تهنئة لـ"توكل"

تهنئة لـ"توكل"،

ولثورة الشعب اليمني والعربي العظيم

أ.د. ناصر أحمد سنه - كاتب وأكاديمي من مصر

[email protected]

التهنئة كل التهنئة، والتبريكات كل التبريكات، بالفوز بجائزة نوبل للسلام للعام 2011م لشخص الثائرة اليمنية الأخت "توكل كرمان". وما تمثله ـ نيابة عن شعبها اليمني العظيم وثورته السلمية الباهرة. كا يجسد الفوز تكريماً لكل الشعب العربي الحر الأبي، وربيع ثورته العربية الكبري. لذا يحق للشعب العربي أن يرفع رأسه، عالياً، متفاخراً ومتباهياً بالمرأة العربية، نصف مجتمعه، وكل مُستقبله. في مجتمعات لطالما وصفت "بالذكورية"، ووصمت فيها المرأة بسمات "نمطية سلبية". هاهو المشهد الثوري العربي تتصدره المرأة، كتفاً إلي كتف، ويداً بيد، مع الرجال. أليست تلك حالة "ثورية، عجائبية، غير مسبوقة"؟.

كما ساهمت الثورات العربية في التحرير من بطش حكام مستبدين، أظهرت جلياً الصورة الحقيقية للنساء العربيات. لقد أثبت ربيع التغيير الثوري العربي عكس ما رُوج كثيراً، عن المرأة، شانها شأن الشباب الذي بادر إليه. فقد كانوا يرونها: صامتة، ضعيفة، معزولة، مختبئة خلف جدرانها، لا تحرك ساكناً، تتأثر ولا تؤثر الخ. لقد شاركت المرأة، بقوة، في الثورات العربية فغيرت تلك الصورة النمطية. وعلّمت العالم أنها ليست مختلفة عن مثيلاتها في العالم، وأنها تشارك مجتمعها نضاله، يدها بيد الرجل، رافضةً الظلم، صارخة من أجل الحرية والكرامة والعدالة والتنمية والتقدم.

شركاء.. من البداية للنهاية

منذ اللحظات الأولى في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا جاءت مشاركة المرأة العربية.. تدويناً، وتمهيداً، وتحريضاً، وتعبئة، وإعداداً، وتخطيطاً، وتنفيذاً، وتحملاً، وإمداداً، وتطبيباًُ،  واستشهاداً. وجاءت مشاركتها، بغض النظر عن "الولاءات الأيديولوجية والدينية"، لتسجل حضورًا فاعلاً، وقوة دافعة تطالب بحقها في الكرامة والحرية والعدالة إلى جانب أخيها الرجل. وما نباً أم "محمد البوعزيزي" عنا ببعيد.

ومن الفضاء الإلكتروني إلي أرض الواقع "الدامي" برزت ثائرات عربيات، ومناضلات ناشطات على الإنترنت وفي الإعلام يدعون إلى الانتفاضة/ الثورة على الواقع والمشاركة الفاعلة فيها، مسجلات اندفاعًا كبيرًا يفوق حماسة الرجال. وسطعت أسماء عديد من الناشطات؛ مثل الشابة المُدونة السورية  (المُعتقلة) "طل الملوحي" (16 عاماً)، ونظيرتها المصرية "أسماء محفوظ" (25 عاماً) التي كانت دعت في تسجيل على الــــــ "يوتيوب" إلى المشاركة في تظاهرة "25 يناير"؛ ردًّا على مقتل الشاب السكندري "خالد سعيد" على يد رجال من الشرطة. وسجّلت فأكّدت: "إذا كنتم تريدون أن تعيشوا بكرامة في هذا البلد، فينبغي عليكم الخروج إلى الشوارع يوم 25 يناير. وأنها ليست خائفة وستشارك في التظاهرة رغم الترهيب الأمني".

لم تكن تعلم"فادية حمدي" المرأة/ الشُرطية التي صفعت " محمد البوعزيزي" أنها ستقف وراء هذا الثوري، وهذه الثورات العربية، التي كرت كالمسبحة. لم تكن تعلم أنها ستكون سبباً رئيساً في جلب الكثير إلى تونس، وغيرها، من الحرية والإنعتاق من الأصفاد والإستعباد والإستبداد. لم تكن تعلم أنها ستجعل من ضحية غطرستها بطلاً قومياً، ورمزاً للكرامة والإباء!.

