في أمّ الدنيا

من أدب الرحلات

جميل السلحوت

[email protected]

أجزم أنه لا يوجد عربي لا يحب أن يتجول في الأقطار العربية جميعها، فبلاد العرب وطن للعرب جميعهم، وقد كانت الأقطار العربية لا حدود بينها الى أن قسمها المستعمرون في اتفاقات سايكس بيكو في الحرب الكونية الأولى، والشعوب العربية تربطها روابط لا تنفصم، مما يجعلها أمّة واحدة، لا بُدّ أن تعود يوما الى وحدتها لتبني أمجادا على أمجادها التي كانت.

ومصر القطر العربي الذي تنشد اليه أفئدة الشعوب العربية، فعليه يبنون آمالهم، وهو منبع القومية العربية في العصر الحديث، فالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر كان زعيم الأمة بلا منازع، التفت الشعوب العربية حول قيادته كما لم تفعل مع أحد غيره، وعندما انتقل الى رحمة الله تعالى في 28-9-1970 بكته الشعوب العربية من المحيط الى الخليج، وفي الأراضي الفلسطينية خرجت جنازات رمزية في كافة المدن تبكي الزعيم الراحل.

ما علينا...فقد أتيحت لي الفرصة لزيارة أمّ الدنيا، عندما قررت جامعة بيروت العربية عقد الامتحانات للطلبة من غير اللبنانيين في جامعة الاسكندرية، لتعذر عقدها في بيروت نتيجة للحرب الأهلية البغيضة التي اندلعت في لبنان....كان ذلك في شهر شباط-فبراير- 1975، كنت في سنتي الأخيرة للحصول على ليسانس آداب- لغة عربية- وكنت أعمل محررا في صحيفة الفجر المقدسية، فوجدتها فرصة لي كي أحقق حلمي بزيارة مصر العروبة، مصر حضارة وادي النيل- الحضارة الأكثر عراقة في العالم- مصر وارثة الحضارة الفرعونية، مصر الأهرامات التي تمثل احدى عجائب الدنيا السبع، والتي اقترنت بمنارة الاسكندرية لتحوز مصر بجدارة على اثنتين من العجائب الدنيوية السبع، مصر الجامع الأزهر، مصر قاهرة المعز،  مصر التي أنجبت جمال عبد الناصر، وأنجبت قبله أحمد عرابي باشا، مصر التي أحببناها جميعنا.

سافرت الى العاصمة الأردنية عمان، توأم مدينتي القدس الشريف، وفي عمان لا يشعر الفلسطيني بالغربة، فالشعبان الفلسطيني والأردني توأمان سياميان، اختلطت دماء أبناء الشعبين على أسوار المدينة المقدسة دفاعا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية فيها، والشعب الأردني شعب مضياف،  ويحمل هموم فلسطين كالفلسطينيين تماما.

في القاهرة:

استقليت الطائرة من مطار ماركا في عمان الى مطار القاهرة في التاسعة ليلا، وجلس بجانبي في الطائرة طالب أردني من إحدى قرى مدينة اربد، تعارفنا في لحظات، واتفقنا أن نسافر الى الاسكندرية سوية...نزلنا في مطار القاهرة في حدود منتصف الليل...حملنا حقائبنا واستقلينا سيارة لتوصلنا الى فندق بسيط لا يتقاضى أجرة عالية، فما نملكه من نقود قليل جدا، فأوصلنا السائق الى ميدان التحرير، وهناك طرقنا أبواب عدد من الفنادق، فوجدناها جميعها غرفها مشغولة، ونصحنا بعضهم بالتوجه الى فنادق النجوم الخمسة، لكننا لم نجرؤ على ذلك لضيق ذات اليد، وبعد أن تعبنا، رأيت شرطي مرور فاتجهت اليه طالبا المساعدة، فسألني الرجل: هل أنتما فلسطينيان؟

ولما أجبته بـ "نعم".....طلب مني الانتظار قليلا، وما هي الا لحظات حتى حضر شرطي آخر استلم العمل مكانه، وأقلنا الرجل بسيارته الى بيته، أيقظ زوجته وأخبرها أن بصحبته ضيوفا، وشقة الرجل فيها غرفتان صغيرتان عدا غرفة نوم الزوجين الرئيسة، وله ولد وبنت، عمر الولد حوالي سبع سنوات، والبنت تصغره بعامين، أيقظ الولد وطلب منه أن ينام في غرفة شقيقته، لتكون الغرفة لي ولزميلي، وأصر أبو جمال هو وزوجته الفاضلة أن يقدما لنا طعام العشاء مع أننا كنا في الساعات الأولى من الصباح.

