يومياتي في أمريكا

بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم

الحلقة (11)

أ.د/ جابر قميحة

[email protected]

مع الحمام العربي.. والحمام الأمريكاني

من الحيوانات والطيور ما تنظر إليه الشعوب كرمز لمعنى نفسي أو اجتماعي أو سياسي, فالإنجليز يتشاءمون من القط الأسود, وكثير من شعوب العالم ينظرون إلي البومة كرمز للتشاؤم والفأل السيئ, وإن خالف في ذلك عباس العقاد الذي كان يقتني في مسكنه تمثالاً للبومة. وشعوب الغرب تتشاءم من الرقم 13» لذلك يتفادون هذا الرقم في مبانيهم, فالطابق الذي يعلو الطابق الثاني عشر لا يأخذ رقم13, ولكن رقم14.

 وقد تختلف الشعوب في كل أولئك أو بعضه, ولكن هناك إجماعًا علي اتخاذ «الحمامة» رمزًا للسلام. وقد يرجع ذلك إلي سبب تاريخي أورده الطبري في تفسير قوله تعالي: (.. واستوت علي الجودي..) .. عن قتادة «ذُكًرَ لنا أن نوحًا - عليه السلام - بعث الغراب لينظر إلي الماء (أي ليكشف لركاب السفينة نهاية الماء ووجود أرض لرسو السفينة) فوجد جيفة فوقع عليها (أي نسي المهمة التي كلف بها), فبعث حمامة فأتته بورق الزيتون.

 فاتجه نوح - عليه السلام - بسفينته إلي أرض «الجودي».. وكان الإنجاب والتعمير والسلام. وأصبحت الحمامة رمزًا للسلام, وخصوصًا إذا حملت في منقارها غصن زيتون. كما أن في الحمامة من الصفات الذاتية ما يؤهلها لهذه «الرمزية», ويجعلها جديرة بها» فهي من أجمل الطيور شكلاً, وهي هادئة وديعة, لا تأكل اللحوم, ولا تؤذي, ولا تعتدي علي طائر أضعف منها, وهي وديعة حتي في دفاعها عن نفسها وبيضها وصغارها. وصوتها (ويسمى الهدير, والهديل, والسجع) لطيف جميل هادئ, تأنس إليه النفس, وتحبه, علي رنة حزن فيه. فلا عجب أن يكون الحمام هو أكثر الطيور ذكٍرًا في الشعر العربي, فربطوا بينه وبين الوفاء, والحب, والشعور الحاد بالغربة, وتذكُر الأحباب بعد الفراق. فها هو ذا «أبو فراس الحمداني» في أسر الروم, يري حمامة تهدل بصوت محزون, فيخاطبها بقصيدة طويلة منها الأبيات التالية:

أقول, وقد ناحت بقربي iiحمامة
أيا جارتا ما أنصفَ الدهرُ بيننا
تعالي  ترَيٍ روحًا لديّ iiضعيفةً



أيـا جارَتا هل تشعرين iiبحالي?
تـعـالي  أقاسًمٍك الهمومَ iiتعالي
تَـرَدّدُ  فـي جسمٍ يُـعذَّبُ iiبالِ

وقال عوف بن محلًّم:

وأرقني  «بالريًّ» نوحُ iiحمامةً
عـلي أنها ناحتٍ ولم تُذٍر iiدمعةً


فنُحتُ وذو الشجٍو الحزين ينوحُ
ونُحتُ  وأسراب الدموع iiسُفوح

**********

وفي ذكرى مأساة «دنشواي» التي شنق فيها الإنجليز سنة 1906 أربعة من الفلاحين المصريين, وسجنوا وجلدوا عشرات آخرين ظلمًا وعدوانًا, يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم من قصيدة طويلة له:

نوًّحي حمائمَ دنشواي, وروًّعي
مـتـوجـع يتمثل اليوم iiالذي
السوط  يعمل, والمشانق iiأربع
والـمستشار إلي الفظائع ناظر
وعـلـي وجـوه الثاكلين iiكآبة





شـعـبًا بوادي النيل ليس iiينامُ
ضـجـت لـشدة هوله iiالأقوام
مـتـواجـدات والجنود.. iiقيام
تـدمـى  جـلود حوله iiوعظام
وعـلـي وجوه الثاكلات iiرَغام

وليحمد حافظ إبراهيم ربه ؛ لأنه لم يعش عصر الثورة الميمونة, سنة 1952 , وعصر «قانون الطوارئ», إذن لا ستهلك في شعره كل حمام العالم.

