ورحل العالم الجليل والصابر المحتسب أستاذي أ. د. عبد الغني محمود

 أغدق على من واسع فضله، وغمرني بدقيق علمه، وعاملني بعظيم كرمه، وفتح لي بيته وقلبه، وحرص على مصلحتي كابنه، ومنذ أن عرفتُه وهو يتعهدني ويرعاني، منذ أن درَّس لي في مرحلة الدراسات العليا بقسم السياسة الشرعية، ثم بعد ذلك كان المناقش الداخلي لي في رسالة الماجستير، والمشرف عليّ في رسالة الدكتوراه، وعضو لجنة الترقية لدرجة أستاذ مشارك، وأحد الأعضاء البارزين في لجنة الترقية الدائمة لدرجة أستاذ، بحق ودون مجاملة، لقد تعهد البذرة حتى أنبتت وتعهد النبتة حتى أورقت، وتعهد الورقة حتى أزهرت وتعهد الزهرة حتى أثمرت وآتت أكلها بإذن ربها، وبعد هذا كله، وبعد حياة حافلة من العطاء والعلم، وبعد أن ساهم في بناء صرح فقه العلاقات الدولية الشرعية والوضعية بكثير من اللبنات الجادة والمتينة، وبعد أن قدم الفصل الأخير من عطائه وحياته، وهو صفحات مشرقة من الصبر والثبات، والرضا والاحتساب، على فقد ولده وفلذة كبده "محمد" في ريعان شبابه ... فُجعت وأنا في البحرين برحيله إلى لقاء ربه وهو في القاهرة، إنه الوالد الكريم والعالم الجليل أستاذي فضيلة أ. د. عبد الغني محمود، أستاذ القانون الدولي، ورئيس قسم القانون العام السابق بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة ـ جامعة الأزهر، بمصر.

وفواجع الدهر وإن كثرت في زماننا، واتسعت في أيامنا بخصوص فقد شبابنا، ورحيل علمائنا، وتوديع بعض أقاربنا وأرحامنا، بل واعتلال أمتنا، وتأخر نهضتنا، إلا أن هناك من الفواجع ما يقصم الظهر ويذيب الصخر، والفاجعة في أستاذي الجليل من هذا النوع، فهو من القلائل بالنسبة لي الذين عناهم المتنبي بقوله:

وأفجع من فقدنا من وجدنا قبيل الفقد مفقود المثال

 ويبدو أنه كان بصبره المثالي ورضاه التام الذي تحلى به بعد أن فقد ولده في ريعان شبابه، يعطينا الدروس في الثبات والصبر لمثل هذه المواقف، يبدو أنه كان يدربنا في الصبر على فقده، وفي الثبات بعد رحيله، وبعد أن أنهى درسه وأكمل دوره، لبى نداء ربه، ليسعد هو وولده إن شاء الله تعالى بنعيم البرزخ في القبر، وبالسعادة الأبدية في الدار الآخرة بجوار الرب، في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر. لقد رحل عالمنا الجليل، ليسهم بنفسه في بيان قيمة هذه الحياة بجوار الآخرة، وليسكب في أعماقنا من جديد المعنى الحقيقي للحياة الدنيا، بعد أن خبرها، وسبر أغوارها، وعرف غرورها وبريقها، واشتد علمه بها، لكأنه هو القائل يوم موته:

إني لأعلم واللبيب خبير أن الحياة وإن حرصت غرور

ورأيت كلا ما يعلل نفسه بتعلة وإلى الفناء يصير

 ومواقف الراحل رحمه الله تعالى التي تأسرني بجمالها وروعتها وعظمة الأخلاق فيها كثيرة، ربما أعمد على سرد بعضها في مقال آخر، لكن من آخر وأهم هذه المواقف، يوم أن التقيته في لجنة الترقية الخاصة بالأستاذية، والتي عقدت لي من أجل مناقشتي في البحث المرجعي المعروف في هذه الترقية، بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وكانت لهذه اللجنة هيبتها، إذ ضمت أكثر من عشرة من كبار الأساتذة في قسم القانون العام على مستوى مصر بأكملها وهي المسماة باللجنة الدائمة للترقية إلى درجة :أستاذ، وكان من بينهم العلماء الأجلاء أساتذتنا د. إبراهيم العناني، د. فؤاد النادي، د. سامح جاد وغيرهم ... وقد بدأ المناقشة أستاذنا د. إبراهيم العناني، بالسؤال عن مضمون البحث وبيان محتواه وأهم نتائجه، وبعد أن مرت دقيقة أو دقيقتان من الصمت قبل أن أبدأ الجواب، تهيباً للموقف، إذا بالراحل رحمه الله يشق هذا الصمت بحركة جمالية تبدو عفوية لكنها مقصودة، ويمسك بأحد " أكواب العصير" التي أعدت للجنة، ويتحرك نحوى عدة خطوات في منظر بهيج، ويقدمه لي، ويقول: " تكلم .. لقد جئنا لنحتفل بك اليوم ونتوجك بالأستاذية " .

وبهذه الكلمات الحانية، وبهذا الود العجيب، وبهذا التصرف النبيل الذي قدم فيه الترياق، وتربع به على سماء الأخلاق، بدد ما كنت فيه من رهبة، وبدل خوفي أمنا، وضعفي قوة، والأهم من ذلك كله، أنه استطاع أن يرسم لنفسه في لمح البصر صورة خالدة مشرقة ماتعة لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة، ولن يقوى شيء على محوها أو إزالتها من عقلي ما حييت، وبنى لنفسه في هذه اللحظات المعدودة مكانا لا يرقى إليه إلا أمثاله من النبلاء والحكام والفقهاء والصالحين. ولا يسعفني في فقده اليوم إلا قول المتني فيمن فقده أيضا:

 أمُجاوِرَ الدَّيْمَاسِ رَهْنَ قَرَارَةٍ فيها الضّياءُ بوَجْهِهِ والنّورُ

ما كنتُ أحسبُ قبل دفنكَ في الثّرَى أنّ الكَواكِبَ في التّرابِ تَغُورُ

رحم الله أستاذنا الجليل، اللهم أكرمه كما أكرمنا، وأحسن إليه كما أحسن إلينا، فأنت أكرم الأكرمين، وأنت خير المحسنين، اللهم وأسكنه فسيح جناتك، وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وإني إذ أعزي حرمه المصون وولده الكريم " حاتم "، فإني أعزي نفسي أيضا، وأعزي علامة عصره أستاذنا د. جعفر عبد السلام، وأسرة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وخصوصا أسرة القانون الدولي العام بالأزهر، وبمصر، بل والعالم العربي.

وسوم: العدد 763