تلمسان.. كما أعجيتني صغيرا

نحن الآن في يوم 10 أكتوبر 1980، زلزال عنيف يضرب الأصنام سابقا والشلف حاليا، ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، عمارات إنهاات، غبار تعالى وتتطاير من شدة البنايات المنهارة. وتعطّلت المدارس ولم يعد بالإمكان دخولها، فقيل لنا إستعدوا لمواصلة الدراسة بتلمسان، وقد كنا من قبل في متوسطة طريق وهران المقابلة للمعهد، المعروف حاليا بثانوية بوعيسي.

نزلنا محطة قطار الشلف، وكانت قبل زلزال 10 أكتوبر من أفضل المحطات في الجزائر، بل الشلف كلها كانت جميلة بهية.

نزلنا بتلمسان، وبالضبط بمتوسطة الكيفان بالكيفان، وقد أعدت خصيصا لأبناء الأصنام القادمين من هول الزلزال.

متوسطة الكيفان.. المتوسطة جديدة، وكنا الأوائل الذين إستفدنا من خدماتها. كانت تحتوي على مرقد، ومطعم، وفناء، وأقسام، وإدارة.

لاأتذكر أني دخلت الإدارة، ومصطلح الإدارة لم نكن نعرفه يومها. ونفس الثقافة حملتها معي وأنا طالب في الجامعة، فلم أكن أعرف الإدارة إلا مضطرا ونادرا جدا.

وبما أن المتوسطة كانت جديدة لم تكتمل، وظروف زلزال الأصنام فرضت عليهم إستقبال أبناء الأصنام سابقا، فإن الأشغال بقيت جارية. وأتذكر جيدا أن الشاحنة الكبيرة المختصة بتسوية الأرضية، قامت بتسوية الأرضية داخل المتوسطة، وبما أن هلع الزلزال مازال في الأذان، فرّ الطلبة وقفز بعضهم من النافذة، وحدث هلع كبير داخل المتوسطة، ومن يومها لم يعد صاحب الشاحنة لما قام به من قبل.

وحينها تأكد أهل تلمسان، أن هول الزلزال عنيف لايطيقه الكثير ولا يتحمله الكثير، فكيف بهؤلاء الصبية الصغار.

ثلج تلمسان.. لأول مرة أزور تلمسان، ولأول مرة في حياتي أرى الثلج من خلال تلمسان. كنا يومها إلى الفقر أقرب، ولم تكن لنا الملابس اللازمة لمقاومة الثلج، خاصة وأن الرحلة إلى تلمسان جاءت على حين غرة، ولم نكن نعلم ولا أهلينا يعلمون أن تلمسان بها برد وثلج.

أصيب جمع كبير من التلاميذ بأضرار بالغة في أيديهم وأرجلهم، جراء البرودة الشديدة وتهاطل الثلوج، ضف لها عدم الاستعداد من حيث اللباس والحذاء المناسب.

ومن الصور العالقة بالذاكرة ولا يمكن للتلميذ أن ينساها أبدا. حين سقط المطر ذات شتاء بتلمسان، خرج التلاميذ إلى ساحة متوسطة الكيفان، واجتمع بعضهم، منهم زميلي عبد القادر هنية، وهو الآن متقاعد عن العمل برتبة عسكرية عالية، فجعل من الثلج كرة كبيرة جدا حتى إنه إختفى وراء الكرة، ولم يستطع الأستاذ المكلف بتسيير التلاميذ من رؤيته.

المسجد الكبير بتلمسان.. صورة المسجد الكبير بوسط مدينة بتلمسان مازالت راسخة ولن تغادر مخيلة الطفل أبدا. مسجد كبير جدا يحتوي على زرابي غليظة عديدة، حتى أن المصلي لايستطيع وضع رجليه فوق الأرض من كثرة الزرابي وعلوها. حين يقف المصلي وكنت يومها طفلا في 14 من عمري في أقصى المسجد، لايستطيع أن يرى الجهة الأخرى المقابلة من شدة طول المسجد وكبره.

كانت تزين المسجد ثرية في وسطه ومقابلة للمحراب، كانت كبيرة جدا لم يرى الطفل الحجم والطول، وكان المنبر طويل جدا وذا جمال وفن يلفت الأنظار.