 **********

سيد قطب والحمام.. الأمريكاني!!

وفي نيويورك بالولايات المتحدة - حيث عاش شهيد الإسلام سيد قطب عامين في مهمة علمية يري الحمام بأعداد كبيرة, فيكتب الخاطرة التالية التي نشرها في مجلة الكتاب في ديسمبر سنة 1949 . وهي قطعة أدبية رفيعة : «قلت: وَبٍكُنّ!! أهنا للحمائم الوادعة مكان?! أفي نيويورك ذلك المعترك الصاخب اللاجب, الذي لا يهدأ لحظة, ولا يطمئن. أفي نيويورك هذه مكان لسرٍبكن الآمن الوديع?.. وتلفتن يمنة ويسرة بعيونهن الوديعة الشفيقة, ولم يفقهن عني شيئًا, ولكني فقهت عنهن, ووعيت!!

 كن سربًا من الحمائم, قد هبطن علي الطوار (الرصيف) العريض الواسع في إحدي الطرقات العامة, غير عابئات بتلك الضجة اللاجبة من حولهن, تلك السيارات بحركتها الصاخبة, ذلك الزحام المتماوج المتلاطم كأنه القيامة, تلك الجموع الراكضة, كأنما تجذبها رائحة الفريسة, تلك الخطوات المحمومة كأنها تلهبها السياط, تلك النظرات الجامدة القاسية كأنها نظرة الجلاد, أو الحادة اللامعة ببريق الطمع والرغبة والاشتهاء.

 كنّ غير عائبات بذلك كله, كأنما يقلن لذلك القطيع الهائج المحموم: شيئًا من الدَّعة أيها القطيع, شيئًا من الأمن والطمأنينة والهوادة, شيئًا من التأمل في معني الحياة, وجمال الحياة, وموسيقي الحياة”.

 ويري الشهيد سيد قطب هذا «القطيع البشري الأمريكي» الذي يتصارع من أجل المادة بلا استشعار القيم الإنسانية, فأمريكا في نظره «ورشة ضخمة», ويكتب.«. وكلما رأيت هذا القطيع الهائج تذكرت: تذكرت ذلك السرب الآمن, سرب الحمائم الوادع في نيويورك, الذي لا يعبأ الضجة والزحام, وكلما راودني اليأس من البشرية التي تتمثل آخر أطوارها في ذلك العالم الجديد, انساب إلي نفسي الأمل الراضي, ولا أذكر سرب الحمائم الآمن في جوار ذلك القطيع”.

 وبعد عام من إقامته يكتب وهو في «جريلي» بولاية «كلورادو»: «.. الحياة قلق دائم, وعمل دائم, واشتهاء دائم, وارتواء دائم, وضجيج, واندفاع علي الدوام. وبين الحين والحين أري أسراب الحمائم في «جريلي» كذلك السرب الذي رأيته أول مرة في نيويورك. وفي كل مرة أتوجه إلي السرب الوادع بنفس السؤال: أهنا للحمائم الوادعة مكان? وفي كل مرة أتلقي نفس الجواب: نظرات وادعة من تلك العيون الوادعة. إنهن لا يفقهن عني شيئًا, ولكني أفقه وأعي جواب ذلك السؤال». رحمك اللّه يا سيد.. يا شهيد الإسلام العظيم.

 **********

وحكايتي .. مع الحمام الأمريكاني..

ما رأيت حمامة تتخبتر علي رقعة خضراء في أية مدينة أو قرية مصرية, إلا وتذكرت حكاية لي غريبة مع الحمام الأمريكاني, كنت أيامها أعيش في مدينة «نيوهافن» بولاية «كنكتكت» بالولايات المتحدة .