 

في تونس "الخضراء"

في تونس (السّجن الكبير)، كان الهارب "بن علي" مأموراًً قاسياً. وأيضا جميع أعوانه من قوات الرّدع والشُّرَط، وحتى تلك التي لاتتعدّى مهامها تنظيم المرور، كانت تصادر ما يُعجبها من عربات حديثة بعد تهديد أصحابها وإشباعهم سبًّا وشتما.. وتحرق عربات الشرفاء المتجوّلون القديمة والبالية، بعد أن تُشبع أصحابها ضربا وركلا، وصفعا!. و(فادية حمدي) كانت فردا من تلك "العصابة" التي لم تكن تخش (في الظلم) لومة لائم، مادام الظلم والقهر والفساد قانون عام في أرجاء تونس. قهر ـ لأتفه الأسباب ـ كجرٍّ عربة خضار في الشوارع بلا تراخيص !..

بدأ ربيع الثورات العربية بتدافع عشرات المئات من التونسيات والتونسين إلى شوارعها طلباً للحرية والعدالة والكرامة. تقول "مروى رقيق" (فتاة تعمل مساعدة للإخراج): "كنت انقطع عن عملي لأذهب إلى شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة لأشارك المتظاهرين احتجاجاتهم وأرفع اللافتات وكنت حاضرة هناك يوم 14 يناير 2011 يوم هروب الرئيس السابق بن علي" أما الشابة "رماح المثلوثي" (في العقد الثالث من عمرها) فلم تفوّت يوماً من أيام الثورة إلا وخرجت تدافع عن "حقها في الحياة والحرية والعدالة"،. رماح نقابية من ولاية المهدية وقد صرّحت بقولها: "كنا مع الشباب في الصفوف الأولى نحتمي بهم أحياناً ويحتمون بنا أحياناً أخرى".

تصدرت المرأة المصرية ـ من مختلف الأعمار ـ  ومنهن علي سبيل المثال "نوارة نجم"، و"بثينة كامل"، و"جميلة أسماعيل"، و"اسراء عبد الفتاح"، و"زهراء الشاطر"، و"صفاء الصاوي" وغيرهن مشهد التظاهرات المليونية الميدانية، (والإعلامية) في ميدان التحرير وشوارع القاهرة، وسائر ميادين وشوارع مصر الخ.

فـ "نوارة نجم" (من مواليد القاهرة في 8 أكتوبر 1973).. ثائرة بالوارثة، فهي ابنة الشاعر " أحمد فواؤدا نجم ، والكاتبة " صافي ناز كاظم". وتُعد " نوارة" ـ المدونة والناشطة والصحفية المهتمةـ ايقونة من ايقونات الثورة المصرية: نسمعها تردد ـ بعد نبأ التنحي، وعبر قناة الجزيرةـ فتقول:"أشكر تونس وأشكر قناة الجزيرة مافيش ظلم تاني مافيش خوف تاني". كانت "نوّارة" طيلة أحداث وأيام الثورة صوت المناضلين المصريين والتونسيين قبلهم, أعلنت أن لا خوف بعد اليوم، ولا قلق، بعد أن أطلقت زغرودة النصر من ميدان التحرير/ "ميدان الشهداء".

لقد قامت النساء بدور فعال، ليس فقط في الاحتجاجات ولكن في تنظيم الأشياء الأساسية التي حولت ميدان التحرير من لحظة إلى حركة. شاركن في ترتيب وتسليم المواد الغذائية والأغطية وتقديم المساعدة الطبية اللازمة، وتنظيف الميدان. لكن أكثر المواقف المؤثرة دفع الأمهات لأبنائهم للمشاركة في الثورة غير عابئات إن لاقوا حتفهم أم لا.

ومن عجيب الثورات المصرية والليبية، وطريف يوميات ميدان التحرير، بالقاهرة، وبنغازي أن يعلو فيهما صوت الإرادة الشعبية الثورية (ارحل...ارحل، والشعب يريد اسقاط النظام،.. وقولوا لمعمر وعياله، ليبيا فيها رجاله...الخ). وصوت ديمومة الحياة الإنسانية يصرح: "زوجتك نفسي". ثلاثة "عقود قرآن": (في تحرير مصر: "نورا شاكر" علي "أسامة محمد خليل"، و"علا محمد"، علي "أحمد ذعفان"). لا تتعجب إنها ثورات لم يشهدها لها التاريخ مثيل.