كارنتيكا تلمسان.. كنا نأكل الكارنتيكا ونحن صغارا بالأصنام سابقا ومازلنا لكن بنسبة قليلة، لكنها في تلمسان أكلة رئيسية، وتقدم بشكل جذاب لذيذ ومرفوقة بكوب عصير بارد. وتزداد جاذبيتها وحب الكبار والصغار لها، حين تقدم في فصل الشتاء ساخنة، فيضاف لها كمية من الكمون وقليل من الهريسة، فتغري صاحبها لطلب المزيد.

سيدي بومدين.. زرت ضريح سيدي بومدين ورأيت وأنا الطفل، تهافت النسوة على الضريح، وتقديم قليل من المال للقائم على الزاوية. ومن الصور التي مازال يحتفظ بها الطفل، ذلك الشيخ الكبير الوقور، صاحب اللحية البيضاء، يمشي بهيبة ووقار، يتبعه خلق كبير من النساء والرجال، لعلّهم ينالون منه دعاء الصالحين لأبناءهم وبناتهم، ولم يغتر بالجمع الكبير من النّاس.

مكتبة دار الحديث.. زرت يومها مكتبة دار الحديث، كانت في ذلك الوقت أي سنة 1980-1981، قديمة يبدو عليها آثار القدم، إحتوت على طابقين. ولا أذكر هل كانت هناك مكتبة أم لا؟، فمن عادتي زيارة المكتبات مذ كنت طفلا.

المنصورة.. لاأعرف المسافة الفاصلة بين الكيفان والمنصورة، لكن كنا نسير للمنصورة مشيا على الأقدام، ولا أعرف أننا في تلمسان ركبنا حافلة أو سيارة أجرة، فقد كنا في وسط المدينة، وكانت كل الأماكن قريبة منا.خلال زيارتي

كانت المنصورة بأطلالها وتاريخها العريق، يزورها الكثير ويتفقدها الكثير. لكن بعد مضي 35 سنة على زيارتي لها، أقول وقد شارفت على الخمسين من عمري..

كانت زيارتنا فردية ونحن أطفال، وكان على القائمين من تلمسان أن يخصصوا لنا مرشدا عارف بالآثار والتاريخ يحسن التحدث مع الأطفال، فيشرح لنا تاريخ الجزائر من خلال أطلال المنصورة، فيرسخ في الطفل حب الجزائر وعشق تاريخها.

لم أشهد خلال زياراتي للمنصورة الزوار الأجانب يومها. وما زلت لحد الآن أتساءل عن غياب الأجانب.

كان يظهر على المنصورة يومها إهمالا أثّر على منظرها، فأمست كأنها مهجورة، تثير الرعب والفزع في زائرها. والآن وبعد 35 سنة، مازال الطفل يتساءل، كيف حالها؟. هل تحسن منظرها؟. أرجو أن يكون أفضل وأحسن من عهد الصبا.

مدرسة أشبال الثورة.. كانت هذه المدرسة بوسط تلمسان، ونحن لانعرف عنها غير الصور الممتد عبر وسط المدينة والمرتفع جدا. وكنا حين نسأل  عن الصور يقولون لنا إنه مدرسة أشبال الثورة، فنحن إذن لانعرف من المدرسة غير الصور. وأظن أن تلمسان يومها، كانت تزخر بأصوار قديمة جدا تعود لقرون، لا أتذكر غير هذا الصور.

قصور تلمسان.. أعيد وأكرر، جئت من عائلة بسيطة جدا وربما كانت إلى الفقر أقرب. بيتي في حي بن سونة من غرفتين، ونحن 10 أفراد. كانت دهشتي كبيرة جدا لما رأيت من قصور عالية، وبنايات فخمة، رأيتها لأول مرة في حياتي، فعلمت من يومها أن أهل تلمسان أغنياء أثرياء. ولست أدري، لو زرتها الآن بعد 35 سنة، هل مازالت تلمسان غنية ثرية. أرجو أن يزيد الله في غناها وثراءها.