وقد لاحظنا مدى تعاطفهما مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وقد تعاملا معنا وكأننا ابناهما، ولما أخبرناه بأنني فلسطيني وزميلي أردني، أعاد الترحيب بنا ثانية وهو يردد: أهلا وسهلا...كلنا اخوان، فأكبرت فيه تلك الشهامة، وذلك الانتماء الأصيل.

نمنا قليلا ...واستيقظت مبكرا...بقيت في فراشي حتى سمعت حديث الزوجين في صالة الشقة، ففتحت الباب على استحياء...وجدتهما قد أعدا لنا افطارا...ولم يأذنا لنا بالمغادرة الا بعد أن أقسمنا أغلظ الأيمان أن امتحاناتنا ستبدأ في اليوم التالي...فحملنا الرجل في سيارة الشرطة الى موقف السيارات العمومية المغادرة والقادمة من والى الاسكندرية، وهو وزوجته يوصياننا بأن نمر عندهما في طريق عودتنا من الاسكندرية....وكتبا لنا عنوان البيت ورقم الهاتف.

وعندما استقلينا سيارة التاكسي، أخذ الشرطي رقم السيارة، واسم السائق ورقم بطاقته، وهو يوصيه محذرا بأن أيّ مكروه سيحصل لهذين الشابين سيكون في رقبته، وأكد علينا بأن نتصل به هاتفيا عند وصولنا الى الاسكندرية لنطمئنه على وصولنا سالمين....وعلمنا لاحقا أن الطريق  الصحراوي بين القاهرة والاسكندرية غير آمن أحيانا.

في الاسكندرية:

وفي الاسكندرية وأمام الجامعة التقيت بأحمد سرور، وهو طالب من أبناء قريتي، فذهبت للسكن معه ومع آخرين من أبناء القرية هم: قريبي أحمد أمين السلحوت، ومحمد شراري الأعرج، ونجم عبيدات...أما زميلي الأردني فقد كان معه عنوان لزملاء له فاستقل سيارة اليهم...

وجدت زملائي من أبناء قريتي قد استأجروا شقة مفروشة في بناية على الكورنيش-الشاطئ- فيها ثلاث غرف، وصالة ومطبخ، نمت ومحمد الأعرج في غرفة واحدة، والشقة قريبة من كازينو نفرتيتي الذي تصل أمواج البحر الأعمدة المقام عليها...كنا نشرب القهوة والشاي في الكازينو، نجلس بقرب الحائط الزجاجي الذي يطل على البحر، نراقب الموج الذي يأتي هادرا، ليتكسر على رمال الشاطئ، وتعود مياهه بنعومة الى حضن البحر، لتتشكل أمواجا جديدة تطارد بعضها البعض، والبحر مُغر للتأمل والتفكير، ويبعث الدفء في القلوب التي تتعطش لرؤية البحر، خصوصا اذا ما كانت محرومة منه كما هو حالنا، فلم يتبق لنا من الشاطئ الفلسطيني سوى شاطئ غزة، البعيد البعيد عنا رغم قرب المسافة منه.

البيت الذي نسكنه وكازينو نفرتيتي يطلان على قصر الملك فاروق، الذي تحول الى متحف يؤمّه الزوار والسياح، ذهبت يوما لزيارة القصر الذي سبق وأن رأيت موجوداته الملكية الباذخة في التلفاز، لكنني وجدته مغلقا ذلك اليوم، ولم أكرر المحاولة.