حرصت المراة علي دفع وتدعيم الحفاظ على زخم الاحتجاجات المستمرِّة، معربات عن مدي قوتهن وتأثيرهن ودورهن في الأحداث وما بعدها مما سينبثق من هذه الثورات.

 

في ليبيا "أحفاد المختار"

في ليبيا، فكانت المرأة في الطليعة أيضًا، فقد ذهبت أمهات وأخوات وأرامل الرجال الذين قتلوا في عام 1996 للتظاهر خارج مبنى المحكمة في بنغازي بعد اعتقال محاميهم. وقالت "منى السهلي"، وهي محاضرة في جامعة "قاريونس" للأدب في بنغازي، والتي قتل شقيقها في هذه المذبحة "لقد نسيت حتى تغطية وجهي حتى لا أكون محددة".

أما المحامية الليبية "سلوى بوقعقيص"، فكان لها الأثر في إذكاء نار الثورة. قادت أول خطوة جدية في دعم ثورة الشباب ومنحها القدرة على التحدي والصمود. ترأست اجتماعًا في مكتب الادعاء العام في "بنغازي"؛ حضره عدد من المحامين والقضاة. ولا تزال تقود النشاط الثوري في بنغازي. وتلّوح بالأفق شخصية نسائية أخرى هي "نجاح قبلان"، التي قامت بإعداد شعارات للثورة الليبية. إنها واحدة من بين نساء كثيرات يشاركن في عملية التعبئة. وتقول: "نجمع الشعارات التي يؤلفها الناس، ونخطها على لافتات لنعلقها في الشوارع".

في الثورة الليبية نساء من كل الأعمار يشاركن في المسيرات والمظاهرات ويقاتلن للحصول على حقوق الليبيين.. رجالاً ونساءً . أمهات ليبيات يقدمن أبناءهن فداءً لمستقبل أفضل ومن أجل الحرية والكرامة. الطبيبات والممرضات اللواتي تفانين في إسعاف وعلاج آلاف المصابين والجرحى (برزت طبيبة من سكان فاشلوم في طرابلس، بعد أن تطوعت بعلاج المصابين في بيتها لأن الناس لا تذهب للمستشفى خوفاً من كتائب القذافي، إلا أن الكتائب  قتلتها في بيتها). كما كان هناك نساءً يعملن بجد ودون كلل على الجبهات الإعلامية والسياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية.

 

في "اليمن السعيد"،

في "اليمن السعيد"، وبرغم التقاليد المحافظة، وشيوع ثقافة القبيلة، كانت المشاركة الإعلامية والواقعية الفاعلة لنماذج كـ"رحمة حجيرة"، و"فخرية حجيرة"، و"توكل كرمان"، و"سامية الأغبري"، و"فاطمة الأغبري"، لفتت الأنظار إلى حجم وأهمية الدور النسوي في الحراك الثوري اليمني.

 

فـ "توكل كرمان" ( الفائزة العربية بحائزة نوبل للسلام عن هذا العام 2011م) كان لها حضوراً متميزاً في الساحة السياسية والإعلامية اليمنية وتعتبر واحدة من قادة ثورة لا تزال قائمة حتى الآن. ظهرت في الفترة الأخيرة كأبرز نشاطة أشتهرت بمواقفها المناوئة للنظام الحاكم. وقادت ،في سياق ذلك، تظاهرات واعتصامات دورية أمام مجلس الوزراء للمطالبة بإطلاق الحريات الصحفية والإعلامية. وأول مظاهرات في حرم جامعة صنعاء للمطالبة بالتغيير في بلادها. واحتجزتها قوات الأمن لأيام.

وكان يوم 3 فبراير 2011م قد شهد أول تجمع نسوي كبير تحت مسمى "شباب بلا أحزاب" وهم شباب التغيير في الجامعة الجديدة لشابات غير متحزبات.

تفاعلت اليمنيات مع الأحداث من مختلف مواقعهن، فنشطت الممرضات والطبيبات في المشافي/ المساجد لمعالجة الجرحى، وجاهرت الإعلاميات ـ بأقلامهن وحضورهن الصحفي ـ في دعم عملية التغيير الشعبي. كما سجلن حضورًا في طليعة المسيرات حيث تصدرن المنابر لمخاطبة الجموع وبث روح الحماس في الشباب لدفعهم للمشاركة. وهناك مساحة كبيرة مليئة بالمئات من النساء، ومعظمهم من اللاتي يرتدين العباءات السوداء، ويحملن الأطفال الصغار.

