفِ الحبيب ومن يكنْ

                                          جارَ الحبيــبِ فعيشُــهُ العيشُ الرَّغَـدْ

والثاني  في الصفحة 149 دور معروف يقع في سبعة أبيات كثيرًا ما سمعناه من المطربين يؤدونه أداء جماعيًا،  وهو: 

                      أتانـي زماني بما أرتضـي ** فبالله يـا دهـرُ لا تنقضــي

                      ويا ليلةَ الوصلِ عودي لنا   ** لأنَّ الحبيبَ علينـا رضـي

   ثم اكتشفت في الصفحة 264 كذلك نصًا رابعًا ، وهو أنشودة يسميها أهل الفن (مقامًا) أو (تدويرة) تتخلل الذكر في  الزاوية الهلالية،وتقع في ثمانية مقاطع وتؤدى على نغم البيات، مطلعها: 

العبـــدُ لمـــولاهُ  ** ما يعرف إلا هو

ياعاذلُ لا تكثــرْ  ** فــــــالله هــو الله 

   ولما كنت لا أذكر سائر المقاطع فقد اتصلت بالأخ الجليل الشيخ مسعود خياطة، منشد الزاوية 

الهلالية أستمد منه  كلمات هذا المقام، فسارع إلى إجابتي جزاه الله خيرًا وأحسن إليه، فزودني بالنص 

كاملًا، وبعد المطابقة تبين لي أن المنشدين اختاروا من نص علي وفا خمسة مقاطع فقط مع اختلاف 

يسير في بعض المفردات.

   ألا يقودنا ما تقدم إلى أن العارف علي بن محمد وفا كان معروفًا في بعض الأوساط الحلبية، 

لاسيما  إذا وضعنا في الحسبان أنه كان شاذلي الطريقة، وهي طريقة لها أتباعها في حلب، حتى 

إن الشيخ عبد الحميد الجابري كان يتولى مشيختها إلى حين وفاته عام 1951م. 

   ولم يبق أمامنا بعد هذه المعطيات إلا أن ننقب عن كتاب (سلافة الحان وسفينة الألحان) الذي تفيد الأدبيات  الحلبية أن الشيخ محمد الوراق هو الذي كان قد جمعه ثم أتحفنا منه بفاصل (اسق العطاش).

   ولكن، هاهو الأستاذ الكريم حسين العثمان يتصل بي ويعلمني أن في المكتبة الظاهرية بدمشق 

مخطوطًا مجهول  المؤلف عنوانه (سلافة الحان في الألحان) وهو محفوظ برقم 4013، فأجبته 

بأن هذا المخطوط من المحتمل جدًا  أن يكون هو المطلب المنشود، بعد أن كان يظن بأنه في حكم

المفقود.

وتابع الأستاذ حسين بحثه فتوصل إلى المخطوط، وعمد إلى تصوير الصفحتين 391 و 392 

اللتين تحويان  فاصل (اسق العطاش) وأرسلهما إلي، فسارعت إلى معارضة النص بما أثبت في 

ديوان علي وفا، فانكشف لي أن  التطابق يكاد يكون شبه تام إلا من اختلاف يسير في بعض المفردات أوالعبارات، مما هو متروك لمن سيقوم بتحقيق  هذا المخطوط، مع أن النص الذي يؤدى غناء لم

يستوف كامل فقرات الموشح كما بينت من قبل.

•━━❃❃❃━━• •━━❃❃❃━━• •━━❃❃❃━━• 

في هذا الحقل:

••✦✿✦••صورة لصفحتين تم لصقهما بجانب صورة ••✦✿✦••

••✦✿✦•• البحّاثة الناقد الأدبي الشاعر محمد كمال ••✦✿✦••

•━━❃❃❃━━• •━━❃❃❃━━• •━━❃❃❃━━• 

وقد غمرني الأستاذ حسين بإحسانه أحسن الله إليه حين تكرم علي بما لم أكن أحلم به، إذ قام بتصوير المخطوط  كاملًا ووضعه بين يدي وأيدي القراء أيضًا مع رابطه الخاص به أتصفحه كيف أشاء، 

فكانت هذه البادرة الكريمة فرصة  ثمينة أتاحت لي الاستمتاع بقراءة هذا المخطوط النفيس من ألفه 

إلى يائه. 

   والكتاب يقع في 503 صفحات وقد بناه جامعه على أربع وعشرين نوبة ولكل نوبة مقام مستقل، 

فكانت نوبة الفاصل  هي المتممة للعشرين، واختتمه بصفحات قليلة عن آداب الندمان.وهو مكتوب 

بخط واضح، ويعود تاريخ نسخه إلى أيام عبد المجيد خان بن السلطان محمود خان وذلك سنة 1277هـ. ويلاحظ:

   1ـ أنه لا في المقدمة ولا في الخاتمة ذكر اسم جامعه الشيخ محمد الوراق كما هو شائع ومعروف.

   2ـ أن هذه النصوص الشعرية الغزيرة التي تضمنها الكتاب لم يذكر أي اسم لقائليها أو شعرائها.

   3ـ أن الوصلات التي ألحقت بفاصل (اسق العطاش) لم ترد في النوبة نفسها وإنما تناثرت في نوبات 

      أخر بحسب المقامات التي تنتمي إليها، ولولا مخافة الخروج عن شرط البحث لذكرتهذه الملحقات 

      مع أنغامها ومواضعها من صفحات المخطوط.

محمد كمال

وسوم: العدد 694