العطش لمعالم المدينة التاريخية:

استقليت وأحد زملائي في اليوم التالي لوصولي سيارة أجرة عمومية للتجوال في مدينة الاسكندرية، دون تحديد هدف معين، طلبنا من السائق أن يأخذنا الى مناطق مختلفة في المدينة، ولفت انتباهنا كثرة اللافتات واليافطات التي تحمل صور جيهان السادات(سيدة مصر الأولى) مرحبة بقدومها لزيارة الاسكندرية، فقلت يبدو أن زوجة الرئيس ملكة غير متوجة لمصر، وهذا ما كتبته في صحيفة الفجر المقدسية بعد عودتي الى القدس...وسألنا السائق اذا ما كانت زوجة الرئيس جمال عبد الناصر كانت تفعل في حياة زوجها ما تفعله زوجة الرئيس محمد أنور السادات، فأوجس منا السائق ريبة، وتحفظ على أسئلتنا، ولما سألناه عن المفارقات بين حكم عبد الناصر وحكم السادات، وكان قد مضى على رحلتنا ساعة من الزمن معه، توقف الرجل فجأة وأخرج بطاقة تفيد بأنه يعمل مخبرا للمخابرات المصرية، وقال الرجل بانكسار: أنتم فلسطينيون ولا أريد إيذاءكم، أنا رجل مخابرات، وما يدريني أنكم مدسوسون عليّ؟ انزلوا من السيارة لو سمحتم، ولا أريد منكم أجرة، ولم نستطع اقناع الرجل بالبقاء معنا، وفي النهاية وافق على إعادتنا الى نفس النقطة التي انطلقنا منها معه.

الحنتور:

ومر بنا حنتور- عربة يجرها حصان- واستقلينا الحنتور الذي طاف بنا حوالي اربع ساعات في مناطق مختلفة وقريبة من الشاطئ....مر بنا في أسواق شعبية، وفي محيط جامعة الاسكندرية، وكان الحنتوري رجلا خفيف الظل صاحب نكته...ولما سألناه عن صور السيدة جيهان السادات قال ساخرا:"دي الحاكمه بأمر الله يا بيه".

المطاعم:

وفي اليوم الأول لوصولنا الى الاسكندرية، ذهبنا الى أكثر من مطعم لنتاول طعام العشاء، فلم نجد فيها الا البيض والفول والفلافل"الطعمية" المعدة من الفول –وهذا ما لم نعتد عليه، ففي بلادنا وبلاد الشام كلها يعدون الفلافل من الحمص-، ويقدمون نبات الجرجير الذي لا نعرفه، ولما سألنا النادل عنه قال:"ده جرجير يا بيه...ده يقوي الدم" فأكلنا الفول والطعمية والبيض والجرجير، والأسعار رخيصة جدا قياسا ببلادنا، وحيث كان الدينار الأردني يساوي خمسة جنيهات...وفي صباح اليوم التالي أفطرنا نفس الطعام، وعند الظهيرة مشينا في الأسواق نبحث عن مطعم توجد فيه أصناف أخرى من الطعام، وعندما سألنا أحدهم عن مطعم فيه لحوم قال: لن تجدوا ذلك الا في الحيّ الأوروبي-الفرنسي- وأن بامكانكم أن تصلوا اليه بالترام الكهربائي الذي يشق المدينة، غير أن أحد الشباب وصف لنا مطعما في زقاق شعبي يبعد حوالي 300 متر عن مكان سكننا، فذهبنا اليه وتناولنا البامية وقليلا من اللحوم، وأعطانا رقم هاتفه مبديا استعداده لإيصال الطعام الى البيت، وفي مساء اليوم التالي هاتفناه سائلين اذا ما كانت لديه لحوم، فأخبرنا بأنه لا يوجد عنده الا كبد خراف، وعندما أحضرها لنا كانت كبد دجاج "قوانص"، ولم نستطع اقناعه بأنها كبد دجاج، فقلت له: اسمعني جيدا...نحن رعاة أغنام ونربيها ونذبحها بأيدينا، ولدينا حساسية من لحوم الدجاج لكثرة ما نأكلها......غير أن الرجل بقي مصرا على رأيه...فنقدناه ثمنها ولم نعد اليه ثانية.

وفي اليوم الثالث استقلينا الترام الى الحيّ الأوروبي، وقد هالنا كثرة اكتظاظ المسافرين في الترام ذكورا واناثا، والشباب الذين يتعلقون بجوانبه مما يشكل خطرا عليهم.

وفي الحيّ الأوروبي شاهدنا حياة مختلفة جدا، فالمحلات التجارية تزخر بمختلف أنواع البضائع المحلية والمستوردة، وهي تضاهي المدن الأوروبية حقا في الموجودات والترتيب والنظافة، والشوارع نظيفة أيضا، ورواد الحيّ من الأثرياء يظهر ذلك من خلال ملابسهم، ومن السيارات التي يستقلونها، والمطاعم تحتوي مختلف أنواع الأطعمة....تجولنا في الحيّ...اشترينا ملابس وتناولنا طعامنا في مطعم أنيق بترتيبه، وتبدو آثار النعمة على رواده.