 ومعروف أن كل مدينة أمريكية فيها ما يسمي بالـ(جرين). والجرين ميدان واسع جدًا, تفرشه الخضرة الدائمة وتتناثر فيه مقاعد رخامية أو خشبية لجلوس الجمهور, وعلي أحد جوانب «الجرين» - أو في وسطه - كنيسة ضخمة, ولكن أهم ما يشد النظر هذه الأعداد الضخمة من الحمام الذي يغلب عليه اللون الأزرق اللامع. وهو حمام ألوف يقترب منك في دعة وأمان, ويتناول الحَب من يدك إذا بسطتها له, ورأيت بعضهم يضع الحب علي كتفيه, فيحط عليهما الحمام لالتقاطه.

كنت أعيش بمفردي في الشقة الصغيرة التي أنزلتني بها جامعة (يلٍ (YALE) التي أعمل بها, وأقوم بكل ما أحتاج إليه من طبخ وكنس وغير ذلك. وأمرّ علي «الجرين» كل يوم مرتين: في طريقي من مسكني إلي الجامعة, ومنها عائدًا إلي مسكني. وذات يوم دار في نفسي حوار داخلي: لماذا لا أمتع نفسي بوجبة من لحم هذا الحمام الذي لا صاحب له حتي لو كان القانون الأمريكي يحرم صيده وأكله?

وبدأت أتخلي عن الإعجاب بالخضرة, ونظافة الشوارع, وجمال الطبيعة, وصرت أسير فكرة واحدة اسمها " الحمام المشوي" .

 وفي صباح سبٍت من شهر ديسمبر سنة 1981 (والسبت والأحد عطلة أسبوعية في أمريكا) توجهت إلي "الجرين" ومعي حقيبة من قماش, وحفنات من الأرز, وكان الميدان خاليًا تمامًا, جلست علي أحد المقاعد الرخامية.. اتجهتٍّ عشرات من الحمام إليّ.. نثرت حب الأرز حولي, وقرب قدميّ.. فتحت «سوستة» الحقيبة القماشية لاستقبال الحمام الموعود.. اقترب الحمام مني إلي درجة الالتصاق.. بدأ لعابي يسيل أمام الصور الخاطفة التي مرت أمام مخيلتي: سفرة.. أطباق.. حمام مشوي.. و.. و... وأفقت من خيالي العارم.. وانقضضت بيديّ علي أقرب الحمام إليّ.. وللأسف!! لم أقبض إلا علي هواء.

 طار الحمام بعيدًا عني, وحط علي الجانب الآخر البعيد من «الجرين». لزمت مكاني من المقعد الرخامي في انتظار عودة الحمام.. دون جدوي. غادرت «الجرين» وسرت في الشوارع الجانبية. وعدت إليه بعد ساعة, وجلست علي مقعد بعيد جدًا عن مقعدي الأول. ونثرت ما بقي معي من حبات الأرز أمامي وحولي, ولكن حمامة واحدة لم تقبل عليه.. عجبًا!! مع أن أغلب هذا الحمام لم يكن مما تعرّض لهجمتي الأولي. هل للحمام لغة وظفها الحمام الأول في تحذير غيره من الحمام? أم قرأ الحمام أعماقي وسريرتي, واكتشف نيتي العدوانية, فظل بعيدًا عني?!!

 طال بي الانتظار بلا فائدة.. حملت حقيبتي القماشية الفارغة, وبقايا أرزي.. وخيبتي.. ميممًا شطر مسكني, وبعد أن سرت عدة خطوات, نظرت فجأة إلي المكان الذي تركته, فإذا بالحمام يهجم علي ما نثرت من أرز في نهم.

مضي علي هذه الواقعة أكثر من ربع قرن . واليوم أسأل نفسي: لو ذهبت إلي «الجرين» اليوم, أيقبل الحمام عليّ وعلي ما أنثره من أرز? الواقع الحالي يقول: لا, فقد تحولت كل حمائم الولايات المتحدة إلي بوم, وصقور, وغربان . والفضل للإمبراطور «بوش». عدو الاسلام والمسلمين والعرب والحق والحقيقة .