خرجت "سمية القواس" الناشطة اليمنية مع زوجها لمخيم الاحتجاج في العاصمة صنعاء، منادية بالإصلاحات. بينما تقول الناشطة "أمل سلام": "وجودنا في الساحة أعطانا الحرية، هنا شعرنا بالحرية، وهنا شعرت بأنني يمنية، وبأنني امرأة، ولي دور في هذه الحياة وهذا المجتمع"، حسب وكالة رويترز.

ومن اللافت أن أحزابًا وقوي تُعد "محافظة" قد تقبّلت مشاركة المرأة في المسيرات والتظاهرات؛ والمأمول: "ألا يكون هذا الموقف مجرد تكتيك سياسي لعبور المرحلة الحالية". وعلي وجه العموم "فالمجتمع اليمني بات يقبل مشاركة المرأة في مسيرة التغيير، ويرافق الرجال أخواتهم وبناتهم وقريناتهم إلى ميادين التغيير في صنعاء، وتعز وغيرها".

في سوريا "الحرة الأبية"

في سوريا، حدث ولا حرج عن معاناة النساء.. قتلاً وتمثيلاُ واعتقالا وتعذيبا وتهجيراً وتشريداً. وكثيراً ما تعرضت له الثائرات السوريات للاعتداءات والضرب على يد رجال الأمن. كوّن مئات السيدات مسيرات عبر بلدة بيدا لشجب الاعتقال العشوائي للكثير من رجالهن. تري ما حال أم وأهل الطفل المُعتقل/ المُعذب/ الشهيد "حمزة الخطيب" (13 عاما)؟. وقد راينا ما حل به من جريمة بشعة مروعة.

 لم تفلت المرأة ـ كسالي زهران وغيرها ـ من تقديم روحها ثمنًا لهذه الثورات. ويبقي المشترك الأبرز للنساء في أنهن الهدف الأسهل من قبل أغلب الاجهزة الامنية القمعية. وتهم الشرف والعار وسيلة، لتلك القوى، للتخلص من الثوار، أو الضغط عليهم.  

 على سبيل الخاتمة

لقد "ألهمت" ربيع الثورة العربية الكبري، السلمية الفريدة، المراقبين لها عبر أنحاء العالم قاطبة لكونها "ثورة ثقافية" قبل أن تكون "ثورة سياسية". لقد انبهر العالم بحضور المرأة "الحضاري" في الميادين الشعبية. مؤشر ودلالة وضمانة على التعديية والتنوّع والانفتاح الذي يطبع هذا الحراك الشعبي العربي المنظّم. لم نعتد أصوات النساء في الميدان، حتى مع أكثر الاحزاب تشدقا بالتقدمية وقيم المساواة.

اذا هذا الصوت النسائي " الميداني" صياغة لعهد وعصر جديد، لا تسير فيه النساء في خلفية المشهد الثوري، بل تتصدر منابرها، وقيادتها الرشيدة. الفرح اليوم ليس لان الشعوب العربية تصحو وتنفض عن كاهلها المذلة، وتحرر نفسها، وتصنع مصيرها ومستقبلها بيدها ولكن أيضا لهذا الزخم الشعبي، الذي يضم النساء الشابات (الفائزات بجائزة نوبل للسلام وتمثلهن "توكل كرمان")–وغير الشابات- الى جوار الشباب والرجا،.والشيوخ والأطفال.

جملة القول: تُقاس حضارة الأمم، ورقي البلدان بمدي مشاركة المرأة فيها. ولقد استطاعت عشرات الآلاف من النساء العربيات (من تونس إلى بنغازي، إلي القاهرة، إلى صنعاء، إلي دمشق)، علي إختلاف مشاربهن وأعمارهن، أن يكن "القوة الدافعة" للثورة العربية الكبري، و"زهرة ربيعها". تصدرن المشهد، واُسمعن العالم أصواتهن مدوية مطالبة بإسقاط الأنظمة القمعيَّة الإستبدادية، الفاسدة المُفسدة التي تحكمت ـ في البلاد والعبادـ لفترات طويلة. وبمشاركتهن ـ حتي لو لم تأت جائزة نوبل للسلام لتوكلـ يمكن القول أن :"أمام كل ثورة عظيمة نساء عظام"، وفي"تقدم المرأة وثوريتها.. تقدم للرجل وثوريته".