وهكذا اكتشفنا أننا نسكن في حيّ شعبي، والأحياء الشعبية تكاد تكون متشابهة في كل دول الشرق الأوسط، مع بعض الفوارق البسيطة النابعة من البيئة المحلية.

تدمير القطاع العام:

ويلاحظ أن نظام الرئيس السادات قد  شرع بتدمير القطاع العام، من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تبناها، وتمثل ذلك بتصفية المؤسسات الاستهلاكية العامة، التي كانت تبيع المواد الأساسية للمستهلك بالأسعار التي تحددها الدولة، والتي تخدم جمهور المستهلكين، خصوصا الفقراء ومحدودي الدخل منهم، كما أنها بدأت ببيع المصانع التي تملكها الدولة، أو اهمالها وعدم استبدال القطع التالفة في الآلات لاجبارها على الاغلاق، مصحوبة بسياسة الاحتكار التي مارسها المتنفذون في النظام، وظهور طبقة القطط السمان كما أطلق عليها رجل الاقتصاد الشهير الدكتور فؤاد مرسي، وعندما عدت الى البلاد كتبت في صحيفة الفجر المقدسية انطباعاتي عن زيارتي لمصر تحت عنوان" مصر السادات تدمير للقطاع العام وبراءة من العهد الناصري" مما أثار غضب أحد أعضاء مجلس ادارة الصحيفة، الذي قال:" هذا الولد يريد أن يمنعني من دخول مصر" ويجب فصله من الصحيفة، غير أن رئيس التحرير بشير البرغوثي وبقية أعضاء مجلس الادارة لم يستمعوا له، فطلب حذف اسمه من مجلس الادارة، وبقي غاضبا لمدة تزيد على عام وتسعة شهور حتى جرت تغييرات في الصحيفة، وتم استبدال طاقم تحرير الصحيفة بالكامل.

عبد الناصر والسادات:

ومن اللافت أن الناس العاديين كانوا يخافون من الحديث عن فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، أو مقارنتها بحكم السادات، وفي حديثنا مع مهندس مصري يسكن في جوارنا، أخبرنا أن الخوف نابع من التهديد بلقمة العيش، فمن يترحم على عبد الناصر وأيامه، أو يغمز بحكم السادات فانه سيتعرض للمساءلة وللاعتقال ولفقدان عمله في بلد تنتشر فيه البطالة، وعصا أمن النظام فيه غليظة ولا ترحم، وذات يوم أحضر لنا صحيفة الأهرام وأرانا خبر تساقط الثلوج على الأراضي الفلسطينية منشورا  في مكان بارز على الصفحة الأولى، في حين أن خبر استشهاد شاب فلسطيني كان منشورا في الصفحات الداخلية ووسط أخبار عادية، وعقب على ذلك قائلا: هذا هو الفارق بين عهدي عبد الناصر والسادات.

الصدفة أنقذتني من الموت:

وبعد ان انتهينا أنا ومحمد الأعرج من الامتحانات، عرضت عليه أن نغادر عصر ذلك اليوم في القطار الى القاهرة، كي نستطلع بعضا من ملامحها، غير أنه رفض ذلك بشدة، على أن نسافر في صباح اليوم التالي، وبقيت مصرا على رأيي، وعدت الى البيت وحملت حقيبتي واستقليت سيارة الى محطة القطارات، وعندما عاد ولم يجدني لحق بي في سيارة أخرى، وأمسك بي وأنا على درجات القطار وأنزلني مرغما لأبقى معه حتى صباح اليوم التالي.

وفي صباح اليوم التالي توقف بنا القطار على بعد عدة كيلو مترات، حيث كان القطار الليلي قد اصطدم بقطار آخر وسقطت منه أربع عربات في إحدى قنوات النيل، وكان هناك إصابات بينهم قتلى وجرحى، وقوات الجيش تقوم بعمليات الانقاذ، وهكذا أنجاني الله من موت محقق عندما سخر زميلي كي يمنعني من السفر في القطار المنكوب.

وفي القاهرة تجولنا في ميدان التحرير، وبقينا فيه حتى موعد اقلاع طائرة العودة من مطار القاهرة الى مطار ماركا في العاصمة الأردنية.