دروس الكيفان.. كانت المتوسطة مناسبة لصلاة الجماعة، والحفاظ على الشعائر الدينية بقدر المستطاع. أتذكر أن الأستاذ الهاشمي وأستاذ آخر لايحضرني الآن إسمه، كان يصلي بنا صلاة الفجر، وكان ذا صوت حزين مبكي، يشرفون على الصلاة وتعليم التلامذ أمور دينهم.

صورة أتذكرها جيدا، كنا يومها ندرس في القسم، فدخل علينا الأستاذ الهامشي، وبعد أن طلب الإذن من الأستاذ، طلب منا أن نستخرج كتاب التاريخ وبالضبط الصفحة التي تحتوي على صورة سيّدنا عيسى عليه السلام، فطلب من تلاميذ المتوسطة كلها، لأنه مرّ على كل الأقسام، أن يقوموا بتمزيق الصفحة التي تضم صورة سيّدنا عيسى عليه السلام، باعتبار أنه لايجوز رسم الأنبياء.

ذات يوم أحضر الأستاذ الهاشمي تلميذا جميلا أبيض البشرة من تلمسان، وقدّم لنا درسا دينيا لاأتذكر موضوعه. وحين انتهى من إلقاء كلمته، طلب مني أن أقدّم درسا ، فارتجلت ودون إعداد مني، درسا أشرح فيه حديث سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ دخل علينا رجل أشعث أغبر..الحديث"، وأعجب الجميع بكلمتي، وكانت أفضل بكثير من كلمة الشاب التلمساني من حيث حلاوة الصوت، وحسن الاستشهاد، والارتجال الجيد، والتسلسل المطلوب، واللغة الفصحى الحسنة . وربما مايحزن له المرء بعد مرور 35 سنة، عدم تسجيل تلك الدروس يومها.

أستاذي ثابت.. إمتاز أستاذي ثابت بحسن المظهر دوما، فقد كان يومها في عزّ شبابه، وربما كان عامه الأول، والأدب الجم، وحرصه على النظافة والنظام داخل القسم. فرح كثيرا بتلامذته حين زاره المفتش لأول مرة، فقد كنا في المستوى المطلوب، وامتثلنا لتعليماته التي قدّمها لنا بشأن زيارة المفتش. وكانت من نتائج الزيارة، نجاحه وتألقه. بل إن المفتش حين فاجئه بالزيارة للمرة الثانية، لم يجد فرقا كبيرا مقارنة بالزيارة الأولى، ووجد لدى تلامذته نفس الاجتهاد والانضباط والتنظيم، فتأكد له النجاح.

كان يحبني كثيرا، ومعجب بما أقول وأكتب، وقد لقيت منه كل أنواع الشكر والتشجيع. وبعد 35 سنة، يظل التلميذ الصغير، يعترف بفضل أستاذه ثابت، ويهدي له هذه الأسطر، التي كان سببا في ظهورها وبروزها.

بين يدي الآن كشف النقاط، الذي كان يكتب يومها بخط اليد وباللغة الفرنسية، ملاحظة الأستاذ ثابت بشأن تلميذه معمر حبار. جاء في الفصل الأول من سنة 1980-1981 "نتيجة حسنة. طالب نشيط وجدي في أعماله واصل". وجاء في الفصل الثاني " طالب نشيط وجدي يستحق التشجيع".

تلمسان في ضيافة الشلف.. في العام الموالي من انتهاء السنة الدراسية بتلمسان، وعودتي للبيت، زارني الأستاذ الهاشمي في الشلف، رفقة زميله الأستاذ الذي كنا نناديه بـالحزامة في العام الأول فيما أتذكر، وزارني أيضا في العام الثاني، رفقة أستاذ آخر.

وقد أحسنت الضيافة وأنا الطفل في 15 من عمري، ويعود الفضل في إكرام ضيفي من تلمسان إلى أبي رحمة الله عليه الذي تكفل بمصاريف الضيافة، وهو الفقير الذي يطعم 10 أبناء بالقليل القليل الذي يتحصل عليه من سهر الليل وعرق النهار. وكذلك يعود الفضل إلى أمي رحمة الله عليها، التي تكفلت بإعداد الطعام والشراب والمبيت، ونحن مازلنا يومها تحت آثار الزلزال. ونسأل الله أن تكون هذه الأسطر في ميزان الوالدين، رحمة الله عليهما.

وسوم: العدد 631